محطة وقود في قلب المتوسط: زيارة ميلوني للجزائر بين الضرورة الإيطالية والوهم الجزائري!

بقلم: هيثم شلبي

في الخامس والعشرين من مارس 2026، حطّت جورجيا ميلوني رحالها في مطار هواري بومدين، وهي تحمل في حقيبتها ما لم يصرّح به أحد: ورقة بفاتورة الغاز وعناوين وكالات الطاقة الإيطالية. أما الإعلام الرسمي الجزائري، فقد كان جاهزاً “بالمعزوفات” الموسيقية المعتادة، ينتظر فقط إشارة البدء ليُطلق سيمفونيته المعهودة عن “الجزائر قبلة قادة العالم”.

لكن الأرقام، تلك الصغيرة العنيدة، ولسوء حظ جنرالات الجزائر، لا تُحسن الرقص على أنغام الدعاية الجزائرية.

السياق: اضطرارية تلبس ثوب الاستراتيجية

جاءت زيارة ميلوني في خضم توترات جيوسياسية متصاعدة، من حرب إيران وما خلّفته من اضطرابات في مضيق هرمز، إلى استمرار الفوضى في الساحل. وقد رفع هذا الواقع من الأهمية الاستراتيجية للجزائر في الحسابات الإيطالية.

غير أن ما لا يُقال بالسهولة ذاتها، هو أن هذه الزيارة كانت مرتّبة منذ فبراير الماضي، أي قبل أي دراما إقليمية. فميلوني لم تحجز تذكرة السفر بين عشية وضحاها، بل دُعيت رسمياً من الرئيس تبون في مكالمة هاتفية جرت مطلع فبراير، وجاءت الزيارة امتداداً لمسار القمة الجزائرية-الإيطالية الخامسة التي انعقدت في يوليو 2025.

ثم جاءت أزمة قطر لترفع درجة الحرارة. فقطر، التي كانت تُمثّل 33% من واردات إيطاليا من الغاز الطبيعي المسال في 2025، أعلنت القوة القاهرة على عقودها طويلة الأمد إثر الضربات التي استهدفت منشأتها الرئيسية في رأس لفان. وإيطاليا التي تعتمد على الغاز في توليد ما يقارب 44% من كهربائها، أي ضعفَي المعدل الأوروبي، كانت أمام معادلة حرجة.

في هذا السياق، تحوّل ما كان زيارة دبلوماسية مجدولة إلى ما يشبه رحلة الإطفاء الطارئة. والفارق في هذا السياق ليس تافهاً: من يبحث عن الدفء هو من يطرق الأبواب، لا العكس.

ما جرى فعلاً: بين الوعود والأرقام

أعلنت ميلوني بعد لقائها تبون عزم الطرفين توسيع التعاون في مجالات جديدة كاستخراج الغاز الصخري والاستكشاف البحري، مشيرةً إلى أن ذلك سيُمكّن من تعزيز تدفقات الغاز. والجزائر باتت تُمثّل اليوم نحو 36% من واردات إيطاليا من الغاز عبر الأنابيب.

وقد انبثقت عن الزيارة نتيجة مؤسسية وحيدة ذات طابع ملموس: الإعلان عن إنشاء غرفة تجارية جزائرية-إيطالية، وصفتها ميلوني بأنها تهدف إلى “تفعيل الإمكانات غير المستغلة في العلاقات الثنائية”. أما تفاصيل الاستثمارات التي قد تضطلع بها إيني وسوناطراك في الاستكشاف والإنتاج، فقد بقيت بعيدة عن التصريح.

هنا يكمن الفارق بين الزيارة السياسية والصفقة التجارية: ما صدر كان إعلان نيّة لا عقود موقّعة، وإعلان غرفة تجارية لا استثمارات مُعلنة الأرقام. أعمدة دخان دبلوماسي يُصعب التحقق منها في الوقت الراهن.

