الرئيسية / دراسات / المشكلة الغذائية في العالم جوهرها وأسبابها الحقيقية
ghidae

المشكلة الغذائية في العالم جوهرها وأسبابها الحقيقية

في العالم اليوم مليار ومئة مليون نسمة (أي سدس البشرية) يعانون الجوع وسوء التغذية. وحسب معطيات الأمم المتحدة، التي وردت في تقرير أمينها العام، بان كي مون أمام “القمة العالمية للأمن الغذائي”، أو كما سماها البعض “قمة الجوع” التي انعقدت في أواسط شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2009 في روما، فإن سبعة ملايين طفل في العالم يموتون سنويًا بسبب الجوع، أي 17 ألف طفل في اليوم، بما معدّله طفل واحد كل خمس ثوان. إنه رقم مرعب، يصعب تصديقه، ولكنه للأسف الشديد حقيقي، يصفع بواقعيته كل ضمير حي. إن ذلك يحدث في وقت يُنتج فيه العالم من الغذاء اليوم ما يكفي لإطعام كل سكان الكوكب.
المشكلة، إذًا، ليست في الإنتاج وزيادة فعاليته، بل في التوزيع. فنحن اليوم لا نعيش في عالم الندرة. إذ أن الثورة الصناعية حرّرت المجتمع من “الندرة الإقتصادية”، وأزالت التناقض بين تزايد عدد السكان، وبين توافر الغذاء لإطعام الأعداد المتزايدة منهم. فقد بات الإقتصاد العالمي قادرًا على إنتاج كميات من السلع والغذاء والثروات بحيث يمكن تأمين الحاجات الأولية لجميع سكان العالم، وإبعاد خطر المجاعة عنهم. غير أن المشكلة، كما ذكرنا، لا تقع في دائرة الإنتاج، بل في التوزيع المتفاوت للموارد والثروات والإمكانات. إذ تفيد معطيات الأمم المتحدة أن 10% فقط من ثروات حفنة من أصحاب المليارات في العالم، كافية لسد حاجات المليار فقير من الغذاء والدواء وماء الشفة (1).
في “القمة العالمية للأمن الغذائي” التي انعقدت في روما في أعقاب الأزمة الغذائية العام 2008، والتي شهد العالم خلالها ارتفاعًا باهظًا بلغ نسبًا قياسية في أسعار المواد الغذائية ولاسيما الأساسية منها، وأدى إلى أعمال شغب واضطرابات في عدد من البلدان الفقيرة، في هذه القمة تجلى الإنقسام “الطبقي” بين دول العالم. فقد أحجمت الدول الغنية عن المشاركة في المؤتمر، باستثناء الدولة المضيفة إيطاليا، وفشلت القمة في انتزاع تعهّد من الدول الغنية بتأمين مبلغ 44 مليار دولار لانتشال ملايين الناس من الجوع، عن طريق تقديم المساعدة للدول النامية من أجل تحقيق الإكتفاء الذاتي من الغذاء. وللمقارنة فقط، نشير إلى أن الولايات المتحدة وحدها، خصّصت 747 مليار دولار من أموال المكلفين لإنقاذ حفنة من كبار الرأسماليين خلال الأزمة المالية العالمية الأخيرة، وللحفاظ على ديمومة المصارف والشركات المالية الكبرى وربحها.

1 – جوهر المشكلة
تعتبر المشكلة الغذائية في العالم واحدة من المشكلات الكونية التي تواجهها البشرية، لا بل ربما أكثرها حدة في عصرنا الراهن، كونها تمسّ مباشرةً حياة مئات الملايين من الناس وبقاءهم. وتظهر معطيات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) حدة المشكلة الغذائية وحجمها، حيث تشير هذه المعطيات إلى أن عشرات الملايين في العالم مهدّدون بالموت اليوم، بسبب الجوع والأمراض الناجمة عن سوء التغذية. فمئات الملايين يعانون الجوع، في حين أن أكثر من مليار ونصف مليار إنسان يتحمّلون مختلف أشكال سوء التغذية، بما في ذلك ما يسمى سوء التغذية “غير المرئي”، أو “الجوع الخفي” (2) . أي عندما تؤمّن وجبات التغذية التقليدية الكمية الكافية من السعرات الحرارية، ولكنها لا تتضمّن الحد الأدنى الضروري من البروتيين والدهنيات، ذات المصدر الحيواني خصوصًا، وكذلك العناصر الدقيقة. وثمة تقديرات تفيد بأن ربع أطفال البلدان النامية يعانون في الوقت الراهن “سوء التغذية غير المرئي”. ومن الواضح أن نقص هذه المكوّنات الغذائية البالغة الأهمية ينعكس سلبًا على صحة الناس، وينجم عنه انخفاض نسبي في نوعية اليد العاملة وكفاءتها، التي تكون في الغالب غير صالحة للعمل في قطاعات الإقتصاد العصرية في البلدان النامية.
ومن الثابت أن ثمة جذورًا تاريخية عميقة لمسألة تأمين المواد الغذائية لسكان الكوكب. فقد رافق النقص في المواد الغذائية البشرية على مدى تاريخها، الذي كان على الدوام تاريخًا للكفاح من أجل القوت. فعلى سبيل المثال، تتحدّث أساطير هنود أميركا اللاتينية عن آلهة الجوع. أما في الأساطير اليونانية القديمة، فعندما فتحت “باندورا” العلبة التي أوكلتها إليها الآلهة، أفلتت منها كل العيوب البشرية والشرور، ومن بينها الجوع الذي انتشر في أنحاء الكوكب كلها.
في القرون الوسطى، حصدت المجاعة ملايين الناس، وتبعتها أنواع شتى من الأوبئة. ففي إنكلترا، سُجل ما بين عامي 1005 و1322، إنتشار 36 وباء ناجم عن الجوع. ولاحقًا، مع تطوّر التجارة ووسائل المواصلات والتبادل بين المناطق والبلدان، تراجعت حدة المشكلة، ولكنها لم تختف نهائيًا. إن وقوع الإنسان فريسة الجوع أو عدمه، يتوقّف بالدرجة الأولى على “حقّه في الغذاء” (أي على كمية الغذاء التي يمكنه الحصول عليها أو شراؤها)، وليس فقط على كمية المواد الغذائية المنتجة أو المتوافرة في البلد أو المنطقة التي يقطنها. أي بكلام آخر، لا يكفي أن ينتج البلد أو يقتني المواد الغذائية بكميات وفيرة حتى يزول الجوع فيه، بل الأهم من ذلك أن تكون هذه المواد الغذائية متاحة لأفراد المجتمع وفي متناولهم. وهذا يتوقّف على توافر فرص العمل، وعلى القدرات الشرائية، وكذلك بالطبع على أسعار المواد الغذائية.
في العصر الراهن، تبرز حدة المشكلة الغذائية ومأساويتها نتيجة لطابعها المتناقض. فمن جهة، يؤدّي الجوع إلى هلاك الملايين: ففي النصف الثاني من القرن العشرين هلكت بسبب الجوع أعداد من الناس، تزيد عن كل الذين هلكوا خلال المئة والخمسين السنة السابقة بسبب الحروب والنزاعات المسلّحة والقلاقل الاجتماعية. ويموت سنويًا بسبب الجوع والأمراض الناجمة عنه في العالم، أعداد من البشر أكثر بعدة مرات من أولئك الذين قتلوا نتيجة انفجار القنبلتين الذريتين، اللتين ألقتهما الولايات المتحدة الأميركية على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين في نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. أما من جهة أخرى، فإن مستوى تطوّر القوى المنتجة والتطوّرات العلمية والتكنولوجية المستخدمة في الإنتاج الزراعي، تجعل الإنتاج العالمي من المواد الغذائية قادرًا عمومًا على تلبية الحاجات الغذائية لسكان العالم.
