الرئيسية / دراسات / الأنثروبولوجيا هي الحل
يحيى الشيخ زامل

الأنثروبولوجيا هي الحل

في كتابه “الإثنولوجيا” يفيد “محمد الخطيب” بأن: الانثروبولوجيا تتميز بالنظرة الكلية الشاملة، أي المنهج الكلي التكاملي الذي يهدف الى تحديد جميع عناصر الثقافة في أي مجتمع، فمثلا إذا درس الأنثروبولوجي مجتمع ما فعليه ان يبحث كل عنصر مادي او اجتماعي او فكري في حياة ذلك المجتمع، بحيث يصل في النهاية الى تحديد طريقة الحياة التي يعيشها افراده، ولذلك يهتم بملاحظة مساكنهم وملابسهم وادواتهم ونظام العائلة والقرابة والنظام الاقتصادي والمعتقدات والطقوس الدينية واللغة المستخدمة والسحر ووسائل الضبط الاجتماعي من سنن اجتماعية وتقاليد، وكذلك يحدد صور الفن المنتشرة، كما أنه يعنى ايضاً بدراسة النظام السياسي والجماعات والأدوار الاجتماعية للأفراد في داخلها (محمد الخطيب : الإثنولوجيا، ص15 ).
لذلك من خلال هذه الدراسة المستفيضة عن ثقافة المجتمع المادية والمعنوية يستطيع الأنثروبولوجي أن يحيط بكل العناصر التي يتسم بها ذلك المجتمع، بحيث يستطيع عالم واحد ـ الأنثروبولوجي ـ ان يلم بكل جوانب ذلك المجتمع وتحديد مظاهره ومشاكله، وبالتالي يكون هو الأقدر على تحديد احتياجاته الاساسية والضرورية، واي حاجة هي مهمة له، وايها الأهم حسب قيمه وتقاليده وعاداته، وايها يتعارض مع تلك القيم، وايها سوف يلقى النجاح، وايها يلقي الفشل نتيجة للثقافة العامة لذلك المجتمع.

الأنثروبولوجيا الصورة الكلية :

ولاشك ان الأنثروبولوجي لن يصل الى معرفة التخصصات الدقيقة لكل علم من العلوم كالمتخصص فيها…. فمثلا لا يستطيع ان يفهم العملية الاقتصادية كما يفهمها الاقتصادي المتخصص، وليس بإمكانه ان يفهم القانون كما يفهمه رجل القانون…وكذلك بقية التخصصات الأخرى….ولكنه وحده يستطيع أن يعطينا صورة كلية شامله لجميع مظاهر الحياة الاجتماعية بكل تداخلاتها وملابساتها سواء كان ذلك في مجتمع تقليدي أو معاصر بحكم منهجه الكلي والتكاملي الذي يتبعه.
وهذا بالضبط ما يحتاجه العراق اليوم بعد أن بدأ يستثمر ثرواته لخدمة المجتمع ويطمح ألى إشباع وتحقيق الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع وعلى كافة الأصعدة، ان المراقب للمشاريع الكثيرة التي تجري هذه الأيام في عموم القطر، وبتلك الأرقام المهولة من الأموال، يحس احساساً عميقاً بأنها لم تجري وتختار بشكل دقيق يعبر عن حاجات المجتمع الضرورية، ولم يجري لها التخطيط اللازم، فأكثرها متعثر وغير ذات جدوى لا في الوقت المعاصر ولا بعد حين، وخير مثال على ذلك مشاريع تحسين الطاقة الكهربائية التي أصبحت من الأحلام بعد عشرة سنوات من التغيير، وبعض المشاريع الأخرى التي انجزت أو مازالت قيد الإنجاز (* ).

