الرئيسية / إضاءات / الحرب غير التقليدية..تنظيم الدولة “داعش” والسلاح الكيميائي
تنظيم داعش يسعى إلى حيازة الاسلحة الكيماوية في منطقة الشرق الأوسط
تنظيم داعش يسعى إلى حيازة الاسلحة الكيماوية في منطقة الشرق الأوسط

الحرب غير التقليدية..تنظيم الدولة “داعش” والسلاح الكيميائي

تمثل الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” مصلحة إقليمية ودولية فائقة الأهمية، ذلك أن داعش لا يهدد بتكوين مركز كبير للتطرف فيمنطقة حرجة من الشرق الأوسط قد يمتد ليهدد تدفق صادرات الطاقة والاقتصاد العالمي فحسب، بل إن هذه المنطقة قد تصبح مهددة أكثر مع محاولات داعش في حيازة السلاح الكيميائي واستخدامه في عملياتها القتالية في العراق. فداعش تحاول باستمرار الاستيلاء على مواقع تحتوي على مواد تدخل في صناعة الأسلحة الكيميائية. فهو لديه من الخبراء والفنيين المتخصصين في التعامل معها، كما تجبر مدرسي جامعة الموصل من المتخصصين في العلوم الكيميائية على العمل معه.

ويكتسب هذا تحليل صدقيته من المواقع العسكرية التي استطاعت القوات العراقية من طرد داعش منها إذ اكتشف في تلك المواقع مصانع تستعمل لإجراء تجارب على أسلحة كيميائية، ومن خلال الكشف أيضا توصل أن داعش خزّن كمية من الصواريخ المحورة والتي تحوي مواداً سامة. وعليه إن الهجمات الكيميائية لداعش قد تكون محدودة التأثير وواسعة التداعيات، وتتمثل باقتحام المقرات العسكرية، وفك الحصار العسكري عن عناصرها المحاصرين، واستهداف المناطق المناوئة لها، واستهداف المنشآت الحيوية. ففي هذه الورقة سنتناول بشكل عام تعريف السلاح الكيميائي وتبيان أنواعه واستخداماته التاريخية، وبشكل خاص محاولة تنظيم الدولة في العراق وبلاد الشام”داعش” بالامتلاك السلاح الكيميائي وتداعياته على العراق وسبل مواجهته .

أولا- السلاح الكيميائي

1-الكيمياء لغة: اسم منسوب إلى كيمياء وهو علم يتناول دراسة خواص العناصر والمركبات والقوانين التي تحكم تفاعلاتها، لاسيما عند اتحاد بعضها ببعض: التركيب أو تخليص بعضها من بعض: التحليل.

2-الأسلحة الكيميائية اصطلاحا: هي مركبات سامة يتم تكوينها من مجموعة مواد طبيعية أو صناعية لتحقيق أهداف غير أخلاقية، ولها تأثيرات مدمرة على صحة الإنسان والبيئة التي استخدمت فيها، وتكون تأثيراتها مؤقتة أو دائمة.

 و السلاح الكيمائي بشكل عام من أسلحة الدمار الشامل التي تشمل قائمتها كلاً من الأسلحة البيولوجية والنووية, إلا أن بعض الخبراء العسكريين يعتقد أن الأسلحة الكيماوية وبالرغم من خطورتها لا ينبغي أن تصنف ضمن قائمة أسلحة الدمار الشامل.

يمكن تقسيم الأسلحة المستخدمة في الحرب الكيماوية إلى “عوامل كيماوية سامة” و”غازات قتال” تتراوح فاعليتها وتأثيرها على البشر، و”المواد المبيدة للنبات” و”القنابل الحارقة”. ويُمكن استخدام عدة وسائط لإيصال هذه الأسلحة إلى أهدافها، كالمدفعية والهاونات وقنابل الطائرات والصواريخ والرش من الجو والألغام والقنابل اليدوية وقاذفات اللهب.