وللمشكلة الغذائية خصائصها في الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة، فهي تتّسم بالحدة بصورة خاصة في البلدان النامية والمتخلّفة، نظرًا للإرث الاستعماري وما خلّفه من نمط إنتاج في هذه البلدان، قاصر بنيويًا عن تلبية الحاجات الغذائية للسكان. ولكن هذا لا يعني أن المشكلة الغذائية غير قائمة في البلدان المتقدّمة. إلا أن طابعها هناك يختلف عن طبيعتها في البلدان النامية. فهي في البلدان المتقدّمة ذات طابع إجتماعي، توزيعي، ناجم عن التمايز الإجتماعي العميق في هذه البلدان، حيث أن قسمًا من السكان يعاني سوء التغذية، على الرغم من وجود فائض كاف من الموارد الغذائية فيها.
إن المشكلة الغذائية ذات بعد عالمي شامل (كوني)، سواء من حيث طابعها الإنساني، أم من حيث ترابطها الوثيق مع المهمة المعقّدة، المتمثّلة بتذليل التخلّف الإقتصادي والإجتماعي في الدول المستعمَرة سابقًا والتابعة. فعدم تلبية الحاجات الغذائية لعدد كبير من سكان البلدان النامية والمتخلّفة لا يشكّل عائقًا أمام فرص التقدّم فحسب، بل هو في الواقع مصدر دائم لعدم الإستقرار الإجتماعي والسياسي وللنزاعات في هذه البلدان. في هذا الصدد يقول بول كونواي، أحد كبار المسؤولين في الشركة الأميركية “كارغيل”، التي تعتبر من أكبر متداولي السلع الغذائية في العالم “أن الأمن الغذائي له علاقة بالإستقرار السياسي في الأسواق الناشئة. إنه بند سياسي عالٍ جدًا، لأن الحقيقة هي أنه إذا كان لديك سكان فقراء نسبيًا وتتضاعف عندك أسعار الغذاء مرتين أو ثلاث، فإن ذلك يمكن أن يتسبّب في زعزعة الوضع السياسي”.
وتتجلى كونية المشكلة الغذائية على نحوٍ آخر أيضًا. فإنتاج المواد الغذائية وتوزيعها والمتاجرة بها بين الدول، تعتبر الشغل الشاغل للحكومات، إن لم يكن في بلدان العالم كلها، ففي الغالبية الساحقة منها. ففي حين تعاني بلدان الجوع وسوء التغذية، تسعى بلدان أخرى إلى تحقيق التوازن في الوجبات الغذائية وفي نوعية الغذاء، وفي الوقت نفسه تجهد بلدان معيّنة لحلّ مشكلة الفوائض في المواد الغذائية أو معالجة المشكلات الصحية الناجمة عن الإفراط في استهلاكها لدى بعض الشرائح الإجتماعية فيها.

2 – مالتوس والمالتوسيون الجدد
أكّد توماس روبرت مالتوس (1766 – 1834)، الباحث والإقتصادي الإنكليزي، أن ثمة علاقة وطيدة بين تطوّرعدد السكان وتطوّر كمية الإنتاج. ولكنه على عكس إبن خلدون الذي تحدّث منذ القرن الرابع عشر عن الصلة الوطيدة بين عدد السكان ومستوى الحضارة، حيث أن عدد السكان يشكّل عاملاً هامًا في تقسيم العمل والنمو، زعم مالتوس بأن نموّ عدد السكان يفوق الزيادة في إنتاج المواد الغذائية، قائلاً بحتمية النقص في المواد الغذائية نسبةً إلى زيادة عدد السكان، إذ “أن قوّة السكان على التناسل أعظم من قوة الأرض على إنتاج القوت للإنسان”. فقد اعتبر مالتوس أن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية، بينما يزيد الإنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية، مما يؤدّي حتمًا إلى نقص الغذاء والسكن.
هذا وصاغ مالتوس نظريته حول السكان في كتابه “بحث في مبدأ السكان”، الصادر العام 1798. وقد أثارت هذه النظرية ضجة كبيرة، حيث جاء فيها أن الشخص الذي ليس له من يعيله، والذي لا يستطيع أن يجد عملاً له في المجتمع، سوف يجد أن ليس له نصيب من الغذاء على أرضه. فهو عضو زائد في وليمة الطبيعة، حيث لا صحن له بين الصحون، وإن الطبيعة تأمره بمغادرة الزمن.
وقد أثارت هذه المقاربة المالتوسية لمسألة الغذاء إنتقادات حادة، كونها شكّلت أساسًا نظريًا للكثير من الممارسات اللاإنسانية في عدد من الدول، ومبرّرًا للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب، حيث أجبر بعض العرقيات، كالسود والهنود الحمر في أميركا، على إجراء التعقيم القسري. رحل مالتوس، ولكن نظريته ظلّت تجد لها مناصرين جددًا، يرون أن ثمة ارتباطًا وثيقًا بين المشكلة الديموغرافية والمشكلة الغذائية في العالم، معتبرين بأن نموّ سكّان الكوكب يجري اليوم بوتيرة أسرع بكثير من وتيرة نموّ إنتاج المواد الغذائية. والجدير بالذكر أن المالتوسية تنتعش دائمًا وتجد لها أنصارًا جددًا، كلّما واجهت الرأسمالية أزمات جديدة. فيسعى هؤلاء للإثبات بأن البؤس والجوع ليسا وليدي النظام غير العادل، وإنما هما نتيجة مباشرة لظهور أفواه جديدة وبأعداد كبيرة ومتزايدة، على نحو يعجز الكوكب بموارده المحدودة والمتناقصة باستمرار، عن إطعامهم. أحد هؤلاء المالتوسيين الجدد، وليام بلوم، يرى بأن عدد سكان الكوكب تضخّم على نحو مبالغ فيه، ويقترح “تخفيض نسبة الولادة بصورة حادة، لأن خفض عدد السكان سيترك أثرًا إيجابيًا في ما يتعلّق بمسألة تزايد الدفء على المستوى الكوني، وتوافر المياه والطعام” (3).
ولتعليل رأيهم يقول المالتوسيون الجدد بأن البشرية إحتاجت إلى 4 ملايين سنة لكي يصل عددها إلى ملياري نسمة، وإلى 46 سنة لتضيف إلى عددها مليارين آخرين، ثم إلى 22 سنة فقط لكي تضيف المليارين التاليين (4). لا ينفي المالتوسيون الجدد بأن نمو إنتاج المواد الغذائية في الماضي جرى على نحو أسرع من نمو عدد السكان، الأمر الذي أتاح زيادة حصة الفرد من المواد الغذائية، وذلك بفضل التطوّر التكنولوجي في المجال الزراعي. غير أنهم يزعمون بأن بداية القرن الحادي والعشرين شهدت أمرين جديدين مثيرين للقلق في ما يتعلّق بإنتاج المواد الغذائية. أولهما، تمثّل، في أن نموّ إنتاج المواد الغذائية أخذ يتباطأ تدريجًا، مقترنًا بعوائق منها تخفيض كلفة الإنتاج، وبالتالي الأسعار. والثاني، تمثّل في ارتفاع الكلفة البيئية التي تدفعها الطبيعة والبشرية، لقاء زيادة الإنتاج الزراعي. ويقول المالتوسي الجديد العالم البيولوجي الأميركي بول رالف إيرليخ في هذا الصدد: “إننا إذ نحاول إطعام العدد المتزايد من أبناء جلدتنا، فإننا نعرّض بذلك للخطرعمومًا قدرة الأرض في الحفاظ على حياة ما على سطحها” (5) .