ثم هناك الرقم الأهم الذي يطوف بصمت خلف المؤتمر الصحفي: خط الأنابيب “ترانسميد” يعمل اليوم عند أقصى طاقته الاستيعابية. وأي زيادة في الصادرات تستلزم استثمارات ضخمة في المنبع من قِبَل سوناطراك، بينما يحتاج الهيدروجين الأخضر إلى ممرات تمويلية تتراوح ما بين 20 و40 مليار دولار للبنية التحتية وحدها.

بمعنى آخر: ميلوني طلبت المزيد من الغاز، والجواب كان: “نريد المزيد من الاستثمار”. صفقة كلاسيكية بين من يملك الزبون ومن يملك البئر، يتفاوضان على من يدفع تكلفة الحفر.

من يربح؟ لعبة الأرقام الباردة

التجارة الثنائية بلغت 12.98 مليار يورو في 2025. لكن النظر إلى البنية الداخلية لهذه التجارة يكشف الحقيقة: الواردات الإيطالية من الجزائر بلغت 9.78 مليار يورو، منها 8.1 مليار يورو من الغاز وحده، أي ما يعادل 83% من إجمالي الواردات. في المقابل، الصادرات الإيطالية إلى الجزائر وصلت إلى 3.2 مليار يورو، معظمها آلات ومعدات صناعية.

هذه الأرقام تقول ما لا تقوله الخطب: الجزائر تبيع مادة خام، وإيطاليا تشتري وتُعيد البيع بقيمة مضافة. والفائض التجاري الجزائري الضخم يبدو مُبهراً، لكنه مُقيَّد بطبيعته: لا يمكن بيع الغاز بأسعار السوق الفورية عندما يكون معظمه مُقيَّدا بعقود طويلة الأمد سبق إبرامها بأسعار أدنى. الجزائر تبيع بالجملة حين يرتفع السعر للتجزئة، وتتلقى الفاتورة كاملة حين يتراجع.

أما ملف الهجرة، فقد تحدثت عنه ميلوني بوضوح ضمن أجندة الزيارة. التعاون على ملف الهجرة غير الشرعية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر كان بنداً صريحاً على الأجندة،  وهو ما يعني أن إيطاليا تدفع بالغاز ثمن ضبط الحدود الجنوبية لأوروبا، أو بصياغة أدق: إيطاليا تدفع للجزائر كي تحتجز على أراضيها من تخشى أن يطرقون أبواب لامبيدوزا.

شراكة “استراتيجية” إذن، لكن من نوع مختلف.

معركة السرديات: رواية المنتصر ورواية المشتري

هنا يبلغ المشهد ذروته الكوميدية. جلس الرئيسان أمام الكاميرات ذاتها، وسمع كلٌّ منهما ما أراد أن يسمعه، ثم ذهب كلٌّ إلى إعلامه ليروي قصة مختلفة.

الإعلام الجزائري الرسمي تعامل مع الزيارة باعتبارها لحظة تاريخية تُكرّس “الشراكة الاستراتيجية العميقة” التي “ترسم ملامح الخارطة الطاقوية والجيوسياسية لحوض المتوسط”. وصفت بعض المنابر الجزائرية بلادها بأنها باتت “عاصمة الأمن الطاقوي العالمي” لا الأوروبي فحسب، بل العالمي!

في المقابل، تعاملت وكالة بلومبرغ مع الخبر بجملة واحدة: “ميلوني تسعى لتعزيز تدفقات الغاز من الجزائر”، في سياق منافسة إيطالية-إسبانية على مصادر الطاقة الشمال-أفريقية. أما الإعلام الإيطالي فوصف الزيارة بوصفها حاجة طارئة أملتها اضطرابات الشرق الأوسط.

