الرئيسية / إضاءات / ‘الطوارق’.. مجتمع الرجال الملثمين والنساء السافرات
72e19b58e84209d0c24a3fd6559b5930

‘الطوارق’.. مجتمع الرجال الملثمين والنساء السافرات

‘الطوارق.. أو ‘التوارك’، مجموعة من قبائل البدو الرحل، تعيش في الصحراء موزعة بين ليبيا ومالي والجزائر والنيجر وشرق موريتانيا، ويختلف المؤرخون في أصل التسمية وفي نطقها، فهناك من يقول إن اسمهم ‘الطوارق’، نسبة إلى القائد الإسلامي البربري طارق بن زياد الذي هزم الملك القشتالي ألفونسو السادس في معركة الزالقة (1086م) بالأندلس، فيما يقول مؤرخون آخرون إن الاسم الحقيقي هو ‘التوارك’ نسبة إلى بلدة ‘تاركة’ في ليبيا، التي يعيش فيها الآلاف من هذه المجموعة، وهناك رأي آخر لبعض المؤرخين يرى أن أصل التسمية هو تحريف للكلمة البربرية ‘تماشق’، والتي تعني ‘الرجال الأحرار’، ويسميهم بعض المستكشفين الأوروبيين ‘الرجال الزرق’، نسبة إلى ألوان ملابسهم الزرقاء في أغلب الأحيان.
وكما اختلف المؤرخون حول الاسم، فقد اختلفوا أيضا حول أصول هذه المجموعة، إذ يعتقد البعض أن أصولها تعود إلى ‘الحميريين’ في اليمن، شأنها في ذلك شأن قبائل بني حسان في موريتانيا، والتي يقال إنها هاجرت من اليمن غداة انهيار سد مأرب، واستقرت هذه المجموعات بداية في مصر، قبل أن يرحلوا إلى المغرب نتيجة صدامات مع الدولة القائمة آنذاك في مصر، وهناك طاردها ملوك المغرب والسكان الأصليون وأجبروها على الإقامة في الصحراء.
إلا أن بعض المؤرخين يرون أن أصول ‘الطوارق’ تعود إلى المجموعات البربرية التي كانت تسكن تلك المنطقة قبل الإسلام، كما هو شأن مجموعة قبائل صنهاجة والأمازيغ وغيرهم.
ويعد الطوارق أبرز الشعوب المنسية التي تعيش علي أطراف النظام الإقليمي العربي علي الرغم من أنهم يمثلون أحد بؤر التوتر الكبري التي تموج بها منطقة جوارنا الجغرافي. ولا تتوقف الكتابات العربية المعاصرة إلا عند مسألة تاريخ وعادات هذه المجموعة الأمازيغية والتي تبدو فيها بعض الغرابة. فثمة من يصفهم بأنهم ‘الرجال الزرق’ أو ‘الملثمون’ في حين يأبي الطوراق إلا أن يطلق عليهم بلغة التماشق ‘الرجال الأحرار الشرفاء’.
وتتضارب التقديرات حول عدد الطوارق وهو ما يعني عدم وجود تقدير واحد متفق عليه. بيد أن بعض الطوارق يذهب إلي تقدير عددهم بنحو ثلاثة ملايين نسمة. وتعيش قبائلهم في كل من الجزائر ومالي والنيجر وليبيا وموريتانيا وبوركينا فاسو. وهم يدينون في أغلبهم بالاسلام السني.
وقد سيطر الطوارق تاريخياً علي قوافل التجارة عبر ساحل الصحراء الأفريقية والتي كانت تتعامل في الذهب والعاج والملح والعبيد. بيد أن قدوم الأوروبيين وتحكمهم في خطوط التجارة البحرية أدي إلي ضعف هذه القوافل وهو ما أسهم بدوره في انهيار مراكز تجارية معروفة مثل جاو وتمبكتو ودجين.
لم يكن أمام الطوراق من بد سوي ترك التجارة والعمل بالرعي في حين استقر نفر منهم واشتغلوا بالزراعة. وعادة ما كان الصراع يدب بين هذه القبائل بعضها البعض وبينها وبين القبائل الأخري حول مناطق الرعي والسيطرة علي خطوط التجارة وتحديد مناطق النفوذ الجغرافي والسياسي.