3 – العوامل المؤثّرة على الوضع الغذائي
ردًا على هذه المزاعم، يقول فريد ماغدوف في «The Monthly Review» إنه لا توجد أي علاقة بين مئات ملايين الجياع في العالم ونموّ عدد السكان. فالسبب الفعلي يكمن في النظام الرأسمالي وفي آلية عمله والعلاقات الإنتاجية – الإجتماعية في داخله. ويؤكّد بأن ما يُنتج في الولايات المتحدة من مواد غذائية يفيض عن حاجة سكانها، ومع ذلك يبقى الجوع مشكلة خطيرة. ولو تقلّص عدد سكان الولايات المتحدة إلى النصف، فإن الفائض في المواد الغذائية سيزيد، ولكن الجوع لن يزول، وسيبقى من يعاني الجوع وسوء التغذية حتى في الولايات المتحدة. والأمر ينطبق على البلدان الأخرى. فالفقراء في الهند يعانون الجوع، فيما يتعفّن فائض القمح في مخازنه. العوز وسط الرفاه: محاصيل هائلة وجوع متفاقم (6) . فما هو سر هذا التلازم بين الوفرة في الإنتاج واتساع معضلة الجوع؟
خلافًا لمزاعم المالتوسيين، القدامى والجدد، هناك أسباب وعوامل حقيقية تؤثّر على الوضع الغذائي، وساهمت وما زالت في تفاقم المشكلة الغذائية، ولاسيما في البلدان النامية والمتخلّفة.
أولاً، إنّ أول هذه الأسباب يكمن في التقسيم الدولي للعمل الذي تكوّن تاريخيًا، وموقع البلدان النامية في الإقتصاد العالمي والتجارة الدولية، والوضع الذي وجدت هذه البلدان نفسها فيه، نظرًا للإرث الإستعماري وما خلّفه من نمط إنتاج فيها، اتُفق على تسميته “نمط الإنتاج الكولونيالي”، نمط الإنتاج المشوّه، الأحادي الجانب، الذي يقوم على التخصّص في إنتاج عدد محدّد من السلع التقليدية (منتجات زراعية، مواد أولية) أو تلك الموجّهة للتصدير والمرتبطة إلى حد التبعية الكاملة باقتصادات البلدان الصناعية المتقدّمة.
فعندما يتخصّص بلد معيّن في إنتاج نوع واحد أو بضعة أنواع من الزراعات الصناعية، التي تُصدّر حصرًا إلى الدول الصناعية المتطوّرة كمواد أولية لتلبية حاجات اقتصاداتها، وتستورد في المقابل القسم الأكبر من حاجاتها من المواد الغذائية من هذه الدول المتطوّرة، فإن هذا الوضع يتيح للدول الصناعية المتقدّمة التحكّم بأسعار الصادرات والواردات على حد سواء (صادرات البلدان النامية من المنتجات الزراعية والمواد الأولية، ووارداتها من السلع الصناعية والمواد الغذائية). وفي النتيجة، تكون محصّلة التبادل الدولي في غير صالح البلدان النامية، التي على الرغم من أن الغالبية الساحقة من سكانها تعمل في القطاع الزراعي، فإنها تجد نفسها عاجزة عن تلبية حاجاتها الضرورية من المواد الغذائية، في حين تتمكّن البلدان المتقدّمة من حلّ هذه المسألة إلى حد كبير (بفضل استخدام تكنولوجيا الإنتاج المتطوّرة وأحدث الإنجازات العلمية وتنظيم الإنتاج)، على الرغم من أن نسبة العاملين في الزراعة فيها لا تتجاوز الـ 10% من مجموع الناشطين إقتصاديًا فيها.
إن تخلّف غالبية البلدان النامية، الذي يتجلّى في تدني مستوى تطوّر القوى المنتجة في الزراعة، وفي تخصّصها الضيّق في مجالي الزراعة وإنتاج المواد الأولية، وفي فقر السواد الأعظم من السكان وضعف قدراتهم الشرائية، يفاقم بدوره المشكلة الغذائية في هذه البلدان. فضلاً عن ذلك، فإن تركيز بعض هذه البلدان على إنتاج السلع الزراعية المخصّصة للتصدير، والتي تخصّص لها أفضل الأراضي وأكثرها خصوبة، على حساب المواد الغذائية التي لا تزال تنتج في ظروف فلاحية تقليدية وبدائية، تتأثّر إلى حد كبير بالظروف المناخية، كل ذلك يجعل إنتاجية العمل في القطاع الزراعي لغالبية البلدان النامية متدنية جدًا. وللمقارنة نورد الأرقام التالية: فالعامل الواحد في القطاع الزراعي في بلدان ما يسمّى “العالم الثالث” يؤمّن الطعام لشخصين فحسب على أبعد تقدير، في حين أن العامل الزراعي الواحد في البلدان الغربية عمومًا يطعم أكثر من عشرين شخصًا. وتصل هذه النسبة في الولايات المتحدة الأميركية إلى ثمانين، وفي كل من بلجيكا وهولندا إلى مئة شخص.
ثانيًا، السبب الجوهري الذي يفسّر عمق الأزمة الغذائية الحالية، يتمثّل في السياسات النيوليبرالية المطبّقة بشكل عشوائي طيلة السنوات الثلاثين الماضية على نطاق الكوكب (تحرير التجارة في جميع الجوانب،
إنفلات حركة رؤوس الأموال عبر الحدود من دون أي ضوابط أو قيود وتطوّر الأسواق المالية المستقلّ إلى حد كبير عن تطوّر الإقتصاد الحقيقي، تفاقم معضلة الديون الخارجية لبلدان الجنوب، خصخصة الخدمات العامة والسلع)، وكذلك في النموذج الزراعي والغذائي الذي يخدم منطق الرأسمالية. ففي الواقع، هناك مشكلة نظامية عميقة تطال النموذج الغذائي العالمي، الذي هو أكثر عرضة للصدمات الاقتصادية والإيكولوجية والاجتماعية. فقد أدّت السياسات “التنموية” الاقتصادية التي تقودها بلدان الشمال منذ الستينيات (الثورة الخضراء، برامج التقويم الهيكلي، إتفاقيات التجارة الحرة الاقليمية، سياسات منظّمة التجارة العالمية، وسياسات الدعم المباشر وغير المباشر للقطاع الزراعي في بلدان الشمال) إلى تدمير الأنظمة الغذائية.
فبين الستينيات والسبعينيات، وقع ما يسمّى “الثورة الخضراء” التي روّجت لها مختلف المؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث الزراعية بهدف نظري يتمثّل في تحديث الزراعة في البلدان غير الصناعية. فكانت النتائج المبكّرة في المكسيك، وفي وقت لاحق في جنوب شرقي آسيا، مذهلة من وجهة نظرالإنتاج للهكتار الواحد. ولكن هذه الزيادة في المحصول لم يكن لها تأثير مباشر في الحد من الجوع في العالم. وهكذا، وعلى الرغم من ارتفاع الإنتاج الزراعي العالمي بنسبة 11%، تزايد عدد الجائعين في العالم في الفترة نفسها من 536 إلى 597 مليون (7).