ما يراه المحللون الأوروبيون من خارج المشهد أن الجزائر استفادت من الشراكة مع إيطاليا في إطار ما يُعرف بـ”خطة ماتي”، وأن روما في المقابل تعمّدت الابتعاد عن تقديم دعم واضح لأي موقف قد يُغضب الجزائر في ملف الصحراء المغربية، دون أن تقدم لها بالمقابل ما يرضيها ويغضب الرباط، ويؤثر بالتالي على الشراكة الإيطالية المغربية.

الإعلام الجزائري يُخبرنا أن أوروبا تأتي إلينا خاضعة. الإعلام الإيطالي يُخبرنا أن روما تتسوّق بين الموردين. والحقيقة في منتصف الطريق: المشتري يحتاج البائع، والبائع يحتاج المشتري، والفارق أن المشتري لديه بدائل في الأفق، وإن كانت أبعد وأغلى.

العجز الهيكلي: ما لا يُقال في المؤتمر الصحفي

تكمن المفارقة الحقيقية في أن ارتفاع أسعار الغاز عالمياً لا يعني بالضرورة ثروة جزائرية حرة الحركة. فالعقود طويلة الأمد المُبرمة مع إيطاليا وإسبانيا وغيرها تقيّد جزءاً كبيراً من الصادرات بأسعار تفاوضية سابقة، تعكس توازنات مختلفة. وسوناطراك لا تستطيع ببساطة أن “تضخ أكثر” استجابةً للطلب المتصاعد، لأن خط ترانسميد بلغ أقصى طاقته، وأي توسع يستلزم استثمارات أجنبية في الاستكشاف، أي أن الجزائر بحاجة إلى من تبيع له الغاز كي يموّل لها استخراج الغاز الذي ستبيعه.

هذه الحلقة المُربِكة تُسمّى في الاقتصاد السياسي “فخ الريع”. وهو فخ تعرفه جيداً دول كثيرة لم تتحوّل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية، لأنها اعتمدت على بيع المخزون بدلاً من بناء القدرة.

خلاصة: الجزائر هي مجرد محطة وقود لا أكثر

زيارة ميلوني للجزائر لم تكن “قمة الشراكة التاريخية” ولا “خضوعاً أوروبياً”، بل كانت زيارة عمل اضطرارية بلباس دبلوماسي. إيطاليا جاءت تبحث عن غاز في لحظة ضغط، والجزائر قدّمت ما تستطيع تقديمه مقابل ما لم يُعلَن: وهم حصول النظام الجزائري على شرعية دولية، أهمية متوسطية، وتعاون في ضبط الهجرة.

المستفيد الأكبر هو من يملك التكنولوجيا والسوق والبدائل المتعددة. وإلى أن تحوّل الجزائر غازها إلى صناعة، وثروتها إلى بنية إنتاجية، وعلاقاتها إلى شراكات تقنية حقيقية لا مجرد صور بروتوكولية، ستستمر هذه الزيارات في التكرار: زعيم أوروبي يصل، يبتسم، يحصل على ما يريد، ثم يعود إلى بلاده حيث تنتظره مصانعه الدافئة.

وستبقى صفحات الإعلام الجزائري تزهو بعناوين “الشراكة التاريخية”، في حين يُدوّن محرر بلومبرغ ببرود معهود: “إيطاليا تؤمّن الغاز الذي تحتاجه في الشتاء القادم”.

اقرأ أيضا

“فيس بوك” يشعل حرب صناع المحتوى.. برنامج أرباح جديد لمنافسة “تيك توك” و”يوتيوب”

أعلنت شركة فيس بوك عن إطلاق برنامج “Creator Fast Track”، وهو مبادرة طموحة تهدف إلى …

التشيك تعرب عن تقديرها الكبير لريادة الملك محمد السادس

متابعة أعرب نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الخارجية التشيكي، بيتر ماكينكا، اليوم الخميس بالرباط، عن …

مجلس الحكومة يصادق على مشروع قانون يتعلق ببيع السمك بالجملة

صادق مجلس الحكومة، الخميس، على مشروع القانون رقم 36.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 14.08 المتعلق …