وقد بزغت ثورة الطوارق أوائل القرن الماضي في وجه الاستعمار الفرنسي حيث أبدي المقاتلون الملثمون بطولات لا تنسي في المقاومة والدفاع عن الوطن. غير أن مسيرتهم النضالية لم تتوقف بعد الاستقلال حيث طالبوا بدولة مستقلة لهم تشمل أراضيهم التقليدية في كل من مالي والنيجر. وربما يعزي ذلك في جانب كبير منه إلي حالة التهميش والاقصاء الذي يعاني منه الشعب الطارقي في البلدين منذ استقلالهما.
ومن العجيب حقاً أن فكرة دولة الطوارق المستقلة ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالمشروع الاستعماري الفرنسي في المنطقة. فقد أصدرت السلطات الفرنسية قانوناً يقضي بإقامة المنظمة العامة للمناطق الصحراوية لاستيعاب القبائل الرحل وعلي رأسها الطوارق. وعلي الرغم من أن هذا المشروع لم ير النور مطلقاً فإنه أسهم في وضع بذرة دولة الطوارق المستقلة في كل من مالي والنيجر وموريتانيا.
وبعد بزوغ شمس الاستقلال وجد الطوارق أنفسهم مهمشين ومحرومين من حقوقهم التقليدية والطبيعية في الدول الوطنية الجديدة وباتوا كما لو أنهم مواطنون من الدرحة الثانية. وعلي سبيل المثال فإن قوانين اصلاح الأراضي الوطنية لم تلب طموحات الطوارق وهو ما دفعهم إلي حمل السلاح والتمرد ضد حكوماتهم.
وفي السبعينيات والثمانينات تأثرت مناطق الطوارق بموجة قاسية من الجفاف كانت لها نتائج انسانية وكارثية حيث شعر الطوارق عندها بمدي الغبن الشديد الواقع عليهم جراء الحرمان والتهميش. وقد آثر الكثيرون منهم الهجرة سعياً وراء الملاذ الاقتصادي في المدن وبعض دول الجوار القريبة مثل ليبيا والجزائر.

‘اكراد’ الشرق

ويشبه وضع ‘الطوارق’ في شمال إفريقيا إلى حد كبير، وضع الأكراد في المشرق، فهم مشتتون بين دول عديدة، دون أن يكون لهم كيان خاص بهم، ولهم مشاكل ونزاعات مع عدد من تلك الدول التي تنظر إلى دعوات الانفصال التي تطلقها بعض حركاتهم، على أنها خطر يتهدد استقرار المنطقة وسيادة دولها، ونظرا لتشتتهم بين الدول، لا توجد إحصائيات دقيقة عن أعدادهم الحقيقية، وإن كانت بعض الإحصائيات تمضي إلى تقديرهم بما يتراوح بين 3,5 و4 ملايين نسمة، يعيش ثلاثة أرباع منهم في شمال مالي وجمهورية النيجر، ويتوزع الباقون بين ليبيا والجزائر، وأعداد قليلة في موريتانيا، فيما تقول إحصائيات أخرى، إن أعدادهم لا تتجاوز بضع مئات من الآلاف.
ويقيم ‘الطوارق’ في مناطق تمتاز بأنها الأكثر تصحرا وجفافا في المنطقة، حيث يعيشون في إقليم أزواد شمال مالي، ومن أكبر مدنهم في ذلك الإقليم تمبكتو، وأروان، وكيدال، وفي إقليم فزان الصحراوي بليبيا ومن أكبر مدنهم هناك ‘غدامس’، وإقليم آيير وطاوة ومدينة ‘يلمند’ بالنيجر، وقد استطاعوا أن يكيفوا حياتهم اليومية مع تلك الطبيعة القاسية، ويتأقلموا مع شظف العيش وشح مصادر الماء والغذاء في مناطقهم، كما استطاعوا أن يطوعوا الصحراء ويجعلوا منها ميدانهم المفضل، فهم خبراؤها والعارفون بمجاهلها وفيافيها بلا منازع، يهتدون في قفرها ليلا بالنجوم، التي يعرفون منازلها ومساراتها بدقة فائقة، هذا فضلا عن معرفتهم الدقيقة بنقاط الماء وأماكنها في الصحراء.
طبقية اجتماعية وظيفية
ويتكلم معظم الطوارق لهجة ‘تمشاق’، التي يكتبونها بحروف يسمونها ‘تيفيقان’، وينقسمون إلى قبائل وطبقات لا تزال تتمايز بشكل علني ورسمي، وقد تأثر الطوارق في تقسيمهم الطبقي بالمجتمعات العربية المحيطة بهم في الصحراء خصوصا في موريتانيا، حيث اعتمدوا التوزيع الطبقي على أساس وظيفي، وذلك وفقا لتسلسل هرمي يبدأ بالأسياد ويسمون ‘إيماجغن’، وهم أهل الشوكة والسلاح والمتكفلون بحماية بقية المجموعات، ويقابلهم في المجتمع العربي الموريتاني ‘حسان’، ويليهم ‘إينسلمين’، وهي الطبقة التي يعتني أفرادها بالتعلم والتدين، ويقابلهم في المجتمع الموريتاني ‘الزوايا’، ويليهم ‘إيمغاد’، وهم أهل الثروة والحيوان، الذين يدفعون المغارم للأسياد، ويعيشون تحت حمايتهم، ويقابلهم في المجتمع الموريتاني ‘اللحمة’، ثم تأتي طبقة الصناع التقليديين وتسمى ‘إينادن’، وتقابلها في المجتمع الموريتاني طبقة ‘المعلمين’، ثم تأتي طبقة ‘بزوس’، وهم الأرقاء السابقون، وتقابلها في المجتمع الموريتاني طبقة ‘الحراطين’، وفي أسفل الهرم تأتي طبقة ‘إيكلان’ وهم الأرقاء، وتقابلها في المجتمع الموريتاني طبقة ‘العبيد’.
ويسمى شيخ العشيرة باسم ‘أمونغل’، ويكون عادة معه مجلس من الوجهاء والأعيان وكبار القوم، يساعدونه في تدبير شؤون القبيلة، ويسمون ‘إيمكاد، أما عامة الناس من الرعاء وغير الوجهاء فيسمون ‘إيكلان’، ويلتزمون بطاعة ‘أمونغل’ تلقائيا، كما يرضون بحكمه في حالة تنازعهم.
ويعتنق الطوارق جميعا الدين الإسلامي، وبالتحديد المذهب المالكي السني، وهم غير متدينين، باستثناء مجموعات ‘إينسلمين’، المتخصصة أصلا ضمن التقسيم الطبقي الاجتماعي، في طلب العلم ومعرفة شؤون الدين.
قبائل تفنى
ونظرا لطبيعة الحياة التقليدية التي لا تزال سائدة في مجتمع الطوارق، فإن هذه الطبقية لا تزال متحكمة بشكل كبير في تركيبة المجتمع الطوارقي، ولا سبيل إلى تجاوزها أو كسرها حتى الآن، فالحياة الصحراوية جعلتهم بمنأى عن غزو العولمة الحديثة وتأثيراتها، وما تقتضيه من تأثر بالحضارة المعاصرة، ودعوات المساواة وتجاوز الطبقية واحترام حقوق الإنسان، كما أنهم مجتمع قبلي عاش في القرون الماضية حروبا داخلية بين قبائلهم، وحروبا أخرى مع أعداء خارجيين، أفنت بعض قبائلهم عن بكرة أبيها، وتعرضت قبائل أخرى لخطر الفناء، مما دفع البقية إلى التحالف في كيانات وتحالفات حسب مناطق وجودهم، فبالنسبة للطوارق في الجزائر وليبيا، فإن أغلبيتهم تنتمي إلى قبائل ‘كل هنغار’، وكل أجر، وكل آرغين، وتعني كلمة ‘كل’ في لغتهم ‘بنو فلان’، أو ‘آل فلان’، وفي النيجر توجد قبيلة ‘كل آيير’، ويسمى باسمها الإقليم الذي يوجدون به، وقبائل أخرى منها ‘كل دنيك’، وكل ‘أترام’، و’كل آدرار’، وفي مالي توجد قبائل ‘كل انتصر’، ويقولون إن أصولهم تعود إلى الأنصار في المدينة المنورة، و’كل تدمكت’، و’كل آدغاغ’، وكل ‘السوق’، و’كل غزاف’.

المرأة أكثر تعلما من الرجل

يصنف أغلب الباحثين الاجتماعيين، الطوارق ضمن المجتمعات الأمومية، ولذلك أسباب تعود في معظمها إلى جذور قديمة، حين كانت المجتمعات البربرية في تلك المنطقة وثنية قبل الإسلام، وكان الأبناء فيها ينتسبون لأمهم وأخوالهم، والرجل يهاجر مع أهل زوجته ويقيم معهم في مضاربهم، واستمر ذلك الحضور القوي لنفوذ الأم في مجتمع الطوارق بعد الإسلام، وقد فرضت طبيعة المجتمع الأمومي للمرأة الطوارقية مكانة تفوق مكانة الرجل، وأتاح لها المجتمع فرصة التعلم أكثر من الرجل، لذلك أصبح معروفا أن نساء الطوارق أكثر ثقافة من رجالهم، فالمرأة في مجتمعهم تتعلم على أمها وجدتها كتابة لغة ‘تمشاق’، وهي لغة بربرية غريبة، تكتب من اليمين إلى اليسار، ومن الأعلى إلى الأسفل، كما تكتب من الأسفل إلى الأعلى ومن اليسار إلى اليمين.
ويعطي المجتمع الطوارقي المرأة الحق في اختيار زوجها ويكون في الغالب من أبناء العمومة، وتفتخر المرأة في الطوارق بطلاقها، وتسمى المطلقة في لغتهم ‘أحسيس’، أي المتحررة، في إشارة إلى أنها تحررت من كل التزام، وكلما كانت المرأة أكثر زواجا وإنجابا وطلاقا، كان ذلك مفخرة لها ولأسرتها، ومرد التباهي بكثرة الطلاق ولإنجاب بين نساء الطوارق، هو أن النساء يفتخرن بما ينجبنه للقبيلة من رجال محاربين.
وبخلاف الرجال الذين يفرض عليهم اللثام، فإن نساء ‘الطوارق’ يكن سافرات، حاسرات عن رؤوسهن كاشفات عن زينتهن، التي تتألف عادة من قلائد وعقود، من الخرز وبعض الأحجار المحلية الثمينة، والأساور في الأيدي والخواتم في الأصابع، والخلاخل في الأرجل، ويتم ضفر شعر الفتاة على شكل جدائل وغدائر، وتعلق عند جبهتها مجموعة من الخرز، أو صفيحة معدنية مطرزة بإتقان، مزركشة بالذهب أو الفضة أو النحاس، تأخذ أحيانا شكل نجمة خماسية، وأحيانا نجمة رباعية، وقد تكون على شكل صليب برؤوس مثلثة.
وإذا كانت الفتاة لم تبلغ سن الرشد، فإنها ترتدي زيا يسمى ‘الدراعة’ تكون عادة سوداء اللون، مطرزة عند الصدر والكتفين والأكمام بخطوط بيضاء من القماش، إما إذا كانت قد بلغت سن الرشد أو تزوجت، فإنها ترتدي ‘الملحفة’، وهي زي نسائي معروف في موريتانيا، وجنوب الجزائر والمغرب، والسودان.