كما أن الزيادة في الإنتاج، التي كانت في قلب الثورة الخضراء، لم تكن كافية لتخفيف وطأة الجوع لأنها لم تغيّر من تركّز السلطة الاقتصادية أو من إمكان الوصول إلى الأراضي أو من القوّة الشرائية. فلا يمكن تقليص عدد الناس الذين يعانون الجوع إلا بإعادة توزيع الموارد وتعزيز القوة الشرائية لأولئك الذين يشملهم سوء التغذية. فإذا كان الفقراء لا يملكون المال لشراء المواد الغذائية، فزيادة الإنتاج لن تحلّ المشكلة.
وقد ترتّب عن الثورة الخضراء آثار سلبية جانبية على الفلاحين الفقراء والمتوسطين، وعلى الأمن الغذائي في المدى الطويل. وزادت هذه الثورة من قوّة شركات الأعمال الزراعية في السوق، وتسبّبت في فقدان 90% من التنوّع الزراعي والبيولوجي، وقلّصت بشكل واسع منسوب المياه، وزادت من الملوحة وتآكل التربة، وشرّدت الملايين من الفلاحين من الريف إلى الضواحي الفقيرة للمدن، وخلقت أحزمة البؤس التي تلفّها. في حين تفكّكت الأنظمة الغذائية الزراعية التقليدية التي تكفل الأمن الغذائي.
وفي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، أدّى التطبيق المنهجي لبرامج التقويم الهيكلي في “بلدان الجنوب” بإيعاز من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بقصد تسديد الديون الخارجية، إلى تفاقم الأوضاع المعيشية، الصعبة أصلاً، لجزء كبير من سكان هذه البلدان. ويكمن محور الاهتمام الرئيسي لهذه البرامج في إخضاع إقتصاد البلد المعني لسداد الديون من خلال تطبيق مبدأ “تصدير أكثر وإنفاق أقل”.
وتتجلّى التدابير الصادمة المفروضة بموجب هذه البرامج في إجبار حكومات الجنوب على إلغاء دعم السلع الأساسية، مثل الخبز والأرز والحليب والسكر، وعلى خفض حاد للإنفاق العام في التعليم والصحة والإسكان والبنى التحتية. وجرى فرض خفض قيمة العملة الوطنية وجعل المنتجات أرخص للتصدير والحد من القدرة الشرائية للسكان المحليين، وتمت زيادة أسعار الفائدة من أجل جذب رأس المال الأجنبي، وتولّدت دوّامة مضاربة. وفي نهاية المطاف، أدّت سلسلة من التدابير إلى إفقار مدقع لمعظم شعوب هذه البلدان.
وروّجت هذه البرامج، على الصعيد التجاري، لسياسة الإنتاج الموجّه للتصدير بهدف تعزيز إحتياطيات العملات الأجنبية، وزيادة الزراعات الأحادية لأغراض التصدير، والحد من الزراعات المخصّصة للإستهلاك المحلي، مع ما يترتّب عليه من أثر سلبي على الأمن الغذائي والتبعية للأسواق الدولية. وجرى، بالتالي، تفكيك الحواجز الجمركية، وتسهيل دخول المنتجات عالية الدعم من الولايات المتحدة وأوروبا والتي تباع بأقل من سعر الكلفة، أي بسعر أقل من سعر المنتجات المحلية. وتم تدمير الإنتاج والزراعة المحليين، في حين جرى فتح أبواب الاقتصاد بالكامل أمام استثمارات الشركات العابرة للقوميات ومنتجاتها وخدماتها. وجرى توسيع نطاق الخصخصة الشاملة للمؤسسات العامة، وذلك في صالح الشركات المذكورة. وكان لهذه السياسات أثر مباشر على الإنتاج الزراعي المحلي وعلى الأمن الغذائي، حيث وضعت هذه البلدان تحت رحمة السوق ومصالح الشركات العابرة للقوميات والمؤسسات الدولية التي تروّج لهذه السياسات.
وقد وحّدت منظّمة التجارة العالمية، التي أنشئت العام 1995، سياسات برامج التقويم الهيكلي عن طريق المعاهدات الدولية والقوانين الوطنية. كما وحّدت الاتفاقات التجارية التي تديرها منظمة التجارة العالمية، كالاتفاقية العامة للتجارة والتعريفات الجمركية (GATT) والاتفاقية العامة للتجارة بالخدمات (GATS)، والاتفاقية المتعلّقة بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (TRIPS)، بقصد فرض مزيد من سيطرة بلدان الشمال على اقتصادات بلدان الجنوب.
هذا وأجبرت سياسات منظّمة التجارة العالمية البلدان النامية على إلغاء أو تخفيض التعريفات الجمركية على الواردات، وعلى وضع حد لحماية صغار المنتجين ودعمهم وعلى فتح حدودها أمام منتجات الشركات
العابرة للقوميات، فيما تحظى أسواق الشمال بحماية شديدة. وعلى المنوال نفسه، عمّقت المعاهدات الإقليمية، كإتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (NAFTA) وإتفاقية التجارة الحرة لأميركا الوسطى (CAFTA)، تحرير التجارة. مما أدى إلى إفلاس المزارعين في بلدان الجنوب، وجعلهم يعتمدون على استيراد المواد الغذائية من بلدان الشمال.
إن الإعانات الزراعية الأميركية والأوربية الموجّهة بالدرجة الأولى نحو الصناعات الزراعية الغذائية، تنال بالدرجة الأولى من صغار المنتجين المحليين. هذا الدعم، المباشر وغير المباشر، للأعمال الزراعية يطال ربع قيمة الإنتاج الزراعي في الولايات المتحدة و40% في الاتحاد الأوروبي. والمستفيد الرئيسي من هذه المساعدات في إسبانيا، مثلاً، هو الشركات الكبيرة التي تستفيد أكثر من السياسة الزراعية المشتركة للإتحاد الأوربي. ويقدّر أن 3.2% من المنتجين الرئيسين في إسبانيا يتلقون 40% من هذه المساعدات المباشرة، في حين أن المشاريع العائلية، التي تدعم المناطق الريفية في أوروبا والملايين من المزارعين في الجنوب، لا تملك فعليًا أي دعم وتعاني المنافسة غير العادلة لهذه المنتجات التي تحظى بدعم عالٍ.
قضت هذه السياسات “التنموية”، التي تقودها المؤسّسات الدولية، وبمباركة من الحكومات وفي خدمة الشركات العابرة للقوميات، على نظام الانتاج المحلي المستديم، واستبدلته بنموذج إنتاج غذائي مصنّع ومكثّف، خاضع للمصالح الرأسمالية التي أدّت إلى الأزمة الراهنة وانعدام الأمن الغذائي. فأصبحت بلدان الجنوب، التي كانت حتى حدود الأربعين العام الماضي قد حقّقت الاكتفاء الذاتي وفوائض زراعية تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، تعتمد اليوم اعتمادًا كليًا على السوق العالمية، وتستورد ما معدّله 11.000 مليون دولار من المواد الغذائية سنويًا. إن زيادة العجز الغذائي في بلدان الجنوب هي الوجه الآخر للزيادة في الفوائض الغذائية والتوسّع في السوق في بلدان الشمال الصناعية. ففي الستينيات، على سبيل المثال، كانت أفريقيا تصدّر المواد الغذائية إلى الأسواق العالمية بكميات كبيرة، وهي اليوم تستورد ما لا يقل عن ربع حاجاتها الغذائية.
ثالثًا، والعامل الآخر الذي لا يقل أهمية في ظهور المشكلة الغذائية وتفاقمها، والذي هو في الواقع نتيجة طبيعية للعاملين السابقين، يتمثّل في الدور الذي تضطلع به الشركات العابرة للقوميات في الإقتصاد العالمي، وفي اقتصادات البلدان النامية تحديدًا. فهذه الشركات فرضت نفسها كلاعب رئيس في أسواق المواد الغذائية، إنتاجًا وتسويقًا، حيث تمارس احتكار المواد الغذائية وتستخدمها في حالات عديدة كسلعة للمضاربة في أسواق أخضعت كل شيء للتسليع ولمنطق الربح: الأرض والمياه والغذاء والدواء. وربما الهواء. فشركة “كارغيل” الأميركية، مثلاً، التي تصل مبيعاتها إلى 71 مليار دولار، تسيطر على 45% من تجارة الحبوب في العالم (8).
وتتسم أنشطة الشركات العابرة للقوميات في هذا المجال بسمتين أساسيتين، هما الإحتكار والتركّز. فهي تتحكّم بإنتاج البذور والأسمدة والمبيدات وتسويقها، وتسيطر على شبكة توزيع ومبيعات المواد الغذائية على النطاق العالمي. وتتجلّى ممارسات هذه الشركات في بيع كميات كبيرة بهوامش صغيرة والتزوّد من المنتجين مباشرة. وتسعى شركات التصنيع الزراعي وشركات التوزيع العالمية الكبرى إلى تعميق سيطرتها على كامل السلسلة الإنتاجية، ولاسيما من خلال الإتجار المباشر بالمنتوج الزراعي بهدف تخفيض تكاليف الشراء وتعظيم الأرباح.
فسلسلة الأغذية الزراعية تخضع لتركُّز عالٍ للأعمال. ففي العام 2007، كانت القيمة المضافة لعمليات الاندماج والاستحواذ في الصناعة الغذائية العالمية (بما فيها المصنعون والموزعون والبائعون) تقارب 200 مليار دولار، أي ضعف ما كانت عليه العام 2005. وتعكس هذه الاندماجات الميل العالمي لإنشاء الشركات الاحتكارية في الصناعات الغذائية.
إذا بدأنا بالحلقة الأولى من السلسلة، أي البذور، نلاحظ أن عشر شركات من أكبر الشركات العالمية (“مونسانتو” و”دوبونت” و”سينجينتا”) تتحكّم بأكثر من نصف مبيعات البذور. إنها سوق بقيمة تناهز 21 مليار دولار سنويًا، وهو قطاع صغير نسبيًا بالمقارنة مع سوق المبيدات أو المواد الصيدلية. ولكن يجب أن نأخذ في الاعتبار أنها الحلقة الأولى في الصناعة الغذائية، إنما تنطوي سيطرتها على السلامة الغذائية على مخاطر جمة. فقوانين الملكية الفكرية التي تعطي حقوقًا حصرية للشركات على البذور، تحفز المزيد من تركّز الأعمال وتؤدّي الى تآكل الحقوق الأساسية للمزارعين في صون البذور الأصلية والتنوّع البيولوجي. في الواقع، فإن 82% من سوق البذور التجارية في جميع أنحاء العالم تتكوّن من البذور الحاصلة على براءة الاختراع، وتخضع لاحتكارات خاصة مثل الملكية الفكرية.
وترتبط صناعة البذور إرتباطًا وثيقًا بصناعة المبيدات. وتسيطر أكبر شركات البذور كذلك على قطاع المبيدات. وتقوم هذه الشركات بتطوير المنتجات وتسويقها على حد سواء. لكن الاحتكار في صناعة المبيدات هو أعلى، وتهيمن الشركات العشر الكبرى على 84% من السوق العالمية. إذ إن عمليات الاندماج والاستحواذ التي تقوم بها الشركات، تهدف إلى تحقيق الإستفادة من وفورات الحجم الكبير لتعزيز قدرتها التنافسية في السوق العالمية. وتتّجه هذه الشركات إلى عقد تحالفات وإبرام إتفاقيات “تكنولوجية” في ما بينها. ففي العام 2007، عقدت الشركات الكبرى للبذور والكيماويات، مثل “مونسانتو” و”باسف”، إتفاق تعاون في مجال البحث والتطوير لزيادة الأداء وتحمّل الجفاف الذي تتعرّض له الذرة والقطن والصويا. وتتيح هذه الاتفاقيات للشركات التمتّع بجميع مزايا الأسواق، مع إمكان التفلّت من قيود مكافحة الاحتكار.
ولوحظت الدينامية نفسها في قطاع التوزيع الكبير، الذي يتّسم بتركّز عالٍ في الأعمال. فقد تزايدت في أوروبا، منذ العام 1987، حصة الشركات العشر الكبرى فوق القومية في السوق، لتصل حاليًا إلى 45% في المجموع. ومن المتوقّع أن تصل إلى 75% في السنوات العشر المقبلة. وفي دولة مثل السويد، تهيمن ثلاث سلسلات من المتاجر الكبرى على 95,1% من حصة السوق، أما في الدانمارك وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وهولندا وبريطانيا والأرجنتين، فيتحكّم عدد قليل من الشركات بـ 45 إلى 60% من المجموع. كما أن الشركات الكبرى في البلدان الغربية تستوعب شبكات التوزيع الصغيرة في جميع أنحاء العالم، وتضمن توسّعها على الصعيد الدولي ولاسيما في البلدان النامية (9).
إن هذا الاحتكار يتيح فرض رقابة قوية لتحديد ما يؤكل، وثمنه وطريقة تسويقه وكيفية إعداده. ففي العام 2007، كانت شركة التجزئة المتعدّدة الجنسية “وول مارت” هي الشركة الأكبر في العالم من حيث عائدات المبيعات، وقد تفوّقت من حيث هذا المؤشّر حتى على عمالقة صناعة السيارات والنفط مثل “أكسون/موبيل” و”شل” وشركة البترول البريطانية و”تويوتا”. ويمارس نموذج التوزيع المجزأ هذا تأثيرًا سلبيًا قويًا على الجهات المعنية في السلسلة الغذائية: المزارعين، الموردين، المستهلكين والعمال.
إن الشركات العابرة للقوميات لا تعمل على احتكارسوق المواد الغذائية في العالم فحسب، بل وتحدّد أسعارها من دون ارتباط بقانون العرض والطلب في غالب الأحيان، ومن دون الحاجة إلى السوق وإلى “اليد الخفية” لهذه السوق (وليفعل آدم سميث ما يشاء). فالغذاء يُنتج ليس من أجل إطعام الناس، بقدر ما ينتج من أجل جني الأرباح القصوى. ولهذه الغاية تُحدد الأسعار، بحيث تصبح المواد الغذائية الأساسية بعيدة عن متناول أعداد متزايدة من الناس في مختلف أنحاء العالم، وليس في البلدان النامية وحدها. إذ أن المشكلة الآن تكمن ليس في نقص الغذاء، وإنما في العجز عن الوصول إليه. فارتفاع أسعار المواد الغذائية، إذًا، وبنسب مفتعلة ومبالغ فيها في أحيان كثيرة نتيجة سياسات تلك الشركات، هو أحد الأسباب والعوامل التي تساهم في تفاقم المشكلة الغذائية في العالم.
وصارت الشركات العابرة للقوميات تسيطر اليوم على مساحات شاسعة من الأراضي في الأرياف في البلدان النامية، سواء من خلال شرائها أو استئجارها لسنوات طويلة بمبالغ رمزية، أو من خلال الدخول كشريك مع جهات داخلية غالبًا ما تكون قريبة من مراكز القرار في السلطة في البلد المعني. فتكسر هذه الشركات بنشاطها، نمط الإنتاج الزراعي التقليدي المتوارث في هذا البلد، وتعيد توجيه الزراعة فيه باتجاه زراعات عصرية (تصنيعية أو ترفيهية) موجّهة نحو التصدير، حارمةً السكان المحليين زراعاتهم التي تؤمّن حاجاتهم الغذائية الضرورية، مع ما ينطوي عليه ذلك من تهديد للأمن الغذائي في البلدان النامية.
نذكرعلى سبيل المثال في هذا السياق ما يحصل في كينيا، التي تعاني غالبية السكان فيها سوء التغذية نتيجة النقص الهائل في المواد الغذائية، حيث يشهد هذا البلد نموًا سريعًا في زراعة الزهور، بحيث تحوّل إلى أكبر مصدّر للزهور إلى بلدان الإتحاد الأوروبي، علمًا أن القسم الأكبر من الإنتاج والصادرات يتم بواسطة شركات أجنبية. ولا تقتصر ممارسة هذه السياسة على الشركات العابرة للقوميات، بل هناك دول أيضًا تحذو حذو هذه الشركات. فوفق الأسبوعية الفرنسية “فرنسا الفلاحية” تمتلك شركات غذائية صناعية أوروبية 15% من المساحة الزراعية لرومانيا. كما أن كلاً من الصين الشعبية وكوريا الجنوبية واليابان والإمارات العربية المتحدة تمتلك مجتمعة خارج ترابها الوطني قرابة 8 ملايين هكتار من الأراضي الفلاحية، خصوصًا في باكستان والسودان وأندونيسيا وغيرها. وتهدف هذه الدول من وراء هذا التوجّه إلى ضمان أمنها الغذائي، وكذلك إلى استخدام جزء متزايد من هذه المساحات في زراعة محاصيل لإنتاج الوقود الحيوي بدلاً من الغذاء. وقد كان من نتائج هذه “الامبريالية” الزراعية انتزاع ملكيات صغار الفلاحين، خصوصًا من ينشط منهم في مجال الزراعات الغذائية. وبالتالي، فإن ارتفاع الإنتاج الزراعي في البلدان التي ينشط فيها المستثمرون الأجانب لا يعود بالفائدة على شعوبها، بل بالعكس فإنه يتحقّق في الغالب على حساب أمنها الغذائي (10) .
رابعًا، تجدر الإشارة إلى أن أسبابًا أخرى، عديدة ومتداخلة، تساهم أيضًا في ارتفاع أسعار المواد الغذائية، كمحصّلة لارتفاع كلفة الإنتاج الزراعي على المستوى العالمي، ومن ثم إلى تفاقم المشكلة الغذائية.
فالنموّ السريع الذي تشهده إقتصادات بلدان كبيرة كالصين والهند، فضلاً عن بلدان أخرى، وتسارع وتيرة التصنيع فيها أدى، من جهة، إلى ارتفاع مستوى المعيشة في هذه البلدان، ومن ثم إلى ازدياد أحجام استهلاك المواد الغذائية فيها ونسبها. كما أدّى، من جهة أخرى، إلى تسارع الطلب على النفط فيها، وبالتالي إلى ارتفاع أسعاره، ومن ثم إلى ارتفاع أسعار مكوّنات أساسية للإنتاج الزراعي، كالوقود وزيوت الآلات والأسمدة والمبيدات. كما أن ارتفاع أسعار الوقود يؤدّي بدوره إلى ارتفاع كلفة نقل المنتجات الغذائية إلى الأسواق، ومن ثم إلى ارتفاع في أسعارها.
خامسًا، ومن بين الأسباب التي تساهم في تفاقم المشكلة الغذائية في العالم تعزّز الإتجاه نحو تطوير “الوقود العضوي” وإنتاجه أو ما يسمى “الوقود الأخضر” أو “الحيوي”، أو “الزراعي”، خصوصًا مع الميل الثابت لارتفاع أسعار النفط والغاز، والذي سبّب ارتفاعًا كبيرًا في أسعار الأسمدة وتكاليف النقل المرتبطة بالنظام الغذائي، مما دفع إلى زيادة الاستثمار في إنتاج أنواع الوقود البديلة من أصل نباتي. ومع إدراك حقيقة مفادها أن عصر النفط الرخيص قد ولىّ، وأنه لا بد من البحث عن أنواع بديلة من الوقود، وجدها البعض في القطاع الزراعي، فتتحوّل مساحات شاسعة من الأراضي في العديد من البلدان، النامية خصوصًا، من زراعة الحبوب والزراعات الغذائية الأخرى، إلى زراعات لإنتاج الوقود العضوي. وقامت الحكومات في الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي والبرازيل بدعم إنتاج الوقود الزراعي نظرًا لندرة النفط وارتفاع درجة حرارة الارض. وفي هذا الصدد تشير شركة (Hart Energy Consulting) إلى أن استخدام الوقود العضوي سيتضاعف بحلول العام 2015، وأنه سيشكّل ما بين 12 و14% من الإستخدام العام للوقود في العالم (ستبلغ النسبة 30% في الولايات المتحدة). والمفارقة أن الهند والبرازيل، حيث نسبة الفقر والجوع وسوء التغذية عالية جدًا، هما أكبر مصدر للوقود العضوي في العالم (11).
لكن إنتاج هذا الوقود الأخضر يدخل في منافسة مباشرة مع إنتاج الغذاء. فقد استخدمت الولايات المتحدة العام 2007 حوالى 20% من إجمالي إنتاجها للحبوب في إنتاج الايثانول، وستصل النسبة هذه إلى 33% في العقد المقبل. وقد اعترفت منظمة الفاو في تقريرها حول الأمن الغذائي للعام 2008 بأنه من المرجّح جدًا، في المدى القصير، أن يكون للتوسّع السريع للوقود الأخضر في جميع أنحاء العالم أثر كبير على الزراعة في أميركا اللاتينية، ويؤدّي تخصيص 5% من إنتاج العالم من الحبوب لإنتاج الوقود الزراعي مباشرة إلى زيادة في أسعار الحبوب. وبقدر ما يتم تحويل الحبوب مثل الذرة والقمح والصويا إلى وقود زراعي، ينخفض إمداد السوق بالحبوب، ومن ثم ترتفع أسعارها. فبحسب معطيات وزارة الزراعة الأميركية، أدى إنتاج الوقود الزراعي إلى رفع أسعار الحبوب ما بين 5 و20%. أما المعهد الدولي لأبحاث السياسة الغذائية فيرى أن الرقم هو حوالى 30%، في حين يقول تقرير البنك الدولي أن من شأن إنتاج الوقود الزراعي أن يؤدّي إلى رفع أسعار الحبوب بنسبة 75% (12).
سادسًا، ومن الأمور التي تضطلع بدور كبير في تفاقم مشكلة الغذاء في البدان النامية أيضًا حقيقة تطوّر تكنولوجيا الإنتاج الزراعي في البلدان المتطوّرة، التي تحوّل بعضها إلى مصدر للمنتجات الزراعية والمواد الغذائية. أي ما نشهده من تبدّل في التقسيم الدولي للعمل، تحوّلت بموجبه دول صناعية متطوّرة إلى التخصّص في إنتاج سلع زراعية على أسس علمية وتكنولوجية حديثة، وتصديرها إلى البلدان الأخرى بما فيها البلدان النامية، وبأسعار عالية. ويقترن ذلك مع لجوء حكومات الدول الصناعية المتقدّمة، سواء في الإتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة أو اليابان، إلى تقديم الدعم المباشر لمزارعيها.
سابعًا، تسارع ظاهرة “التمدين” في البلدان النامية، أي نزوح أعداد واسعة من سكان الأرياف إلى المدن، وتجمّع قسم كبير منهم في أحزمة بؤس تلفّ هذه المدن، مع ارتفاع نسبة البطالة فيها إلى مستويات غير مسبوقة، وتقلّص عدد العاملين في القطاع الزراعي وانتقال الفئات الأكثر حيوية ونشاطًا إقتصاديًا إلى قطاعات الاقتصاد الأخرى غير المنتجة للمواد الغذائية، وإهمال مساحات واسعة من الأراضي في الأرياف.
وهي أمور تؤدّي إلى تراجع الإنتاج الزراعي في عدد كبير من البلدان النامية، وبالتالي إلى تقلّص إمكانات التأمين الغذائي لسكانها.
ثامنًا، وجود أسباب جوهرية ساهمت وما زالت في تفاقم المشكلة الغذائية في العالم. فالجفاف وغيره من الظواهر المرتبطة بتغيّر المناخ في بلدان منتجة مثل الصين وبنغلاديش وأستراليا أثّرت على المحاصيل وعلى إنتاج المواد الغذائية وزيادة استهلاك اللحوم، خصوصًا في بلدان أميركا اللاتينية وآسيا. كما أن التغيّرات في العادات الغذائية (وفق نمط الاستهلاك الغربي) نظرًا للارتفاع في معدّلات النمو الاقتصادي والتطوّر في مستوى المعيشة في بعض البلدان، من شأنه أن يفاقم هذه المشكلة. ونتيجة لذلك، ستضطر بلدان كانت حتى الآن تتميّز بالاكتفاء الذاتي نسبيًا، مثل الهند وفيتنام والصين، إلى استيراد الحبوب بسبب فقدان الأراضي الزراعية وانخفاض مخزون الحبوب في الأنظمة الوطنية التي تمّ تفكيكها في أواخر التسعينيات. وهذا يعني أن هذه البلدان تعتمد اليوم على أسواق الحبوب المتقلّبة عالميًا.
وأخيرًا، ثمة أسباب أخرى ظرفية، قصيرة الأمد، تفسّر جزئيًا الزيادة الكبيرة في أسعار المواد الغذائية في السنوات الأخيرة. من هذه الأسباب تزايد الاستثمار المضارب في المواد الأولية، والذي ساهم في النهاية في الإخلال بتوازن النظام الزراعي الغذائي الذي كان هشًا للغاية. فقد بدأ تزايد الاستثمار المضارب في المواد الأولية منذ انهيار أسواق الدوت كوم وسوق الرهن العقاري عالي المخاطر في الولايات المتحدة، عندما سعت المؤسسات الاستثمارية (البنوك وشركات التأمين وصناديق الاستثمار) وغيرها لتكون أكثر أمانًا وفعالية من حيث التكلفة لاستثمار أموالها. ويقدّر اليوم أن جزءًا كبيرًا من الاستثمارات المالية في القطاع الزراعي لها طابع مضارب.

4 – سبل حل المشكلة الغذائية في العالم
في غياب رأي موحّد بشأن طاقة الكوكب على إنتاج المواد الزراعية، يشير خبراء الفاو إلى أن 78% من سطح الكرة الأرضية غير صالح للزراعة، أو أن الأنشطة الزراعية تواجه فيه عوائق جدية، وأن 13% من المساحات المزروعة ذات خصوبة متدنية، و6% ذات خصوبة متوسطة، و3% فقط ذات خصوبة وإنتاجية عالية. وتزرع اليوم حوالى 11% من مساحة اليابسة، وتستخدم حوالى 24% من مساحة الأراضي الزراعية لتربية الماشية (وعلى الرغم من أن قسمًا من المراعي يزرع بالحبوب أحيانًا، فإنه يجري التعويض عن الخسارة بقطع الغابات وتحويلها إلى مراع) (13).
إن حل المشكلة الغذائية في العالم يتطلّب بالدرجة الأولى خلق الظروف الملائمة لزيادة إنتاج المواد الغذائية. وهذا يعني قبل كل شيء إجراء تغيير جذري في موقع البلدان النامية ووضعيتها في التقسيم الدولي للعمل وفي التخصص الإنتاجي، خصوصًا في المجال الزراعي، والعمل على تنويع بنية الإقتصاد فيها بحيث تصبح قادرة على تأمين حاجاتها من الغذاء، سواء بتطوير الإنتاج أو بتوظيف القسم الأكبر من حاصلات التصدير في تحقيق هذا الهدف. وهو يتطلّب أيضًا التوسّع في الأراضي الزراعية، والعمل على استصلاح أراضٍ أخرى في بلدان مختلفة من العالم، وعلى وقف الزحف العمراني على مساحات واسعة من أفضل الأراضي الصالحة للزراعة. كما أنه يفترض العمل على رفع إنتاجية الإنتاج الزراعي في البلدان النامية من خلال إتاحة الفرص لها لاستخدام أفضل الإنجازات العلمية- المعرفية والتكنولوجية التي توصّلت إليها الدول المتقدّمة في المجال الزراعي، والتي جعلت من هذه الدول مصدّرًا للمنتجات الزراعية. فمن أجل حل أزمة الغذاء في العالم، على الدول المتقدّمة التخلي عن أنانيتها، وعن “سرية المعرفة وحصريتها”، وتحديدًا في مجال الإنتاج الزراعي، الأمر الذي يتيح زيادة إنتاجية الغذاء وتحسين نوعيته وتأمين القوت لمئات الملايين من الذين يعانون سوء التغذية في جميع أنحاء العالم.
لا بد من إجراء تعديلات جوهرية في السياسات الزراعية والغذائية. وينبغي أن تُنتزع هذه السياسات من أيدي الشركات العالمية الكبرى. ويجب أن تعاد الأرض والماء والبذور إلى المزارعين حتى يتاح لهم تحقيق الإكتفاء الذاتي، وبيع منتجاتهم في الأسواق المحلية، بدلاً من تخصيصها للتجارة الدولية. لقد كان هذا ما يحصل ولقد أتاح ذلك الأمن الغذائي لشرائح واسعة من سكان الأرض من خلال تنويع المحاصيل والإهتمام بالأرض واستعمال المياه وخلق أسواق محلية وأنظمة غذائية مجتمعية.
إن إعادة الزراعة إلى أيدي الفلاحين يمكن أن تتيح ضمان الوصول الشامل إلى الغذاء. وقد خلصت نتائج مشاورات دوليّة شاملة نفّذت لصالح التقويم العالمي للعلم الزّراعي والتكنولوجيا في التنمية (IAASTD) وهو نظام تقويمي وضعه البنك الدّولي بالإشتراك مع منظمة الفاو، والـ UNDP، واليونسكو وممثلي الحكومات والمؤسّسات الاجتماعيّة والعلمية الخاصّة إلى أن إنتاج الزراعة الإيكولوجية يوفّر الدخل والغذاء والمال للفقراء وفائضًا للسوق، ويعتبر ضامنًا أفضل للأمن الغذائي من الإنتاج المهجّن. وخلصت دراسة مشابهة لجامعة «Michigan» في الولايات المتحدة إلى أن المزارع الإيكولوجية تكون أكثر إنتاجية وقدرة على ضمان الأمن الغذائي عبر الكرة الأرضية من الإنتاج الزراعيّ المصنّع والتجارة الحرّة.
