الرئيسية / هكذا نراها / الاختراق الملكي لشرق إفريقيا.. يحول المغرب إلى لاعب دولي في القارة السمراء!
الزيارة الملكية لشرق إفريقيا

الاختراق الملكي لشرق إفريقيا.. يحول المغرب إلى لاعب دولي في القارة السمراء!

أزيد من عقد من الزمن، مر على الإقرار العالمي بكون القارة الإفريقية هي ساحة الصراع الاقتصادي المقبل خلال القرن الحالي، نظرا لما تكتنزه من خيرات، وما تتمتع به من قدرات بشرية، ساهمت أنظمة الحكم التقليدية الموروثة من الحقبة الاستعمارية في استدامتها بطرق غير ديمقراطية، تكفلت بشل حركة مجتمعاتها، وإبقاء اقتصاداتها في طور التبعية، حارمة أبناءها من الاستفادة مما تزخر به من خيرات. وهكذا، وخلال هذه السنوات القليلة، استعرت حمى السباق بين لاعبين كبار: الصين والولايات المتحدة، وأخرى أقل حظا من قبيل اليابان والاتحاد الأوروبي، وغير بعيد عنهما، الهند، وأطراف إقليمية أقل شأنا كإسرائيل وتركيا وإيران. وإن كان اللاعبون الكبار يملكون القدرة والنفوذ لجعل القارة برمتها ساحة لنشاطهم، فإن اللاعبين الأقل شأنا اختاروا التمركز في إحدى جهات القارة: شمالا وجنوبا، شرقا أو غربا.

المغرب الذي تنبه مبكرا لمثل هذا المتغير الاستراتيجي، بدأ مع الملك محمد السادس، ومنذ جلوسه على العرش، حقبة دبلوماسية تؤكد على أهمية الانتباه إلى ضرورة التواجد في ساحته الخلفية، وتعويض غيابه عن الاتحاد الإفريقي، بتكثيف تواجده في غرب إفريقيا، فضائه الجغرافي والروحي والتاريخي. وهكذا، بدأ المغرب نشاطا نوعيا جديدا، بالانخراط في تجمع دول الساحل والصحراء، التجمع الإقليمي الأهم بأعضائه ال24 والذي تنتج دوله مجتمعة ناتجا داخليا خاما يفوق 1350 مليار دولار، لينتقل بعدها إلى تكريس وترجمة حضوره السياسي والروحي في دول غرب القارة، عبر تقوية روابطه مع أهم دولها المنضوية تحت لواء ثاني أهم التجمعات الاقتصادية، المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ECOWAS بدولها ال 15 وناتجها الخام الذي يفوق 730 مليار دولار، والتجمع الأصغر المتمثل في المجموعة الاقتصادية لدول وسط إفريقيا ECCAS، بدولها ال11 وناتجها الخام الذي يتجاوز 250 مليار دولار.

ويعبر التحرك المغربي الذي يقوده الملك شخصيا، ويشرف على تفعيله عبر زياراته غير المسبوقة لدول هذه التجمعات، مرفوقا بوفود وزارية ونخبة رجال الأعمال المغاربة، عن عمق إدراكه للمتغيرات الدولية من جهة، وفهمه الدقيق لانتهاء أساليب “حقبة الحرب الباردة” التي كانت تقوم على تصنيف البلاد حسب معسكراتها، شرقية وغربية، وضمان دعم قيادات هذه الدول، عبر “شراء” هذا الدعم “بالهبات” لهذه القيادة أو تلك، كما يفعل ولا يزال، بعض خصوم المغرب، تحديدا عندما يتعلق الأمر بقضاياه الوطنية وعلى رأسها قضية وحدته الترابية.

وبانتقال المغرب إلى سياسة هجومية فعالة في إدارة دبلوماسيته الإفريقية، والتي توجت بطلب الانضمام إلى الاتحاد الإفريقي، دشن المغرب طورا جديدا من التحرك، يبني على نجاحاته السابقة في غرب القارة، بالتوجه شرقا، للدخول في شراكات سياسية مع أهم أقطاب هذه المنطقة، وهو ما تجسده الزيارة الملكية الحالية، والتي تعد الأولى من نوعها، لدول رواندا، تنزانيا، وإثيوبيا. زيارة ستسهم في دخول المغرب إلى فضاء السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا COMESSA، بدولها ال 19 وناتجها الداخلي الخام الذي يفوق 650 مليار دولار، وكذا الفضاء الأصغر المتمثل في مجموعة شرق إفريقيا EAC، بدولها الستة وناتجها الداخلي الخام المتجاوز ل 150 مليار دولار. خطوة تبدو مقدمة لاختراق التجمع الإفريقي الهام المتمثل في مجموعة تنمية جنوب إفريقيا SADC، بدولها ال 15 وناتجها الخام الذي يتجاوز 650 مليار دولار، والذي لا يزال الحضور المغربي فيه ضعيفا، وإن بدأ اختراقه سياسيا عبر العلاقات المميزة مع بعض دوله.

وهنا، لا ينتبه الكثيرون إلى ذكاء اختيار العاهل المغربي لرواندا ليدشن به الحضور المغربي الاقتصادي في شرق القارة، حيث يكفي أن نعرف بأن هذه الدولة المستقرة، صغيرة عدد السكان، كبيرة الطموح والدور الإقليمي تعتبر العنصر المشترك بين معظم هذه التجمعات الإقليمية، حيث تحظى بعضوية أربعة من هذه التجمعات، ومن شأن العلاقة المتميزة معها أن تدخل المغرب إلى هذا الفضاء بسلاسة، بينما يمكن اعتبار تنزانيا، بوابة الدخول إلى جنوب القارة، نظرا لعضويتها في الكوميسا وسادك.

وهكذا، فالاختراق المغربي لدول إفريقية بعيدة عنه لغويا وجغرافيا، يعتبر تحولا استراتيجيا بكل المقاييس، يمهد الطريق أمام المغرب ليصبح لاعبا إقليميا بل ودوليا، إلى جانب تركيا وإيران، على المستوى الإفريقي. استراتيجية أهلته ليكون المستثمر الدولي الثاني في غرب القارة، وتقوي طموحه لاحتلال مكانة مماثلة في شرقها، عبر عمله الجاد والمدروس.