اما وظائف الأسلحة الكيميائية فهي التأثير على قوى الخصم البشرية، إعاقة الخصم ومنعه من الإفادة من مناطق ومواقع هامة، عرقلة تقدم الخصم، ضرب أهداف في عمق الجبهة المعادية، التأثير النفسي وإضعاف الروح المعنوية في صفوف قوات الخصم، التأثير على البيئة لخدمة القوات الصديقة ومخططاته.

ومن هذه الاسلحة :

-غاز الخردل: هو عنصر كيميائي سائل يصدر بخاراً خطراً، ويسبب حروقاً وتقرحاً في الجلد المعرض. يؤذي الخردل الجهاز التنفسي عند تنشقه، ويسبب التقيؤ والاسهال عند ابتلاعه، ويلحق أضراراً بالأعين والأغشية المخاطية، والرئتين والجلد والأعضاء التي يتولد فيها الدم. استخدم العراق غاز الخردل مرات كثيرة بين 1983 و1988. اخطر التأثيرات الطويلة الأجل تحصل بسبب كون غاز الخردل مسببا للسرطان والتغييرات الوراثية. لا يوجد أي علاج له.

– التابون: سائل يتراوح لونه بين اللا لون واللون البني وهو عامل مؤذ للأعصاب ومفعوله غير دائم مثل مبيدات الحشرات. تشمل عوارضه – حسب فترة التعرض له – غشاوة البصر، وصعوبة التنفس، واختلاج العضلات، والتعرق، والتقيّؤ، والإسهال، والغيبوبة، والتشنجات، وتوقف التنفس الذي يؤدي الى الموت. وقد قام النظام العراقي الحالي بتحويل هذا العنصر الكيميائي واستخدامه.

– السّيانيد: عامل كيميائي سام جداً يؤثر على قدرة استخدام الجسم للأوكسيجين في حال تنشّقه أو ابتلاعه أو مسّه لجلد الإنسان. وتشمل عوارضه صعوبة التنفّس، والتشّنج، والغيبوبة، وإمكانية الوفاة.

– السارين: سائل أو بخار لا لون له. تشمل عوارضه، التي تتوقف على مدى التعرّض له، غشاوة البصر، وصعوبة التنفس، واختلاج العضلات، والتعرق، والتقيّؤ، والإسهال، والغيبوبة، والتشنجات، وتوقف التنفس الذي يؤدي الى الموت. يمكن ان يؤدي التعرض الطويل له الى الموت، كما اظهر ذلك الهجوم بغاز السارين الذي قامت به جماعة “آوم شنريكيو” عام 1995 في محطة القطار في طوكيو. لقد اعترف العراق بإنتاج ما بين 100 و150 طناً مترياً من غاز السارين، وحوّله إلى سلاح عند تعبئته في قنابل مدفعية، وصواريخ 122 ملليمترا، وقنابل جوّية.

– في أكس: سائل زيتي لا لون له ولا رائحة وله مفعول دائم ويعتبر من بين أكثر المواد سمومية التي تم إنتاجها حتى الآن. بامكان مادة في اكس المنتقلة بالهواء ان تقتل بغضون دقائق، لكن امتصاصه الرئيسي يكون عبر الجلد. تشمل عوارضه غشاوة البصر، وصعوبة التنفس، واختلاج العضلات، والتعرق، والتقيؤ، والإسهال، والغيبوبة، والتشّنجات، وتوقف التنفس الذي يؤدي الى الموت. حاول النظام العراقي بشدة إخفاء حجم كميات في أكس التي خزّنها عن مفتشي الأمم المتحدة. وأنتج حوالي أربعة أطنان من مادة في اكس بين 1988 و 1990. في عام 1998 اكتشف مفتشو الأمم المتحدة الدليل على وجود مادة في أكس في رؤوس الصواريخ العراقية .

– السلاح الكيميائى الثنائى المزدوج: ـ وقد اهتمت به إسرائيل منذ اكتشافه وهو يتكون من عاملين منفصلين ،يكون اتحادهما معا عند الاستخدام فقط خليطا له صفات مهلكة ،وقد أمدت امريكا إسرائيل أخيرا بهذا السلاح .

-غاز الكلور C I2 :ـ وهو يسبب تهيجا فى الجلد ،وتدهورا فى و الشعب الهوائية ويؤدى إلى الموت .

– غاز الفوسيجين C G : يؤدى لإيقاف الدورة الدموية ،وتخثير الدم وحدوث الجلطات والموت

– غاز السومان :G D ورائحته تشبه الكافور ،ويؤدى لارتخاء العضلات وصعوبة التنفس ثم الموت .

-حامض الهيدروسيانيد :A C ويسبب ضيق التنفس والاختناق والغيبوبة ثم الموت .

– غازات الشرطة ، وغازات العقل مثل ال D .L .S عقارالهلوسة وغيرها .

-غاز::ـ C S هو تركيب كيميائى له رائحة الفلفل ،وهو يحدث إحساسا حارقا وقارصا فى الجلد ،وسعالا ، وسيلان دموع ،وضيقا فى الصدر ،ودوارا مع غثيان يصحبه قىء .

-قنابل النابالم :وهى من أقدم الأسلحة الكيميائية التى تستخدمها إسرائيل ،والنابالم هو خليط من مادة بترولية وبعض أملاح الأمنيوم ،مثل حمض الأوليك ،وحامض البالمتيك  وحامض النفثاليك، ويؤدى خلط هذه المواد إلى إنتاج تركيبة شديدة الاحتراق تعبأ فى قنابل وعند انفجارها تتناثر مكوناتها الحارقة ،لتلتصق بجسم الضحية مسببة حروقا بالغة.

-الترميذ أو الترميت :وهو مركب معدنى يتكون من الألمنيوم وأكسيد الحديد مشتقات معدنية أخرى ، وهو شديد الاحتراق حتى بمعزل عن الهواء .

-الفوسفور الأبيض : وهو شديد الحساسية للأكسجين ،حيث يشتعل فور ملامسته له فى الجومنتجا درجة حرارة تبلغ 250 درجة مئوية ،وينتج عن احتراقه غاز شديد السمية ،وسقوطه على الجلد يؤدى إلى تلفه وإحداث تقرحات وفقاعات قشرية سوداء.

أما فيما يتعلق بالوقاية من هذا السلاح يمكن القول، يعتمد الدفاع الناجح ضد الهجمات الكيماوية على الكشف المبكر لانتشار العوامل الكيماوية بغية اتخاذ التدابير اللازمة وإعداد وسائل الوقاية والحماية. وفي حال تلوث منطقة بهذه العوامل، تفرض القيود على الحركة منها وإليها بغية القيام بواجبات الوقاية والتطهير الضرورية. نظراً لخطورة الأسلحة الكيماوية واتساع مدى تأثيرها، فلقد بُذلت جهود دولية للحد من انتشارها واستخدامها منذ أواخر القرن الماضي. إذ شهدت مدينة لاهاي في العامين 1899 و1907مؤتمرين تقرر فيهما منع استخدام القنابل التي تنشر الغازات الخانفة. كما قامت عصبة الأمم في الفترة ما بين الحربين العالميتين ببحث مسألة استخدام العوامل الكيماوية في الحروب، واتخذت قرارات بتحريمها في اتفاقية جنيف عام 1925، ومؤتمر نزع السلاح 1932-1934. واستمر الاهتمام الدولي بهذه القضية حتى مطلع الثمانينات، وذلك رغم أن عدداً كبيراً من الدول لا يزال يحتفظ بمخزون كبير نسبياً من هذه الأسلحة، كما تستمر الأبحاث الرامية إلى تطوير المزيد منها. ومما لا شك فيه أن الأسلحة الكيماوية تشكل خطراً على البشرية جمعاء كغيرها من أسلحة الدمار الشامل. ويفاقم من هذا الخطر الحقيقة التي أشار إليها يوثانت – السكرتير العام السابق للأمم المتحدة – حيث كتب في مقدمة كتاب “الأسلحة الكيماوية والبيولوجية” الذي صدر عن الأمم المتحدة في العام 1962 ما يلي:

كل الدول تقريباً – بما فيها الدول النامية والبلدان الصغيرة – بإمكانها الحصول على الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، نظرا لسهولة تحضير بعضها بمصاريف زهيدة وسرعة فائقة في مختبراتنا ومعامل بسيطة. وهذه الحقيقة تجعل مسألة السيطرة على هذه الأسلحة ومراقبتها شديدة الصعوبة”.

ويعود استخدام الأسلحة الكيماوية في الحروب إلى أقدم الأزمنة، إذ تشير المصادر التاريخية أن حروب الهند القديمة في حوالي العام 2000 ق.م شهدت استخداماً لأبخرة سامة تسبب “الارتخاء والنعاس والتثاؤب”. كما استخدم الغاز في حصار “بلاتيا” إبان حرب البيلوبونيز، وتحوي مؤلفات المؤرخ “توسيديدس” وصفا لاستخدامه وآثاره.

لقد استقر استخدام الأسلحة الكيماوية عبر العصور. إلا أن القرن العشرين شهد من بدايته تطوراً هاماً في إتقانها وتوسيع مدى آثارها، ومع حلول الحرب العالمية الأولى انتشر استخدام الغازات السامة التي لجأت إليها كافة الأطراف المشاركة فيها. ولقد أدت الأسلحة الكيماوية إلى وقوع ما يتراوح بين 800 ألف ومليون إصابة في صفوف قوات روسيا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا والولايات المتحدة إبان تلك الحرب.و على الرغم من التطورات التي ضاعفت من قدرات الأسلحة الكيماوية، فإنها لم تستخدم إبان الحرب العالمية الثانية. غير أن الولايات المتحدة استخدمتها إبان حرب الفيتنام وخاصة في مجال تخريب المحاصيل وتدمير الغابات.

وكان نابليون في كل حروبه كان يلقي الحيوانات النافقة من الطاعون والجمرة الخبيثة في مياه الشرب ليقضي على أعدائه. وإبان الحرب العالمية الأولى وضعت بريطانيا بكتيريا الكوليرا في مياه الشرب بإيطاليا لتحالفها مع ألمانيا بينما كانت ألمانيا تلقي قنابل بيولوجية محملة بالطاعون فوق لندن. وكانت مصر عام 1946 قد تعرضت لوباء الكوليرا عندما وضعت العصابات الصهيونية بكتيريا الكوليرا في مياه النيل. وقام الموساد الإسرائيلي بعملية مماثلة في أعقاب حرب 1967 ووقتها كان يطلق علي وباء الكوليرا أمراض الصيف. وكانت اليابان في حربها ضد منشوريا والصين منذ عام 1931 تلقي بالبراغيث الحاملة للطاعون والكوليرا من الطائرات ومعها حبوب القمح التي تقبل عليها الفئران لنشر الأوبئة هناك. فحصدت الآلاف من الجنود والمدنيين. وظلت اليابان تلقي بهذه الجراثيم القاتلة حتي نهاية الحرب العالمية الثانية. في 16-17 اذار 1988 استخدم جيش العراقي غاز الاعصاب وبعض أخرى في الهجوم الكيماوي على مدينة حلبجة وقتل  أكثر من 5000 مدنيين واصابة 7000-10000 مدنيين أخرى أغلبهم من نساء واطفال, وقد مات ألاف من سكان البلدة في السنة التي تلت من المضاعفات الصحية والأمراض والعيوب الخلقية.

و في تموز 2013 اتهمت المعارضة السورية قوات النظام الحكومية السورية بالقاء سلاح كيميائي من غاز السارين على منطقة الغوطة “غوطة دمشق” في حادثة ادت إلى مقتل ما لا يقل عن 1500 شخص و اصابة المئات في حادثة اسهمت في اشعال الرأي العام العالمي و تهديدات أمريكية بقصف سوريا, فيما لم يعرف بعد المسؤول عن هذه الهجمات. وفي 21 آب 2013 استخدم غاز الأعصاب على غوطة دمشق طال مدن زملكا و كفربطنا و المعضمية و جوبر و عربين و سقبا و حمورية و حرستا و عين ترما. مما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 1300 من المدنيين بينهم نساء و أطفال و أكثر من 6000 مصاب حسب إحصاءات المشافي و النقاط الطبية في المنطقة.

إن المواجهة مابين تنظيم الدولة وخصومها لم تعد مواجهات تقليدية، بل تحولت الى حرب ذكية استخدم فيها  هذه التنظيم كل ماهو متاح من قدرات تقنية وفنية في مجالس ادارة التنظيم ومنها السلاح الكيميائي، الذي يمكنه من تعزيز قدرته القتالية. حيث بات معروفا عن تنظيم دولة  بانه يستنسخ تجارب القاعدة وتجاربه من بلد الى اخر ومايحدث في ليبيا من سيطرة هذه الجماعات على ترسانة اسلحة نظام القذافي السابق يثير الكثير من مخاوف استخدام السلاح الكيميائي ضد خصومه، خاصة ان ليبيا مفتوحة على الصحراء ولاتوجد موانع طبيعية، تعيق إستهداف هذه الجماعة من تهديد دول الجوار والمنطقة مثلما فعلتها في العراق ـ منشأة المثنى وفي سوريا.
أعلن إقليم كردستان، شمال العراق يوم 14 مارس 2015 إن لديه أدلة على أن” تنظيم الدولة الإسلامية”استخدم غاز الكلور كسلاح كيماوي ضد قوات البشمركة الكردية، لكن (بيتر ساوكزاك) المتحدث باسم منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ومقرها هولندا قال لم نتلق طلبا من العراق للتحقيق في مزاعم عن استخدام أسلحة كيماوية في العراق ولا تستطيع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية التحقق من صحة هذه المزاعم على الفور. تقارير اخرى تناولتها وسائل اعلام عراقية افادت استخدام “داعش” الكلور في العبوات الناسفة التي زرعها على حافات الطرق الرئيسية في صلاح الدين ـ تكريت خلال معركة استعادة  مدينة صلاح الدين من التنظيم التي انطلقت في الاول من مارس 2015.

كشفت مصادر عسكرية ليبية منتصف شهر فبراير 2015عن استيلاء ميليشيات متطرفة في البلاد على أسلحة كيماوية من بقايا مخازن النظام السابق، قالت إنها تقع في الصحراء وهذا مايثير المخاوف من أن تصل مواد فتاكة، لتنظيم داعش .وتتمركز ترسانة الكيميائي المتبقية من النظام السابق في  موقع “الجفرة” جنوب شرقي طرابلس وفي وادي “رواغة” الواقع تحت سيطرة احدى كتائب مصراتة وكذلك في محيط قاعدة “تمنهنت”العسكرية ومنطقتي”سوكنة” و”هون” قرب “ودان”. وكانت عمليات تدمير ترسانة الاسلحة الكيميائية  قد بدئت من قبل فريق خاص من الامم المتحدة  منذ عام 2004. وكشفت فرق التفتيش عن وجود ألف طن مكعب من الترسانة الكيمياوية و20 طنا مكعبا من الخردل والاف من القنابل المحشوة بخردل والكبريت. المشهد “الجهادي” في ليبيا يعيد المشهد في العراق، بعد ان سيطر تنظيم داعش عام 2014 على منشأة المثنى بعد اجتياحه الى مدينة الموصل ومدن عراقية اخرى وهو يحاول في ذات الوقت من استنساخ تجربة العرق وسوريا داخل ليبيا.

للمزيد:صوصي علوي: “الناتو يسعى إلى إطالة الفوضى في ليبيا خدمة لداعش” (1)

أما في الحالة العراقية إن امتلاك تنظيم الدولة سلاح الكيميائي والتهديد باستخدامه من الصعوبة بمكان التنبؤ بها، فهي تعتمد على عنصر الصدمة أو الرعب، وهناك مؤشرات ميدانية توحي بأن هذا التنظيم امتلك أو في طريقة لامتلاك هذا النوع من السلاح:

1-استيلاء داعش على مواقع مهمة تحتوي على مواد تدخل في صناعة الأسلحة الكيميائية، واحتمالية استعمالها في تهديد الأمن الوطني، الأمر الذي يتطلب التأهب والاستعداد والتعامل بجدية وبطرق علمية ومدروسة لمواجهة مثل هذه التهديدات.

2-وجود عناصر من الخبراء والفنيين متخصصين في التعامل مع الأسلحة الكيميائية من منتسبي التصنيع العسكري في النظام العراقي السابق يعملون في صفوف داعش، مما قد يؤدي إلى توظيف خبراتهم في صناعة الأسلحة الكيميائية.

3-توافر معادلات كيميائية تسهم في صناعة الأسلحة على مواقع الانترنت والمراجع العلمية المتخصصة؛ مما يسهل عملية الاستعانة بها من قبل داعش في صناعة الأسلحة وتحميلها مواد كيميائية؛ لاستهداف الأجهزة الأمنية والمؤسسات الحيوية.

ثالثا- مؤشرات التهديدات الكيميائية المحتملة

1-استيلاء داعش على مواد تدخل في صناعة الأسلحة الكيميائية عثر عليها في المواقع الآتية:

أ: موقع مخازن منشأة المثنى التي تحتوي على مواد سامة. تناولت صحيفة الديلي تلغراف بنسختها الانكليزية ليوم 20 يونيو 2014، بأن “داعش” سيطرت على ماتبقى من منشأة المثنى التابعة لوزارة العلوم والتكنولوجيا في منطقة الثرثار غربي مدينة سامراء والتي استعادتها القوات العراقية في اعقاب ذلك. ذكر Damien McElroy في مقال على (الديلي تلغراف) بنسختها الانكليزية يوم 19 يونيو 2014، بأن “داعش” هاجمت منشاة المثنى المعروفة بترسانتها الكيميائية واستطاعت الوصول الى مخزني المنشأة والتي تضم مواد كيميائية تالفة. وبرغم ان ترسانة الاسلحة الكيميائية فاقدة المفعول، لكن ماتزال تمثل قلق الى الغرب والى واشنطن، وهنالك مخاوف من اعادة استخدام المواد الكيميائية السامة في مواجهتها مع القوات العراقية او ضد اهداف غربية داخل او خارج العراق. كانت منشأة المثنى تابعة الى هيئة التصنيع العسكري ماقبل 2003 باشراف منظومة التصنيع العسكري. يشار ان منشأة المثنى تعد اكبر منشأت صنع المواد الكيميائية منذ مطلع عقد الثمانينات من القرن الماضي حتى تفكيكها مطلع  منتصف التسعينيات من قبل فرق التفتيش الدولية. المنشأة تبعد 20 كيلومترا تقريبا، جنوب مدينة سامراء- مكون من قنابل جوية وقذائف وصواريخ مدفعية، ورؤوس صواريخ سكود، حيث تم خزن المواد الكيميائية في المنشأة في مخابئ تحت الأرض، بنيت من الخرسانة المسلحة السميكة والمغطاة بطبقة من الطين الرملي يبلغ علوها ثلاث امتار وكانت سعة غرفة التخزين الرئيسة تصل الى 10.800 متر مكعب. وفي هذا السياق أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في عدة مناسبات، أن هناك معلومات عن تدريب مقاتلين في أفغانستان على استخدام الكيميائي وان داعش والنصرة تخطط لنقل مواد سامة إلى العراق لتنفيذ أعمال إرهابية هناك وقال إن أنباء ظهرت مؤخرا عن استخدام بعض المناطق في أفغانستان، التي لا تخضع لسيطرة حكومة كابول، من قبل دول ثالثة، لتدريب مقاتلين من أجل إرسالهم لمحاربة النظام السوري، بالإضافة إلى تدريبهم على استخدام مواد سامة.

إقرأ أيضا:قطع رأسي ناشطين سوريين في تركيا وأصابع الاتهام موجة لداعش

ب:مواقع في جامعة الموصل وكلية الزراعة في الموصل تحتوي على مواد كيميائية تستعمل لإغراض البحث العلمي.

ت: شركة البتروكيماويات الواقعة في ناحية جرف النصر-منطقة الجنابيين تحتوي على أكداس واعتدة ومواد كيميائية.

ث:قاعدة عسكرية تابعة للجيش السوري في قرية رأس العين استولت فيها جبهة النصرة على مواد كيميائية تم نقلها إلى مدينة الموصل في العراق.