وتُظهر دراسات أخرى أن الإنتاج الفلاحي على نطاق محدود يمكن أن يعطي أداءً عاليًا باستخدام أقل للوقود الأحفوري، خصوصًا إذا كانت سوق الغذاء محلية أو إقليمية. نتيجة لذلك، يكون الاستثمار في إنتاج فلاحي عائلي أفضل ضمانًا لاستئصال الفقر والجوع، ولاسيما وأن ثلاثة أرباع فقراء العالم هم من المزارعين الصغار.
وينبغي أن تساند الحكومات الإنتاج ذا النطاق الضيق والمستدام لأنه سيتيح تجديد التربة، وتوفير الوقود، وخفض الاحتباس الحراري وتحقيق السيادة الغذائية. ويتعيّن على الحكومات الوطنية أن تعطي أولويّة مطلقة لإنتاج المواد الغذائيّة ذات الطابع المحلي، لخفض الاعتماد على التجارة الدولية. ولا بد من دعم المزارعين الصّغار بأسعار تفضيلية لمنتجاتهم وبأسواق مستقرّة أكثر لإنتاج الغذاء لأنفسهم ولمجتمعاتهم، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى زيادة في الاستثمار في إنتاج الغذاء الفلاحي للتسويق المحلي. وعلى السياسات الحكومية أن تشجّع الزراعة الأصلية المستديمة والعضويّة والخالية من المبيدات والمواد الكيمائية والجينات المعدّلة. ومن الضروري أيضًا حماية أنظمة الزراعة الإيكولوجية والتنوّع البيولوجي المهدّدة بشكل خطير من قبل النموذج الزراعي المعتمد حاليًا، والذي تهيمن فيه الشركات العابرة للقوميات والمتعدّدة الحنسيات.
ويجب في مواجهة السياسات النيوليبرالية، توفير آليات التدخّل من قبل الدولة لتثبيت أسعار السّوق، والتحكّم في الواردات، والعمل في حقبات الإنتاج الفائض لخلق إحتياطات خاصة للأوقات التي يتراجع فيها الإنتاج. وعلى الصعيد الوطني، على البلدان أن تهيمن على تقرير درجة اكتفائها الذاتي من الإنتاج وأن تعطي الأولوية لإنتاج الغذاء من أجل الاستهلاك المحلي من دون أي تدخّل خارجي.
وينبغي في الوقت نفسه رفض السياسات المفروضة من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية ومعاهدات التجارة الحرة الإقليمية والثنائية، بالإضافة إلى حظر المضاربة المالية والمتاجرة بغذاء المستقبل وخصوصًا الإنتاج الواسع النطاق للوقود الزراعي من أجل “النفط الأخضر”. ولا بد من وضع حد لهيمنة الشمال على الجنوب والوقوف في وجه الهيمنة من قبل الشركات الزراعية العابرة للقوميات والمتعدّدة الجنسيات. ففي مواجهة الطابع الاحتكاري للإنتاج ومعالجة الغذاء وتسويقه، يجب العمل على تحقيق الشفافية على امتداد سلسلة تسويق المنتوج. إن للمجمّع الزراعي الصناعي آثارًا سلبيّة بالغة على جميع المشتركين في السّلسلة الغذائيّة: الفلاحين، العمال، التجّار، المورّدين، والمستهلكين. ومن الضروري تقديم الدعم للمزارعين الصغار وتشجيعهم على اعتماد الزراعة الإيكولوجية، ودعم استهلاك بديل يعتمد على السوق المحلية، وعلى تعاونيات إستهلاك زراعي- إيكولوجي. ومن الواضح أنه لا يمكن حلّ المشكلة الغذائية العالمية بجهود منعزلة ومتفرّقة لبلدان محدّدة أو منظمات معيّنة، بل بفضل تضافر جهود دول العالم مجتمعة. ولا يجوز تناول هذه المشكلة بمعزل عن تحليل المشاكل الكونية الأخرى ومعالجتها، كمشكلة الحرب والسلم (نشير هنا إلى تأثير النزاعات الحربية والإنفاق العسكري السلبي على الأمن الغذائي، الذي تمارسه الكثير من البلدان النامية) والمشكلة الديموغرافية ومشكلة الطاقة والمشكلة البيئية. فكلها مترابطة وتصيب المجتمع الدولي بأسره، ويتوقّف مستقبله ومصير أبنائه على حلها. فكما قيل في افتتاح “قمة الجوع” في روما إن أزمة الغذاء اليوم هي نداء تحذيري للغد”، وإن حلها “يتطلّب رؤية كونية واحدة”. وختامًا، فإن المشكلة الغذائية هي مشكلة ملحّة متعدّدة الجوانب، يتجاوز حلّها أطر القطاع الزراعي. إن حل المشكلة الغذائية لا يرتبط بزيادة الإنتاج وتخفيض كلفته فقط، بل بوضع استراتيجية للإستخدام العقلاني للموارد الإنتاجية، تقوم على فهم الجوانب النوعية والكمية لحاجة الإنسان في الغذاء. ويبرز إلحاح معالجة المشكلة الغذائية المتفاقمة، ليس فقط نتيجة لعواقبها الكارثية على حياة مئات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم، بل وكذلك لانعكاساتها الخطيرة على الأمن والإستقرار في الكثير من البلدان وعلى المستوى الدولي عمومًا. فالجوع يشكّل تهديدًا لاستقرار الحكومات والمجتمعات والحدود. والأمن الغذائي لا يتعلّق بالغذاء فقط، بل بجميع أشكال الأمن – الأمن الاقتصادي، البيئي، وحتى القومي.
الهوامش
1- فواز الطرابلسي، “الفقر إن جاع”، صحيفة السفير، 8/11/2009.
2- ورد في تقرير منظمة الفاو “حال انعدام الأمن الغذائي في العالم”، للعام 2012 التالي:”لا يزال عدد الجياع في العالم مرتفعًا بشكل غير مقبول بعدما بلغ عدد من يعانون من نقص مزمن في التغذية 870 مليون نسمة ما بين 2010– 2012. ويعيش القسم الأكبر منهم في البلدان النامية حيث يقدّر عدد ناقصي التغذية بزهاء 850 مليون نسمة أي أقل بشكل طفيف من 15% من السكان”.
نقلاً عن الموقع الألكتروني لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو): www.fao.org/publications/sofi/ar
William Blum, “Anti-empire Report”, May 1,2008.-3
4- Paul Ehrlich, “The Population Bomb-Dangerous Trends”, P.2
Http://www.pbs.org/kged/population_bomb/danger/situation.html
5- المصدرنفسه، ص 1.
6- Fred Magdoff, “The World Crisis: Sources and Solutions”, Monthly Review, May 2008.
7- فيفان أستير، “الأزمة الغذائية: الأسباب، النتائج والبدائل”، نقلاً عن الموقع الالكتروني: http://www.almounadil-a.info/article1782.html
8- محمود نعمان، “الجوع والفقر وجهان للرأسمالية المتوحشة”. نقلًا عن الموقع الالكتروني : www.albadil.org/home/albadilo/public_html/ecrire/public/parametrer.php
9- فيفيان أستير، “الأزمة الغذائية: الأسباب، النتائج والبدائل”، مصدر سابق.
10- المصدر السابق.
11- http://petrofed.winwinhosting.net/upload/31Mars-1Apr10/Day%20I/Session%20I/2_lucky_Nurafiatin.pdf
12- http://www.fao.org/publications/sofa-2008/fr
وكذلك :فيفان أستير، “الأزمة الغذائية: الأسباب، النتائج والبدائل”، مصدر سابق.
13- أنظر:http://www.fao.org/docrep/016/i3027e/i3027e00.htm

* أستاذ محاضر في كلية العلوم الإقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية