الرئيسية / وجهات نظر / اسبانيا بين المخرج الدستوري وعواقب أزمة كاتالونيا
MOHAMED BOUKHEZAR

اسبانيا بين المخرج الدستوري وعواقب أزمة كاتالونيا

أطلت على اسبانيا، في غضون الأسابيع الأخيرة، تباشير بداية العافية الاقتصادية واستعادة الأمل في الخروج من النفق المالي الذي حوصرت فيه البلاد، ما أدى في حينه الى استقالة حكومة، خوصي لويس ثباطيرو، والشروع في منحدر سياسي، أدى، كما كان متوقعا، الى عودة الحزب الشعبي الى الحكم، في أعقاب انتخابات تشريعية منحته الأغلبية المطلقة عام 2011،فطبقت الحكومة التي شكلها،بعد اتتصاره، إجراءات تقشفية صارمة،أعطت ثمارها الأولى منذ مطلع السنة الجارية.
لكن ما تعاني منه البلاد حقا ،هو أزمة سياسية مقلقة، مازال شبحها مخيما في سمائها وتنذر تطوراتها المحتملة، بأوخم العواقب على وحدة البلاد واستقرارها وانسجام وتعايش مكوناتها،فضلا عن حضورها في الساحة الدولية .
لقد انتهى الشوط الأول من الأزمة التي اندلعت في اقليم كاتالونيا، بإرغام دعاة الاستقلال والانفصال عن التاج الاسباني،على إلغاء إجراء استفتاء لتقرير مصير، قرروه من جانب واحد، خارقين بنود الدستور الصريحة، فواجهوا معارضة شديدة من لدن عدة احزاب سياسية وطنية واقليمية.

المزيد: “الدستورية” تضيق الخناق على انفصاليي “كاتالونيا”

وكان حكم المحكمة الدستورية بإجماع أعضائها،بمنع الاستفتاء وبطلان نتائجه كيفما كانت؛ عاملا حاسما لردع الانفصاليين،خاصة وقد وجدوا انفسهم امام احتمال جدي،باستعمال القوة لحماية وحدة البلاد وصيانة المؤسسات الدستورية،بعد ان اعلن الجيش وقوفه صراحة في صف الشرعية.
وفي موعد لاحق، دعا أنصار استقلال الاقليم وقيام جمهورية كاتالونيا،الى تنظيم ما أسموه “استشارة شعبية” واسعة،لم تحترم الضوابط القانونية والادارية،وبالتالي اعتبرت نتائجها بدورها لاغية، لكنها أتاحت، برأي منظميها، لسكان الاقليم، التعبيرعن توجهاتهم وميولهم، دون ان تكون ملزمة اوذات اثر قانوني، كأن يعقبها إعلان رسمي بالاستقلال.
وعلى الرغم من شعبوية الاجواء التي جرت فيها الاستشارة الموصوفة بالشعبية، فإن المصوتين لم يساندوا أطروحة الانفصال بأغلبية ساحقة، وإنما أعطوا ما يمكن تسميته ب “مكر الارقام” أي نتيجة يجوز تأويلها وقراءتها واستنتاج كل طرف ما يسعى إليهمنها .
سيفرض على اهم وأغنى اقاليم اسبانيا،اختيارصعب؛ إذ قررت حكومته التي يشرف عليها حزب “وحدة ووئام”في شخص”ارتورماص” المتحالف، وهو ذو مرجعية ليبرالية، مع فصائل اليسار الجمهوري الذي تنحو بعض مكوناته منحى فوضويا مضادا لـ “النظام”المؤسسي كيفما كان واستبداله بنظام جماهيري.
ويطمح التحالف الليبرالي، اليساري ذو المنزع الفوضوي، الى تحويل نتائج الانتخابات الاقليمية المحلية،المقرر اجراؤها يوم 27 سبتمبر،الى ما يعادل استفتاء شعبيا تأكيديا،لصالح أطروحة الاستقلال، في حال فوز القوى الحزبية المنادية به، بأغلبية. وهذا احتمال غامض، بالنظرالى تداخل العوامل السياسية والاجتماعية في صناعة النتائج النهائية.
ومن المؤكد ان “الانفصاليين الكاتالانيين” يستغلون في حملاتهم ضد الحكومة، بعض نواقص النظام السياسي القائم الذي ارساه دستور 1978 التوافقي،بغاية التسريع بمسلسل الانتقال الديموقراطي،عقب وفاة الديكتاتور “فرانكو” للحيلولة دون توريث السلطة للجيش في ذلك الوقت.
وفي هذاالصدد، يقر سياسيون إسبان، يتموقع بعضهم في الحزب الحاكم، بضرورة تعديل دستوري،يعيد تنظيم وتوزيع السلط بين الحكومة المركزية والحكومات المستقلة في الجهات؛ في أفق منحها صلاحيات اوسع وتخفيف اعباء وثقل الإدارة المركزية عن المحيط،انسجاما مع المتغيرات العميقة الحاصلة في المجتمع الاسباني المتعدد الطوائف،المتنوع في ثقافاته ولغاته ومناطقه الجغرافية؛لكن قيادة الحزب الحاكم المحافظ ،تعارض فكرة اجراء تعديل دستوري تحت الضغط، وفي غياب حصول توافق عريض بين الطبقة السياسية والمكونات المجتمعية في البلاد وكذلك الملك ،لكي لا يتحول التعديل الى سابقة خطيرة، تشرعن ادوات عدم الاستقرار،وتشجع على تقويض أسس الكيان الوطني.
وفي ظل هذا السياق السجالي، يتهم الحزب الاشتراكي المعارض، غريمه الشعبي الحاكم، بالمبالغة والتهويل من آثار مراجعة الدستور،لكن “الاشتراكي”رغم ذلك، ينادي بحصر التعديل في بنود محددة، لإعادة صياغتها لتمهد لإرساء أسس نظام فيدرالي جديد، يعوض نظام الجهات الحالي، معتقدا (الحزب) أنه اسلوب ديموقراطي يذيب المطالبات الاقليمية بمزيد من التحرر عن السلطة المركزية، فضلا عن توافقه مع أنظمة الحكم المتطورة، في الديموقراطيات الحديثة.
ويساند موقف الاشتراكيين، بشكل واضح، زعيمهم الاسبق، فيلبي غونثالث،رئيس الوزراء خلال ثلاث ولايات تأسيسية في تاريخ اسبانيا الحديث.
وما فتئ غونثالث، منذ تفجر النقاش السياسي بخصوص”الازمة الكاتالانية”يعرب عن المواقف الداعية للحوار الهادئ بين الفاعلين السياسيين . آخرمبادرة صدرت عنه في هذا الصدد، رسالة نداء، مفتوحة الى “الكاتالانيين” نشرها يوم الاحد الماضي، في جريدة “الباييس” اعاد فيها المبررات الرافضة للانفصال الذي سيؤثر، من وجهة نظر غونثالث، سلبا على البلاد،داخليا وخارجيا،بإضعاف إشعاعها،بل يهد انقسام البلاد، وضياع تاريخها المشترك على مدى قرون .
ولم يفت الزعيم الاشتراكي المتقاعد؛ التنبيه والتذكير،بالانعكاسات السلبية على مشروع البناء الاوروبي نفسه،على اعتبار أن نجاح نموذج استقلال “كاتالونيا”سيدفع كيانات اقليمية اخرى، في القارة العجوز، إلى المطالبة باغلاق الحدود على نفسها،بينما يتجه العصر المعولم نحو الغائها.
وأبرز،غونثالث، الذي تحدث، كمواطن عادي، مخاطر تحويل “كالتالونيا” الى نموذج” البانيا”أخرى في القرن الواحد والعشرين.
ويبدو ان الحزب الحاكم، شاعر بتجليات التعبير عن الهوية والقومية الكاتالانية، فهو يدرك أنها متجذرة في التاريخ والنفوس،ليست مصطنعة كما هو حال بعض القوميات المزعومة او المفبركة، لكن “الشعبي” الاسباني، منقسم بخصوص أسلوب التصدي للمطالب القومية في الاقليم المنتفض،وما يزعجه اكثر، هو الإحساس،بتواطؤ النخب المحلية مع القوميين وخاصة رجال المال والاعمال. هؤلاء لايجاهرون بولائهم للسلطة المركزية واخلاصهم للمصالح العليا للوطن الموحد .
ويراهن “الشعبي”على تغيير في توجهات الناخب الكاتلاني، قد يدفعه الى التفكير جديا في سلامة اختياره؛ بعد ان جنحت استطلاعات الرأي الاخيرة نحو هذا المنحى، في تزامن مع تراجع التأييد الشعبي للاحزاب الجديدة وخاصة “بوديموس”الذي كان مرشحا للإخلال بالثنائية الحزبية الحالية التي يتناوب على الحكم، بمقتضاها، الحزبان الوطنيان الكبيران : الشعبي والاشتراكي العمالي . حبذ المستجوبون استمرار التداول على السلطة بين تنظيمين سياسيين لهما تجربة غنية في تدبير الشأن العام، بدل تعريض مصير البلاد للمجهول،لكنهم لا يعارضون تمثيلا معقولا للاحزاب الجديدة في المؤسسة التشريعية .
عامل خارجي، القى بظلاله على المشهد الاسباني، نزل بردا وسلاما على الحكومة ودعاة الاستقرار؛ ويتمثل في الازمة السياسية باليونان بفصولها وذيولها المثيرة، والتي كشفت عجز الافكار الشعبوية،عن تحقيق الاحلام الطوباوية التى سوقها للجماهير الشعبية،تحالف احزاب اليسار،دون ان يجد مخرجا للأزمة المالية، فاضطر تحت وطأتها الى الاذعان لشروط المؤسسات المانحة والمقرضة؛،هكذا اصطدم الوهم بالحقيقة الصلبة العنيدة.
لقد شبهت حالة اسبانيا، مند بداية ازمتها،بنظيرتها اليونانية، لدرجة ان محللين اقتصاديين، راوا ان نفس المصير يتهدد إسبانيا؛ لكن الحزب اليميني الذي ستنتهي ولايته قبل متم السنة الجارية اعاد الروح للاسبان الذين يقارنون حالهم الان وكيف سيصبحون لو انهم صوتوا لصالح الاحزاب ذات الايديولوجية المماثلة لتحالف “سيريتزا” الذي ارهق الشعب اليوناني باستفتاءات لا جدوى منها،بل ادى أولها إلى عكس متمنيات الحكومة اي تراجع الدول الأوروبية عن مرونتها، عقابا لليسار الشعبوي على تنطعه .
المؤكد ان الحال، لن يظل على ما هو عليه في اسبانيا، وليس من حل واقعي يبعدها عن المجهول ،سوى الاتفاق على مراجعة الوثيقة الاسمى، لتجديد مفاصل الحكم،والتعاطي الايجابي مع الطموحات الجهوية المشروعة،دون تقويض البناء الوطني وإضعاف الوشائج الرابطة بين الإسبان.
ومن الواضح ان ملك اسبانيا الجديد يسير في اتجاه المحافظة على اسبانيا القوية الموحدة،ولو أن وضع بلاده تسبب له في اشكالات دستورية .ورغم انه زار”كاتالونيا”بعد تتويجه ملكا وابتعد عن الخوض في السجال السياسي،فقد حدثت مؤشرات مقلقة ،اذ عمدت بلدية مدينة “برشلونة” التي يهيمن عليها اليسار، الى محو بعض شواهد الملكية في الاقليم كازالة اسماء شوارع تحمل اسماء من أسرة “آل بوربون”.
وعليه فإن استقلال كاتالونيا، بعيد المنال بالصيغة التي يحلم بها القوميون المتطرفون من اليمين واليسار الفوضوي ؛ لكن الاصغاء لتطلعات سكان الاقليم بات واجبا على الحكومة المقبلة مهما كان لونها السياسي، بشرط ان يحتفظ بمركز الثقل فيها احد الحزبين الكبيرين اللذين صنعا الانتقال الديموقراطي في اسبانيا.
اذا زاحمهما تنظيم شعبوي او اخل بالتوازن السياسي، فان البلاد ستواجه خضات عنيفة، تستقر بعدها على حال جديدة.