الأنثروبولوجيا والتخطيط :

هناك علاقة جوهرية بين الانثروبولوجيا والتخطيط، وكلاهما الواحد مكمل للأخر خاصة في البلدان التي تُشرك الأنثروبولوجي في المساهمة بتخطيط مشاريعها، وهي عملية تحتاج وعياً وإدراكاً عالياً من قبل القائمين على التخطيط، ففي الوقت الذي يهمل الكثير من المخططين دور الأنثروبولوجي ويعتبروه عبئاً، يراه البعض الأخر جوهر العملية التخطيطية وسبب نجاحها، ولكي نوضح تلك العلاقة لابد لنا من التطرق إلى مفهوم التخطيط وتأريخه وكيف يفهمه المتخصصون في العالم المتقدم والنامي.
والمفهوم العام للتخطيط هو القيام بعمليات وإجراءات منطقية لمواجهة موضوع مستقبلي، أو تحقيق أهداف مستقبلية وفق أولويات مسوَّغة وحسب الإمكانات المتاحة. ويناقش “جان تنبرغن” مفهوم التخطيط، فيرى أن التخطيط يصبح مرغوباً به كلما كانت آثاره مرغوباً بها، وستزيد هذه الآثار:

1ـ كلما زادت الحاجة إلى التنبؤ.
2ـ وكلما زادت الحاجة إلى التزام أهداف ما.
3ـ وكلما زادت الحاجة إلى تنسيق العمل.

وتتوقف الحاجة إلى كل من العناصر الثلاثة على نوع البنيان الاقتصادي للدولة، وعلى ظروفها بشكل عام، واختلف تعريف التخطيط باختلاف المدارس الاقتصادية والأنظمة السياسية. وقد حصر معظم مفكري المدرسة البرجوازية مفهوم التخطيط بأنه : عملية فنية مستقلة عن طبيعة النظام السياسي، كما رأوا أن يكون تدخل الدولة بصورة غير مباشرة، أي أن يكون تدخلاً توجيهياً لنشاط القطاع الخاص ولصالحه.
أما الاقتصادي السوفييتي ” سميرنوف ” فيعرف التخطيط الاقتصادي: بأنه العمل الطوعي للجماهير في قيادتها للحياة الاقتصادية والاجتماعية.
أما مضمون التخطيط فيتمثل في إقامة التوازن المنطقي السليم في توزيع الموارد البشرية والمادية والمالية بين مختلف فروع الاقتصاد الوطني وقطاعاته، وذلك من أجل إقرار مهمات اقتصادية واجتماعية معينة، في ظروف لا يكون فيها للسوق والمنافسة أثر أساسي وحاسم في تطور الإنتاج وفي توزيعه واستهلاكه. وهكذا فإن المدرسة الاشتراكية عكس المدرسة البرجوازية، تؤكد الارتباط المتين بين التخطيط الاقتصادي وطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي. والخلاصة فإن مهمة التخطيط تتركز بالأساس على إقرار مهمات اقتصادية واجتماعية يرغب المجتمع في الوصول إليها والعمل على تنفيذها.

أولى محاولات التخطيط :

جرت أولى محاولات التخطيط الاقتصادي في الاتحاد السوفييتي منذ عام 1920 وكان هدفها البعيد هو إنجاز عملية التصنيع لاقتصاد زراعي بالدرجة الأولى في إطار نظام أوامري صارم بقيادة الاقتصاد الوطني، وقد كان لنجاح الممارسة التخطيطية في الاتحاد السوفييتي أكبر الأثر في اعتبار التخطيط أداة وأسلوباً للتغلب على الصعوبات الاقتصادية من قبل العديد من الدول غير الشيوعية وخاصة الصعوبات التي كانت سائدة عقب أزمة الثلاثينات وفي فترة مابين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ولم يأت عقد الخمسينات من القرن الماضي إلا وكانت جميع الدول تأخذ بمقولة أن تسهم الدولة إسهاماً بارزاً في الشأن الاقتصادي وأن تمارس بعضها شكلاً من أشكال البرمجة والتخطيط وتوجيه النشاط الاقتصادي لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية مرغوبة. وتواصل هذا الاتجاه في الستينات والسبعينات مع اختلاف طرائق التخطيط والتوجيه باختلاف النظم الاقتصادية والسياسية.

التخطيط في الدول النامية :

يوضح ” عصام خوري ” في مقال عن ” التخطيط – مستوياته – انواعه – لمحة تأريخية “، إن الدول النامية ما ان حصلت على استقلالها السياسي حتى شرعت في إدخال أسلوب التخطيط الاقتصادي، واعتمدت غالبيتها على نظام الخطط الخمسية التي كانت محاولات لتطوير عملية التنمية من خلال ثلاثة مداخل:

1ـ العمل على زيادة الحجم الكلي للاستثمار.
2ـ توجيه بعض الاستثمارات لإزالة الاختناقات في نطاق الإنتاج بالنسبة للقطاعات الاقتصادية الرئيسية.
3ـ العمل على تأمين مستوى جيد للتنسيق والتوافق بين الأجزاء المختلفة للخطة.

وكانت هذه الدول النامية الفتية تبدأ عملها التخطيطي ببرامج وخطط مبسطة تتضمن قائمة بمشروعات مطروحة من الإدارات الحكومية المختلفة من دون مراعاة لشروط التكامل فيما بينها. ومع ذلك فقد كان بالإمكان لهذا المستوى من التخطيط أن يحقق كثير من الفوائد، ويقلص من الاختناقات فيما لو انتُقيت المشروعات وصُمِّمت بصورة صحيحة وأكثر ملائمة، وكانت المشكلة الدائمة في أن إدراج هذه المشروعات كان يتم في كثير من الأحيان من دون دراسة وافية ومن دون تقويم موضوعي لتكاليفها ومنافعها، إلى جانب أن ضعف التنسيق فيما بينها يزيد من نسبة الهدر ويقلص من دور الأولويات.

مستويات التخطيط.. التخطيط الشامل :

وهناك عدة مستويات للتخطيط يمكن العمل بها وفق الحاجة اليها، وتشتمل على التخطيط الشامل، والجزئي والقطاعي، والإقليمي، ولعله ما يحتاجه بلد مثل العراق هو ” التخطيط الشامل” : والذي يشمل كل الأنشطة الاقتصادية للبلاد، ويتطلب تحديداً دقيقاً للأهداف المطلوب تحقيقها في جميع مراحل عملية إعادة الإنتاج الموسع. ويرتبط نجاح هذا التخطيط بمدى تضمنه أهداف المجتمع وطموحاته وبمدى توفر أركانه الأساسية المتمثلة بـ ” الواقعية والشمولية وبالمرونة والاستمرارية “، وفي تنفيذ هذه البرامج الاستثمارية يجرى الاعتماد على دور الموازنة السنوية في التخطيط، وقد حاولت بعض الدول الانتقال بالتخطيط إلى مرحلة التخطيط الشامل الذي يضم نشاط القطاعين العام والخاص، ويجمع بين النشاط الاقتصادي الكلي ومستوى المكونات التفصيلية للمتغيرات الإجمالية، والذي يعبر عن رغبة الدولة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسيطرة على النشاط الاستثماري والتجارة الخارجية إضافة إلى قيامها بعملية الدفعة القوية التي تستطيع من خلالها إقامة مجموعة من المشروعات المتكاملة اقتصادياً وتقنياً.

تجارب سابقة / البلدان الاشتراكية

وفي مجموعة البلدان الاشتراكية جرى تبني أسلوب التخطيط المركزي والتخطيط التفصيلي لجميع فروع الإنتاج المادي والخدمي في إطار الملكية العامة لوسائل الإنتاج والإدارة المركزية للموارد الوطنية، وكان الأمر يتطلب اتخاذ قرارات مركزية وتفصيلية بما يجب إنتاجه وبمستوى الأسعار والأجور ومستوى الاستثمار والتجارة الخارجية والداخلية وبالنسبة لجميع المتغيرات الاقتصادية. وكان التبرير النظري لذلك أن قوى السوق لا تقيم، بل ولا يمكنها أن تقيم اعتباراً للقيم والمبادئ الاجتماعية. وهي تخضع أساساً لمصلحة أصحاب النزوات وتؤمن مصالحهم بالدرجة الأولى، إضافة إلى أن قوى السوق هذه عاجزة عن إمكانية تحقيق التشغيل الكامل لعناصر الإنتاج واستخدامها بكفاءة وفعالية.
وحقيقة الأمر أنه لم يأت عقد السبعينات من القرن العشرين إلا وكانت جميع الدول العربية والنامية تمارس شكلاً من أشكال البرمجة والتخطيط ولديها وزارات أو إدارات للتخطيط، وبانهيار الاتحاد السوفييتي ومجموعة البلدان الاشتراكية الأوربية انتهت الممارسة التخطيطية لهذه البلدان، وحلت محلها إجراءات للتحول بسرعة إلى آلية السوق ومحاولات لإبعاد الدولة عن التدخل في الحياة الاقتصادية، وفي مواجهة هذه التبدلات على الساحة الدولية وتنامي الاتجاهات الليبرالية الجديدة شرعت الدول الاشتراكية الأخرى بمحاولة إعادة هيكلة اقتصادها على نحو تستطيع معه جذب رؤوس الأموال الأجنبية مع المحافظة على أثر الدولة في إدارة الاقتصاد الوطني وتوجيه أنشطته.

دور الأنثروبولوجيا :

وهنا يأتي السؤال الأهم : ما الدور الذي تستطيع أن تقوم به الأنثروبولوجيا بالتخطيط للنهوض بالواقع العراقي اليوم ؟….وهنا لابد من مقدمة في الكلام تبين لنا الدور الذي يمكن ان تقوم به الانثروبولوجيا في تحسين الواقع الإنساني والتنموي في كل بلد تستطيع ان تجد من يصغي أليها ويشركها في مشاريعها، وليس في العراق فحسب.
يقول الدكتور ” مجيد حميد عارف ” في كتابه ” أنثروبولوجيا التنمية الحضرية ” : يعتقد الأنثروبولوجيين بأنهم قادرون على القيام بأجراء بحوث عن المشكلات الحضرية أو المتعلقة بالمناطق الحضرية مستخدمين في ذلك استراتيجية خاصة من المناهج والأساليب، ويمكن القول بصفة عامة أن الأنثروبولوجيين مؤهلون على نحو افضل للقيام بدراسات ذات طابع حضاري وثقافي مع التركيز بشكل خاص على بعض المناهج الميدانية مثل الملاحظة بالمشاركة ـ التغلغل الوظيفي ـ التي تتطلب اندماجاً وثيقاً في مجتمع البحث والمقابلات المعمقة، ويمكن اجراء البحوث المتعلقة بالمشكلات الأيكولوجية وعمليات التكيف والتغير والثبات الحضاري ـ الثقافي والاجتماعي وأساليب الحياة وأنساق القيم ( د. مجيد حميد عارف : أنثروبولوجيا التنمية الحضرية، ص17).
لذلك من المهم معرفة ان التنمية الشاملة في أي بلد تمثل عمليات تغيير اجتماعي واقتصادي وثقافي تلحق بالبناء الاجتماعي ونظمه ووظائفه، وأنها تسعى الى اقامة نمط اجتماعي وحضاري جديد يمكن عن طريقه اشباع الحاجات الإنسانية بأبعادها البيولوجية والاقتصادية والنفسية والاجتماعية والثقافية وفقاً للمنظور الأنثروبولوجي الذي ينظر إلى المجتمع بشمولية تتجاوز النظرات الضيقة والمحدودة لبعض النظريات والمناهج الأخرى…. والإسهام الذي تقدمه الأنثروبولوجيا في أجراء عملية التنمية والتخطيط لها بتطبيق المناهج الأنثروبولوجية في دراسة المشكلات بصورة شاملة إلى جانب ـ أن دعت الحاجة ـ استخدام الإحصائيات وجمع البيانات الكمية والانتفاع بها.

(*) قبل مدة عرضت فضائية الحرة عن مشروع مرسى زوارق في هور الناصرية كلف الدولة خمس مليارات مع أن الهور في جفاف وليس هناك أي زوارق، وكذلك شراء مولدات ضخمة منذ 2007 وتركها في العراء دون نصبها مما أدى الى تلفها، أو شراء مولدات غازية أوربية لاتتلائم مع البيئة العراقية الحارة…..الخ.

*باحث في الأنثروبولوجيا