صدمة الـ 20%: حين تتحول الصناديق الجزائرية إلى استفتاء صامت

بقلم: هيثم شلبي

وضعت الانتخابات النيابية الجزائرية ليوم الثاني من يوليو 2026 النظام السياسي برمته أمام مرآة لا ترحم. نسبة مشاركة أولية لم تتجاوز 20.79% داخل الوطن، أي أقل من خمسة ملايين ناخب فقط من أصل هيئة ناخبة تضم أكثر من 23.8 مليون مسجل، لتنضم إليهم نسبة هزيلة أخرى بـ 10.67% من جالية تفوق 850 ألف ناخب بالخارج. الرقم يتجاوز في دلالته “الزهد الانتخابي” العابر ليرقى إلى تشكيل استفتاء شعبي صامت، حيث فضّل أكثر من 19 مليون جزائري البقاء في بيوتهم على الوقوف في طابور يُراد له أن يبدو احتفاليا، لاسيما وقد سئموا الوقوف في طوابير كل شيء تقريبا من المواد الاستهلاكية.

الأهم أن هذا التراجع ليس استثناءً عابراً بل امتداد لمنحنى هابط طويل. المشاركة الوطنية كانت 43.14% سنة 2012، تراجعت إلى 35.37% سنة 2017، ثم هبطت إلى 23% سنة 2021، وها هي اليوم تلامس العشرين بالمئة. كل انتخابات تشريعية منذ عقد ونصف كانت أضعف من سابقتها، وهو نمط لا يمكن تفسيره بظرف موسمي أو طقس حار، بل بتآكل مطرد في قناعة الناخب بجدوى الصندوق نفسه.

الجغرافيا تكشف حجم الخديعة أكثر من أي تعليق. في تشريعيات 2021، وحسب الحصيلة النهائية التي أقرها المجلس الدستوري، سجلت بجاية نسبة مشاركة لم تتجاوز 0.42%، وتيزي وزو 0.90%، والبويرة 11.42%، في وقت كانت فيه الحواضر الكبرى كالعاصمة وسطيف وقسنطينة وبومرداس تسجل هي الأخرى عزوفاً حاداً، بينما ولايات الجنوب مثل تندوف وإليزي وعين قزام كانت تسجل نسباً تتجاوز 30% و40% وأحياناً قرابة الـ 50%. الفارق بين ولاية تسجل أقل من نصف نقطة مئوية وأخرى تقترب من نصف الهيئة الناخبة يوضح أن الرقم الوطني الموحد ليس سوى متوسط حسابي يخفي انقساماً سياسياً وهوياتياً عميقاً، لا معالجة إحصائية سطحية. وما دامت الجزائر لم تُعلن حتى الآن تفصيلاً ولائياً كاملاً لنتائج 2026، فإن كل المؤشرات المتاحة توحي بتكرار النمط نفسه أو تفاقمه: طوابير طويلة أمام مكاتب ولاية العريشة المستحدثة بثّها التلفزيون الرسمي بسخاء، مقابل صمت شبه كامل في العاصمة ووهران وقسنطينة وتيزي وزو، وهو ما سنتحقق من دقته حين تصدر الأرقام الولائية النهائية.

البُعد الثاني الذي يستحق التوقف عنده هو مصير الأوراق الملغاة. في تشريعيات 2021، ووفق الجريدة الرسمية والنتائج النهائية المعلنة، بلغ عدد الأصوات المعبر عنها 4.610.652 صوتاً فقط، مقابل ما يزيد على مليون ورقة ملغاة (1.011.749 ورقة بالتحديد)، أي أن ما يقارب خُمس من كلّف نفسه عناء الذهاب إلى مركز الاقتراع خرج بورقة باطلة. الكثير من المراقبين ومراكز الأبحاث وصفوا هذا الرقم بأنه ظل “في حدود المليون صوت يزيد ولا يقل منذ تشريعيات 2012″، واعتبره تعبيراً عن تصويت عقابي يمارسه جزء من الناخبين كوسيلة احتجاج ضمن الصندوق نفسه لا خارجه. نظام القائمة المفتوحة والتصويت التفضيلي الذي استمر العمل به في 2026 يحمل الشرط التقني نفسه الذي كان وراء هذا الرقم القياسي: أي تجاوز في عدد المرشحين المفضلين يُبطل الورقة كاملة. وبما أن هذه الدورة لم تشهد حملات تحسيسية بنفس زخم 2021 حول طريقة التصويت الصحيحة، فمن المرجح أن يقترب رقم الأوراق الملغاة هذه المرة من عتبة المليون مجدداً أو يتجاوزها، وهو ما سيكشفه فقط الإعلان الرسمي للنتائج النهائية عن المحكمة الدستورية، والذي سنخصص له وقفة مستقلة فور صدوره. وبخصم هذا المليون من الأصوات المعبر عنها نجد أن شرعية المجلس النيابي المقبل مبنية على إرادة 16.6% من الجزائريين، وهي “شرعية” تتحدث عن نفسها ولا تحتاج إلى من يشكك فيها!!

أما على واجهة الشرعنة، فقد اختار الرئيس عبد المجيد تبون تعليقاً لافتاً يستحق التأمل: “لم نسمع أي مترشح أو حزب يشتكي من التزوير ولا من سرقة الأصوات”. تصريح يفترض أن الصمت عن الشكوى دليل نزاهة، بينما الأقرب إلى الواقع أن غياب الشكاوى في بيئة سياسية تُقصى فيها الملفات المزعجة بموجب مواد قانونية فضفاضة مثل المادة 200 قبل الوصول أصلاً إلى مرحلة التنافس، ليس مؤشر نظافة بقدر ما هو مؤشر على أن أدوات الاعتراض نفسها أصبحت محدودة الجدوى. في موازاة ذلك، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي صوراً أثارت جدلاً واسعاً لطوابير “ناخبين” أمام بعض مراكز الاقتراع بدت متجانسة إلى حد لافت من حيث الفئة العمرية والمظهر، حيث بدوا جميعا بنفس العمر، الزي، والحلاقة “العسكرية”، دون أن يتوفر حتى الآن توثيق مستقل يؤكد أو ينفي طبيعتها. لكن مجرد انتشار هذا النوع من الشكوك، في بلد لا ينقصه تاريخ حافل بـ “التعبئة الإدارية” للطوابير، يكفي وحده لإضعاف مصداقية أي رقم وطني موحّد لا يرافقه تفصيل ولائي شفاف.

النتيجة العملية لكل هذا هي برلمان فسيفسائي من 407 مقاعد، لا يملك فيه أي طرف أغلبية واضحة. جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي يحافظان على حد أدنى من الحضور بفضل القواعد الريفية لا بفضل برنامج مقنع، حركة مجتمع السلم مقيدة بسقف مقاطعة المدن الكبرى، والمستقلون يتحولون إلى خزان أصوات جاهز للتشكل حسب الطلب بعدما تراجع عددهم من أكثر من 1200 قائمة حرة سنة 2021 إلى 125 قائمة فقط هذه الدورة. تشكيل أغلبية من 204 مقعداً لن يكون تحالفاً فكرياً بقدر ما سيكون هندسة مصلحية لتمرير قوانين حكومة تفتقر أصلاً إلى الحاضنة الشعبية.

في الختام، صناديق جويلية 2026 لم تنتج برلماناً جديداً بقدر ما أنتجت وثيقة اعتراف صامتة بحجم الفجوة بين النظام والشارع، فجوة تؤكدها كل مقارنة تاريخية متاحة، من منحنى المشاركة الهابط منذ 2012 إلى مليون ورقة ملغاة تتكرر كل موعد انتخابي إلى صمت كامل لولايات بأكملها لا يتجاوز فيها من صوّت نصف نقطة مئوية. والسلطة، وهي تدير أزمة ثقة بهذا العمق عبر رقم وطني واحد يخفي أكثر مما يظهر، تراهن على أن الجزائريين نسوا كيف يُحصى الغياب. نحن لن ننسى، وسنعود بوقفة تفصيلية أدق حين تُعلن المحكمة الدستورية نتائجها النهائية.

اقرأ أيضا

التحول السياسي للبحرين في ظل نظام الملكية الدستورية

منذ أواخر التسعينيات من القرن المنصرم؛ وبينما كانت مختلف بلدان العالم في أوربا الشرقية وأمريكا …

سؤال الهوية .. بين تعددية الثقافة وواحدية السياسة

إذا ما أريد للهوية أن تكون منتجة، فيجب التعامل معها من حيث كونها صيرورة ذات …

من مراكش محامي مرسي ل”مشاهد24″: مرسي بخير و هذه أخطاء الإخوان”

أكّد المفكر الإسلامي محمد سليم العوا في حوار خصّ به”مشاهد24″، أن الديمقراطية هي أنسب وسيلة …