ح-  مواد كيميائية في منشأة القعقاع، إحدى المنشآت التابعة للتصنيع العسكري السابق.

ج: معمل فوسفات القائم القريب من الحدود العراقية السورية، استولى فيه المسلحون على 169 طنا من سماد ثلاثي الفوسفات و3135 طنا من سماد مركب، وتم تعيين مهندس من أهالي الموصل حاصل على شهادة الماجستير في الكيمياويات كمدير للمعمل.

ح: مخازن وزراة الزراعة في قضاء الحويجة تحتوي على خزين مادتي السوبر فوسفات والسوبر الثلاثي وبعض المبيدات الزراعية، والتي تقدر كميتها 300 طن تقريباً.

د: الاستيلاء على بعض مخازن ومشاريع تصفية مياه الشرب ومستودعات الكلور في محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وديالى,

2-اكتشاف مصنعان يستعملان لإجراء تجارب تركيب أسلحة كيميائية من قبل إحدى خلايا داعش، التي ألقي القبض عليها وكانت تنوي شن هجوم بأسلحة كيميائية داخل العاصمة بغداد.

3-عثرت قيادة عمليات بغداد بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير عام2014م على كدس من المواد الكيميائية وصواريخ وعبوات ناسفة في جنوب بغداد يستخدمها تنظيم داعش في هجماتهم.

4-خزّن داعش كمية كبيرة من الصواريخ المحورة تحوي على مواد سامة في مستودع بقضاء تلعفر، وأدخلت كمية من الصواريخ المتنوعة إلى قضائي البعاج وسنجار.

رابعا- الغاية من امتلاك التنظيم السلاح الدولة السلاح الكيميائي

وتتمحور هذه الغاية في استخدام هذا السلاح في حسم المعارك الاستراتيجية، أو الأهداف ذات التداعيات الكبيرة من خلال الآتي:

1-اقتحام المقرات العسكرية: من المحتمل أن يستعمل داعش الأسلحة الكيميائية في اقتحام مقرات الجيش والحشد الشعبي المحصنة والتي يصعب الوصول إليها بالأسلحة التقليدية، من خلال استعمال غازات سامة تتسبب في اختناق وحجب الرؤية، مما يؤدي إلى شل حركتهم وإضعاف قدرتهم على التصدي لعناصر مهاجمة، كما حدث في منطقة الصقلاوية.

2-فك الحصار العسكري: استخدام الاسلحة الكيميائية لفك الحصار عن عناصره عند محاصرتهم في منطقة ما من قبل الأجهزة الأمنية، من خلال استعمالها في مداخل المنطقة المحاصرين فيها؛ لإيجاد ثغرة يمكن من خلالها تسلل عناصرهم أو هروبهم.

3-تسميم المياه: قد يلجأ داعش إلى تسميم محطات تصفية المياه وخزاناتها بالغازات الكيميائية السامة، لإحداث حالة من الفوضى والهلع في نفوس العراقيين.

4-استهداف المناطق المناوئة: من المحتمل أن يسعى داعش إلى استعمال المواد الكيميائية في استهداف أهالي المناطق المناوئة له مثل: المناطق التي يتواجد فيها مقاتلو العشائر، أو الحشد الشعبي، أو الأيزيديون، والأكراد وغيرهم، بغية كسر عزيمتهم في مواجهة عناصرهم، وخلق حالة من التقاعس عند أهالي المناطق الذين يسعون إلى مشاركة الأجهزة الأمنية في القضاء على داعش.

5-استهداف المنشآت الحيوية: قد تلجأ داعش إلى استهداف منشآت ومؤسسات حيوية ذات تأثير استراتيجي مثل: استهداف مطار بغداد الدولي أو الوزرات أو المنطقة الخضراء… وغيرها. مما يؤدي إلى إحجام الدول والشركات والمستثمرين الأجانب من دخول العراق.

خامساً -تأثير استعمال الأسلحة الكيميائية على الأمن الوطني

مما لاشك فيه إن امتلاك تنظيم الدولة السلاح الكيميائي له تأثيرات سلبية على الدولة والمجتمع العراقي ويمكن إجمالها في الآتي:

1-إحباط عزيمة مقاتلي القوات المسلحة وعرقلة تقدمهم، نتيجة استعمال داعش الأسلحة الكيميائية في بعض المعارك السابقة، وتخشى استعمالها في العمليات العسكرية القادمة. مما يتطلب أخذ الاحتياطات اللازمة عند تقدم الأجهزة الأمنية.

2-إرهاب المجتمع وتخويفه: نتيجة الحرب النفسية التي تستعملها وسائل الإعلام التابعة لداعش في تضخيم إمكاناته الكيميائية وقدرتها على الوصول إلى أي هدف تختاره. مما يؤدي إلى خلق حالة من الخوف والذعر في نفوس المواطنين.

3-إحراج الحكومة حيدر العبادي وعرقلة خططها في القضاء على تنظيم داعش، لاحتمالية استغلال الهجمات الكيميائية من قبل المعادين للعملية السياسية في تضليل الرأي العام المحلي والدولي بأن منفذي الهجمات الكيميائية هي القوات العراقية أو الحشد الشعبي والقوات المساندة للحكومة، كما حصل مع الحكومة السورية، مما يؤدي إلى إثارة سخط بعض المواطنين المغرر بهم، ووضع البلد في موقع صعب أمام المجتمع الدولي.

4-تهديد الأمن الصحي في العراق؛نتيجة شيوع الأمراض السرطانية، وازدياد التشوهات الولادية التي تخلقها الأسلحة والمواد الكيميائية، مما يؤدي إلى تعقيد الواقع الصحي بارتفاع عدد المرضى وضرورة توفير الرعاية اللزمة لهم.

5- الإضرار بالثروة الحيوانية والزراعية في العراق؛ كون الأسلحة الكيميائية تؤدي إلى تلوث خطير في التربة والنباتات؛ مما يؤثر سلبا في إمكانية استثمار هذين الموردين في رفد الاقتصاد العراقي، وتحقيق مبدأ تنوع مصادر.

6- وصول خبراء كيميائيين أجانب تابعين لتنظيم داعش إلى الشركة العامة للفوسفات في قضاء القائم، يعملون على تركيبات كيميائية يدخلونها بالصواريخ والمقذوفات والمتفجرات، وعملوا على عزل كمية من كتل مادة الفوسفات داخل الشركة ومنعوا دخول الموظفين لشركة والمناطق المحيطة بها.

7-خصص تنظيم داعش معمل كبريت المشراق في الموصل لتصنيع صواريخ تحمل مواد كيميائية.

8-إجبار بعض تدريسي جامعة الموصل من المتخصصين في العلوم الكيميائية على العمل مع داعش، مما يؤكد سعيهم في تصنيع الأسلحة الكيميائية التي تستهدف الأمن العراقي.

9- استعمل تنظيم داعش غاز الكلور في منطقة الصقلاوية بعد محاصرة أكثر من 400 جندي قتل الكثير منهم بسبب الاختناق، كما استعملته في الضلوعية وعين العرب”كوباني” ضد المقاتلين الأكراد في سوريا، وفي 31تشرين الأول/أكتوبر من العام الجاري سقط صاروخ كاتيوشا “محلي الصنع” يحمل غازات سامة استهدف القطعات العسكرية المتواجدة في قاعدة سبايكر نتج عنه اصابة 14 مقاتل بحالة اختناق. مما يؤشر إلى إمكانية استعماله بطريقة أكثر تأثيراً، إذا تمكنوا من تصنيعه بكميات كبيرة ومتنوعة في الاستعمال.

وخلاصة القول، إن امتلاك تنظيم الدولة للسلاح الكيميائي واستخدامه في معاركه المستقبلية يدشن لمشهد عراقي وسوري وإقليمي بالغ القتامة، ما لم يتم التعامل مع هذه التطور النوعي بجدية من قبل كل المعنيين الإقليميين والدوليين في استقرار وازدهار منطقة الشرق الأوسط.

وحدة الدراسات الأمنية ــ مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية