تحاول فقرة مفاتيح المدن استحضار زوايا اجتماعية وثقافية واقتصادية مشعة، من تاريخ مدن المملكة الممتد.
وستسلط الحلقة الأولى من فقرة مفاتيح المدن الضوء رفقة محمد زاوي الباحث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، على نموذج اقتصاد “الجهاد البحري” في مدينة سلا، و نموذج اقتصاد الوساطة والقرصنة بين القرنين 16م إلى 19م.
إليكم مقال الباحث محمد زاوي
اقتصاد “الجهاد البحري” في سلا: نموذج لاقتصاد الوساطة والقرصنة
عند الحديث عن عمليات القرصنة البحرية في سلا، خلال الفترة ما بين القرنين 16 م و 19 م، فيجب التمييز بين مرحلتين: مرحلة القرصنة الممارَسة خارج إطار تنظيم الدولة وأمرها (القرن 16 م إلى غاية ستينات القرن 17 م)، وأخرى لا حقة كانت تدار كجزء من تنظيم دولة العلويين (إلى غاية ثلاثينات القرن 19)، خاصة بعد استتباب الحكم للسلطان المولى إسماعيل وسيطرة العلويين سيطرة تامة على “المكونات الثلاث المقيمة بمصب نهر “أبي رقراق”: سلا القديمة، ورابط الفتح، والقصبة الملقبة حاليا بقصبة الأوداية” (إسماعيل العلوي، سلا التي سكنتنا: ملامح من فسيفساء حضارة، مؤسسة سلا للثقافة والفنون، الطبعة الأولى، 2025، ص 46).
لا نذكر هذا التمييز عرَضا، ولكن للتأكيد على مسألة أساسية يتداخل فيها اقتصاد الدولة باقتصاد القرصنة، ما جعلها تغير اسمها إلى “الجهاد البحري”.. ولم يقتصر التداخل على الاقتصاد فحسب، بل إن عمليات القرصنة البحرية قد تحولت في عهد المولى إسماعيل إلى أداة من أدوات التأثير الجيوسياسي في البحر، وفي علاقة الدولة المغربية بجوارها الشمالي (الأوروبي).. لهذا الأمر عدة دلالات، لعل أبرزها: الحاجة إلى قوة بحرية في مرحلة البناء العسكري، والحاجة إلى تدبير اقتصادي بحري في مرحلة البناء الاقتصادي..
لقد كانت سلا، وبالتالي السلطنة العلوية، في حاجة إلى تأمين البحر باعتباره مجالا للتبادل التجاري، وبالتالي لتصريف ما تنتجه القطاعات الزراعية والصناعية في سلا وما جاورها، وفي غيرها من المناطق المغربية أيضا.. ونظرا لهذه الحاجة، لعبت “القرصنة”/ الجهاد البحري أدوارا شتى، من أهمها حماية ميناء سلا وتنشيطه وتطوير المبادلات النقدية وتيسير المصالح التجارية المغربية..
سلا المقاومة للأطماع الأجنبية
كانت سلا محط أطماع أجنبية، كما كان ميناؤها مجالا لتوافد السفن وإجراء التبادل التجاري ما جعله من أهم الموانئ في شمال إفريقيا، ناهيك عن ازدهار زراعتها وصناعتها (حمدي عبد المنعم محمد حسين، مدينة سلا في العصر الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة، الطبعة الأولى، 1993، ص 63)؛ وكله كان في حاجة إلى خبرة وحماية في شرط خاص لدولة في مرحلة البناء، فكان “الجهاد البحري” بمثابة استجابة لهذا التحدي، إذا أردنا استعمال تعبير أرنولد توينبي.
ورغم هذه الحاجة، فإن حركة “الجهاد البحري” لم تكن لتستمر وتنتعش في أعالي البحار إلا بدعم أجنبي، أوروبي بالتحديد، من هذه الدولة الأوروبية ضد تلك، أو من دولٍ ضد أخرى.. صحيح أن الدولة المغربية سمحت لهم بقدر كبير من حرية التصرف، ولم تواجههم في معاقلهم وأماكنهم، ولم تهاجم مصالحهم وعلاقاتهم، إلا أنها لم تتخذ قرارا صريحا ومباشرا لدعمهم عينا أو نقدا، أو لعل هذا النوع من الدعم كان محتشما لديها نظرا لضعف مواردها أو خوفا من تهمة أجنبية.. ولذلك فقد كان “انهيارها مرتبطا بأسباب خارجية”، يقول روجي كواندرو (روجي كواندرو، قراصنة سلا، ترجمة محمد حمود، 1991، ص 184).
يحمل هذا النوع من الاقتصاد، اقتصاد القرصنة، أسباب انهياره معه.. فهو ليس اقتصاد إنتاج ينتج القيمة من عمله الزراعي والصناعي المباشر، وإنما هو اقتصاد وساطة قائمة على السطو والامتياز والربح من السيطرة على الطرق وتيسيرها أو تعسيرها..
ويستمد قدرته على الاستمرار من شروط خارجية، فينهار بارتفاع هذه الشروط.. وهو ما حصل مع اقتصاد “الجهاد البحري” بالتحديد عندما “تغيرت موازين القوى الدولية خلال القرن التاسع عشر، وتم إرغام المغرب على التخلي عن عمليات الجهاد البحري ما بين سنة 1827 م و1830 م، فترتب على ذلك مرحلة جديدة اقتصاديا، وسياسيا وعسكريا” (إسماعيل العلوي، مرجع سابق، ص 46).. لقد كان العامل الخارجي حاسما من جهتين: من جهة منع الدعم الأوروبي عن قراصنة سلا، ومن جهة الضغط على الدولة المغربية حتى ترفع يد عونها وحمايتها عنهم..
مشاهد 24 موقع مغربي إخباري شامل يهتم بأخبار المغرب الكبير