ولم تكن أفضلية المرأة في مجتمع الطوارق وتقدمها على الرجال، لتتاح لها دون تكليفها بمهام شاقة أحيانا، فهي إضافة إلى مسؤوليتها عن تربية الأطفال وتنشئتهم، تصنع الخيام من وبر الإبل، كما تصنع الأغطية التي تلبس في شتاء الصحراء القارس عند النوم، وتسمى ‘الفرو’ وتصنع من جلود الخراف، كما تتولى جمع الحطب للتدفئة والطبخ، وتعد الحليب، وتستخرج منه جميع مشتقاته من زبدة وحليب رائب، وحليب مجفف يسمى ‘الكارص’، ولنساء الطوارق أساليب عجيبة في تجفيف اللبن في الصحراء دون أن يمتزج بالتراب، رغم بدائية الأدوات والوسائل التي يستخدمونها لذلك، ومثل هذه الأمور تمارسها عادة نساء طبقة ‘إينادن’، وهن الصناع التقليديون.

أسطورة ‘اللثام المقدس’

للطوارق عادات تميزهم عن باقي المجتمعات الأخرى، ومن أشهرها اللثام، حيث يفرض المجتمع على الرجل فيهم أن يبقى طيلة حياته منقبا بلثام لا يرى منه سوى عينيه، ويرتدي الرجل اللثام عند بلوغه ثمانية عشر عاما، ويبقى مرافقا له طيلة حياته، تماما كما هو الحال بالنسبة للعمامة عند ‘السيخ’ في شبه القارة الهندية، ويكون اللثام في الغالب قطعة قماش زرقاء أو سوداء، وإذا ما سقط لثام أحدهم أو انكشف عن جزء ولو قليلا من وجهه، فإنها تكون فضيحة كبرى، ويقولون إن الرجل خير له أن تكشف عورته أمام الملأ، من أن يكشف عن وجهه، وحتى أثناء تناول الرجل للطعام لا يسمح له بالكشف عن فمه، بل عليه أن يدخل يده تحت اللثام حتى يأكل، وكذلك أثناء الوضوء أو التيمم أو الاغتسال، وإلا فإنه مطالب بأن يكون في مكان مستتر لا يراه فيه أحد، بل وحتى أثناء النوم يجب أن يبقى اللثام على الوجه.
ويحكي التراث الطوارقي حكايات كثيرة عن أصول هذا اللثام وجذوره، وأشهر تلك الحكايات، أسطورة تقول إنه ذهب ذات مرة رجال إحدى قبائل الطوارق للصيد وجلب الماء، فهاجم العدو المضارب بعدهم، ولم يكن في الخيام غير النساء والعجزة، فأشار عليهم عجوز حكيم، بأن ترتدي النساء ملابس الرجال ويغطين وجوههن باللثام ليخفين ملامحهن، ويحملن السلاح لمواجهة العدو، وقبل أن تبدأ المعركة ظهر رجال الحي، فظن العدو أنه وقع بين جيشين وفر منهزما، ومنذ تلك الواقعة التزم رجال الطوارق باللثام.
لكن تفسيرات أخرى أقرب إلى الواقع من تلك الأسطورة، تعيد ترسخ تلك العادة بين الطوارق، إلى طبيعة الصحراء القاسية التي يعيشون فيها، والأتربة والعواصف الهوجاء ولفح رياح السموم والشمس الحارقة، ومع مرور الزمن وكثرة استخدامه، أخذ اللثام مكانته المقدسة في حياة الطوارق وأصبح واجبا في عرفهم، وقد كانت القبائل العربية في الصحراء ترتدي كلها اللثام بشكل دائم، حتى عرفت تلك المنطقة باسم ‘صحراء الملثمين’، وفي التراث العربي توجد أبيات للشاعر الأندلسي أبو حامد المعروف بالكاتب، يمدح فيها قبائل صنهاجة في الصحراء فيقول:
قوم لهم شرف العلا من حمير
وإن انتموا صنهاجة فهم هم
لما حووا إحراز كل فضيلة
غلب الحياء عليهم فتلثموا
ويعرف ‘الطوارق’ بعضهم بعضا عن بعد وهم ملثمون، لكن إذا سقط لثام أحدهم فإن أقرب الناس إليه لا يعرفونه ولا يميزون ملامحه، ويقال إنهم في الحروب إذا سقط لثام قتيل منهم عن وجهه، فإنهم لا يعرفونه إلا إذا أعادوا إليه اللثام.