الرئيسية / المغرب الكبير / المصادقة على حكومة الحبيب الصيد.. تأكيد الاستثناء التونسي بتعايش الإسلاميين والعلمانيين
sebsi-et-ghanouchi-avant-premiére

المصادقة على حكومة الحبيب الصيد.. تأكيد الاستثناء التونسي بتعايش الإسلاميين والعلمانيين

صادق البرلمان التونسي اليوم بـ 166 صوتا على حكومة الحبيب الصيد مقابل رفض 30 نائب وامتناع 8 نواب. وتضم حكومة الحبيب الصيد  27 وزيرا و14 كاتب دولة، منهم 7 وزراء وكاتب دولة منتمين لحركة نداء تونس  ، ووزيرو3 كتاب دولة منتمين لحركة النهضة و3 وزراء من حزب آفاق تونس  و3 وزراء من الاتحاد الوطني الحر فضلا عن شخصيات مستقلة. وتمّ دعم هذه الحكومة اليوم في جلسة المصادقة  التي حضرها 204 نواب من مجموع 217 نائبا عدد نواب المجلس  من بينهم نواب حركة نداء تونس (وسط، صاحب الأكثرية في البرلمان بـ 86 نائب) و69 نائب من حركة النهضة و16 نائب من الاتحاد الوطني الحر (ليبيرالي) و8 نواب من حزب آفاق تونس (ليبيرالي)  ونائب واحد عن حزب الجبهة الوطنية للإنقاذ، ما أدى لحصولها على ثقة المجلس بأغلبية مريحة. والكتل الحزبية المشاركة في الحكومة تعد 180 نائب إلا غياب البعض وامتناع نواب قليلين من حركة نداء تونس رافضين لدخول حركة النهضة الحكومة جعلها تنال الثقة ب166 متفوقة بذلك على حكومة حمادي الجبالي ( ديسمبر 2011 فبراير 2013 ) التي نالت الثقة ب154 نائب ورفض 38 وامتناع البقية عن التصويت وحكومة علي العريض (مارس 2013 يناير 2014 ) التي وافق عليها 139 نائبا ورفضها 45 وامتنع عن التصويت عليها 13 وحكومة المهدي جمعة (أواخر يناير 2014 – فبراير 2015) التي نالت الثقة ب149 صوتا مقابل رفض 20 نائب وامتناع 24 آخر عن التصويت. وشهدت الأيام القليلة الماضية تجاذبات كثيرة داخل الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية لـ 26 أكتوبر الماضي، نداء تونس، ما بين رافض لتشريك حركة النهضة في الحكومة وداعم لذلك،  وتشبّث الجناح اليساري للحزب برفض الاشتراك مع حركة النهضة في حكومة واحدة وهو الموقف الذي عبر عنه أمين عام الحزب ووزير الخارجية المكلف الطيب البكوش  الأحد الماضي في تصريحات للإعلاميين.  في المقابل، يرى مراقبون أن قبول “النهضة” بتمثيل “محتشم” (وزير واحد و4 وزراء دولة) في حكومة الحبيب الصيد مفاده قراءة من قيادة النهضة وخاصة رئيسها راشد الغنوشي للأوضاع الداخلية لتونس ولما يعتمل في محيطها الإقليمي من تقلبات واضرابات تستدعي اعطاء الأولوية للاستقرا في تونس، فالوضع في ليبيا ، وما آلت إليه الأوضاع في مصر، تعد خير شاهد على هذه التقلبات.  وتذهب المصادر نفسها إلى أن الغنوشي يريد تجنيب حركته وتونس صداما مع المنظومة القديمة العائدة إلى الحكم بانتخابات حرة قد يؤدي بالأوضاع في البلاد إلى مآلات شبيهة بما آلت إليه ثورات الربيع العربي في مصر وليبيا وسوريا واليمن. وبحسب عديد المتابعين للشأن التونسي لم يكن هذا الوضع رغبة خاصة لدى الغنوشي فقط بل أيضا لدى الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي، مؤسس حركة نداء تونس، صاحبة الأكثرية في البرلمان الحالي، حيث كان كثير التشاور مؤخرا مع راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة انطلاقا من رغبة قوية لديه أيضا في تجنيب البلاد صدام “القديم والجديد”، سيما أن حركة النهضة لها 69 نائبا ولا يمكن تشكيل حكومة قوية ومسنودة من البرلمان إلا عبر موافقة من نواب حركة النهضة، وبناء على هذا الموقف التوافقي من السبسي، فلم يستجب للضغوط الشديدة التي تعرض لها من الشق اليساري في الحزب الذي كان يقوده (نداء تونس).  وقد أكد الغنوشي في تصريحات خاصة بالأناضول  تنشر لاحقا في إطار مقابلة أن الشراكة الحكومية مع نداء تونس تأتي في سياق اتفاق مع رئيس نداء تونس الرئيس الحالي الباجي قايد السبسي “لفتح الطريق أمام مزيد من الوحدة الوطنية وخاصة بين التيار الإسلامي والتيار الدستوري (علماني أسسه الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة).  وفي الاتجاه نفسه، فإن الأوضاع الاقتصادية في تونس، حيث تتفاقم البطالة وغلاء الأسعار، تضغط على حزب نداء تونس المكلف بتشكيل الحكومة، من أجل توفير كل أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي لحكومة الحبيب الصيد لتحقيق انتعاشة اقتصادية طال انتظارها منذ ثورة 2011 التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي. وهكذا فإن الائتلاف الحكومي الذي نال ثقة البرلمان اليوم  – الذي يضم اهم قطبين سياسيين في البلاد (نداء تونس والنهضة) – كفيل بتوفير عوامل الاستقرار المنشود حيث تتوفر الأحزاب المشاركة في الحكومة على 180 نائب من مجموعة 217 نائب الذين يشكلون مجلس نواب الشعب، أي بنسبة 82 بالمائة. كما أن القاعدة الاجتماعية والشعبية الواسعة للأحزاب المشكلة للائتلاف الحكومي قادرة على توفير أسباب “السلم” الاجتماعي الذي تتطلبه الأوضاع الصعبة في تونس. إلا أن بقاء “الجبهة الشعبية” (15 نائبا في البرلمان)، التي راهنت على “إقصاء النهضة من حكومة الصيد” بحسب تصريحات زعمائها، خارج الائتلاف الحكومي قد يُبقي على بعض أسباب التوتر  بسبب سيطرة التيارات المساندة للجبهة الشعبية ذات التوجهات اليسارية على النقابات الرئيسية.  وبين التصويت اليوم على حكومة الصيد ان المعارضة لها ستكون ضعيفة جدا ( 30 نائب فقط عارضوها) ويؤشر التحالف الحكومي الحالي في تونس إلى وجود تفاهمات “عميقة” بين حركة نداء تونس وحركة النهضة أساسا وحزب الاتحاد الوطني الحر وحزب أفاق تونس بدرجة ثانية على معالم المرحلة المقبلة في تونس. وقد يعكس الائتلاف الحكومي الحالي في تونس أيضا ما ذهبت إليه الأناضول في تحليل سابق  إلى أن القوى المؤثرة في تونس اقتنعت بضرورة تعايش القديم والجديد لتوازن القوى من ناحية،  ولتجنب النتائج الوخيمة لاستمرار التجاذبات السياسية على أسس إيديولوجية.  وقد أكد الغنوشي في تصريحه للأناضول ينشر لاحقا أن خيار التوافق “أنقذ التجربة التونسية من مصير بقية الثورات العربية التي انتهى بها الصراع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين إلى الانهيار”. ولاشك أن عديد القوى المناوئة لفكرة التعايش –مهما كانت قليلة- ستعمل على إفشال “الاستثناء التونسي ” وستستغل كل مناسبة لإعادة الصراع التاريخي بين الإسلاميين والعلمانيين، إلا أنه ستواجها حتما قدرة المدافعين على فكرة ” التعايش ” على حماية منجزهم الذي تأكد اليوم في رحاب مجلس نواب الشعب التونسي.