سيناريو الجزائر

بعد الثالث من يوليو ٢٠١٣م، وبعد فض اعتصام رابعة، وضعت مراكز بحثية عددًا من السيناريوهات للحالة المصرية، كان منها السيناريو السوري، والسيناريو الجزائري، غير أن المصريين رفضوا استيراد الحلول من الخارج، واتجهوا إلى رسم طريق خاص بهم عبّروا عنها بالسلمية، فقالوا: (سلميتنا أقوى من الرصاص).
مصر في نظر هؤلاء ليست كسوريا، وليست كالجزائر، والشخصية المصرية ليست كالشخصية الشامية أو الجزائرية، ولها تجربتها الخاصة، ولن تذهب إلى الدم الذي ذهبت إليه الدولتان.
بالأمس فقط تمّ امتحان هذه الرؤية المتفائلة بالابتعاد عن الدم، فقد أهريق الدم غزيرًا في مصر، فقد اغتيل النائب العام بسيارة مفخخة، وصفَّت قوات الداخلية (١٣) قياديًّا من الإخوان بحسب وسائل الإعلام، وقتل تنظيم “داعش” في سيناء (٧٠) جنديًّا وضابطًّا مصريًّا.
كان يوم الأربعاء 1/7 يومًا دمويًا بامتياز، وهو يوم فارق بين ما كان قبله وما يكون بعده. ما بعده أسوأ وأقسى منه ومما قبله. بحسب جلّ التوقعات، فقد اعتمدت الحكومة قانونًا للإرهاب يتيح فرصة لتنفيذ أحكام الإعدام دون المرور بمراحل التقاضي العادية. القانون يحمل ملامح المرحلة التالية ويرسم طريقًا يستسهل فيه الحاكمون الدماء، والإعدام، وقمع المعارضين.
جلّ التحليلات لمقتل النائب العام تتهم الدولة بالقتل، لأهداف كثيرة: منها تهيئة الأجواء لإعدام محمد مرسي وغيره، ويستدل المتهمون للدولة بحديث سائق سيارة النائب العام الذي لم يُصَب في التفجير، وذكر أن إصابة النائب العام كانت طفيفة وخرج من السيارة المصفحة يمشي، ومات في المستشفى, وبحديث السكان في المنطقة عن وجود سيارات مطافئ وقوات أمن في المكان قبل التفجير بساعات، وبنفي الإخوان رسميًّا ضلوعهم في عملية القتل، وبسرعة اتهام السلطات للإخوان بدون تحقيقات.
ثم جاءت عملية التصفية لـ(١٣) قياديًّا من الإخوان في “٦ أكتوبر”، حيث توالت الشهادات التي تحدثت عن أنهم كانوا معتقلين في الصباح، وعرضت الجزيرة صورًا تبرز علامات الحبر و(الفيش والتشبيه) التي تؤكد الاعتقال، إضافة إلى شهادات ذوي الضحايا الذين أكدوا عمليتي الاعتقال والتصفية.
إنه في ضوء ما تقدم يميل كثير من الباحثين إلى القول إن (سيناريو الجزائر) قد بدأ في مصر بداية قوية أول من أمس, وأنه سيستمر لاحقًا. ومن المعلوم أن شهادات عديدة خرجت من الجزائر لاحقًا أثبتت أن قادة الجيش الذين انقلبوا على نتائج الانتخابات التي جاءت بفوز كبير للإسلاميين اتخذوا من أعمال العنف والتطرف طريقًا لهم فهم مَن يقوم بالتفجيرات، وبعمليات الذبح، ويلصقون ذلك بجبهة الإنقاذ وبالإسلاميين، ليتسنى للجيش ممارسة القتل، والاغتيال، والتصفية، خارج القانون، بدعوى مكافحة الإرهاب والتطرف.
كان الغرب يعلم ذلك ولكن كان مرتاحًا له، لأنه لا يود رؤية جبهة الإنقاذ الجزائرية في الحكم. وكانت وسائل الإعلام الجزائرية أداة السلطات في شيطنة جبهة الإنقاذ الفائزة بالانتخابات.
فقدت الجزائر بسبب هذا السيناريو مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وتراجعت الدولة، وانقسم المجتمع، وما زالت جراحه بغير شفاء حتى بعد أن سيطر الجيش على الدولة. إن تجربة الجزائر تبدو أكثر إغراء على النقل للساحة المصرية كما تذهب مراكز الأبحاث. ولكن النتائج قد تكون أكثر تكلفة، لذا يجدر بعقلاء مصر البحث في خيار المصالحة، والسياسة، لأن الحل الأمني ليس حلًّا لمصر حرسها الله وجنبها الفتن والدماء.

* وزير إعلام وأوقاف سابق/ “فلسطين أون لاين”

اقرأ أيضا

بخور روما لن يبدد رائحة عفن زنازين عنابة: الجزائر والبابا وتجارة الصورة!

ثمة سؤال بسيط يطرح نفسه على من يتابع الإعلام الرسمي الجزائري هذه الأيام: هل زيارة البابا ليو الرابع عشر للجزائر حدثٌ ديني تاريخي، أم هي "صك غفران" دبلوماسي بالجملة؟ الإجابة، للأسف، أقرب إلى الثانية منها إلى الأولى، لا لأن الزيارة لا قيمة لها في ذاتها، بل لأن النظام العسكري الجزائري قرر أن يستأجر العربة البابوية لأغراض لا علاقة لها بالإيمان.

مراجعة أبريل 2026 في مجلس الأمن: الكابوس الذي يقضّ مضجع المرادية!

ليست المرة الأولى التي يجلس فيها النظام الجزائري أمام شاشة مجلس الأمن يراقب مراجعة أممية بقلق. لكن ما يجعل أبريل 2026 مختلفاً في الذاكرة الاستراتيجية للمرادية، هو أن القلق المعتاد تحوّل هذه المرة إلى شيء أقرب إلى الذعر الوجودي الذي يُشلّ القدرة على المناورة ويُضيّق هامش الخيارات إلى ما يكاد يكون أفقاً مسدوداً.

مخرجات لجنة التنسيق المغربية المصرية تحظى باهتمام إعلامي

سلطت وسائل إعلام عربية الضوء على الإرادة المشتركة للقاهرة والرباط، لتنفيذ مخرجات لجنة التنسيق والمتابعة المغربية المصرية في دورتها الأولى.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *