الرئيسية / وجهات نظر / فلول تونس.. شهية سياسية مرتفعة
1279e4087f64a0dc9b15279fdb1329c7

فلول تونس.. شهية سياسية مرتفعة

هل أصبحت عودة النظام السابق في تونس احتمالا جدياً؟ من يتابع الجدل الدائر، والمستمر منذ أشهر، يشعر بأن رموز النظام القديم حققت نقاطاً عديدة لصالحها، وأن ظهورها من جديد، وأحيانا بجرأة عالية، على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، صدم كثيرين، وجعل أطرافاً حزبية تصعّد حملتها، وتدعو إلى قطع الطريق أمام هؤلاء، خوفاً من اجتياحهم السلطة مرة أخرى. فأين الصحيح من الخطأ، في هذه الفرضية التي أصبحت تخيم على المشهد التونسي، أكثر من أي وقت مضى؟
أحكام غيرت المزاج العام
جاءت الأحكام التي صدرت عن المحكمة العسكرية، قبل أيام، بمثابة نقطة أخيرة أفاضت الكأس. فبعد هروب زين العابدين بن علي، انطلق حديث، في تونس، عن وجوب محاسبة قتلة الشهداء الذين سقطوا في المواجهات مع قوات الأمن، واستمرت نحو شهر، وخلفت 67 شهيداً وجرحى كثيرين. تم، بالفعل، إيقاف أبرز القيادات الأمنية التي كانت تشرف على العمليات في تلك الأيام السوداء، وشملت خصوصاً وزيرين للداخلية، ومدير الأمن ومدير الأمن الرئاسي والمسؤول عن غرفة العمليات، وآخرين.
انتظر الجميع صدور الأحكام في القضية الخطيرة، والمتشعبة، فإذا بالحكم يأتي معاكساً تماماً توقعات كل الأطراف. غيرت المحكمة التهم الموجهة للمتهمين، وخفضتها من القتل عمداً إلى القتل الخطأ. وبدل أن يبقى المتهمون رهن الاعتقال، استقبلتهم أسرهم بالزغاريد، بعد مغادرتهم السجن. وبدل أن يشعر الجرحى وعائلات الشهداء بأن العدل أخذ مجراه، ارتفع صراخهم ونحيبهم من جديد، ووجدوا أنفسهم، مرة أخرى، يعيدون رفع الصخرة من سفح الجبل.
بقطع النظر عن الضجيج الذي أحدثته الأحكام، ومسعى أعضاء في المجلس الوطني التأسيسي، لسحب قضايا الشهداء والجرحى من المحاكم العسكرية، وإحالتها على محاكم مدنية مختصة، يريدون إنشاءها، على الرغم من أن الدستور الذي صاغوه يمنع تأسيس محاكم استثنائية. بقطع النظر عن هذه الردود، وغيرها، مؤكد أن المستفيد الرئيسي من هذه الأحكام رموز النظام السابق، بعد “تبرئة “الشق الأمني منهم.
“أنا البائدة بنت النظام البائد”.. مطلع قصيدة لشاعرة ترحمت على أيام الحكم السابق، ورفضت الاعتذار للشعب التونسي، وأعلنت أنها لن تعتذر إلا للرئيس المخلوع، بن علي. قبل هذه القصيدة، تابع التونسيون مشاهد من اجتماعٍ لحزب الحركة الدستورية الذي يقوده الوزير الأول السابق في عهد بن علي، حامد القروي (87 عاماً)، ضم وزراء تجمعيين (نسبة إلى حزب التجمع الدستوري)، وصفق فيه المشاركون كثيراً عند ذكر الحزب الحاكم السابق الذي تم حله. وتعددت مشاركة من دافعوا عن مكاسب المرحلة السابقة، في المنابر الإعلامية المختلفة، حتى بدا وكأن الزمن عاد إلى الوراء؟
مر رجال النظام السابق بمراحل ثلاث، بعد الثورة.
في البداية، أصابهم هلع، بعد أن تأكدوا أن بن علي لن يعود. تركهم يواجهون مصيرهم، من دون قيادة وحماية، ما جعلهم ينكمشون ويتوقعون الأسوأ، لكنهم اطمأنوا قليلاً عندما استمر محمد الغنوشي رئيساً للوزراء، وتولي رئيس مجلس النواب المنحل، فؤاد المبزع، قيادة قصر قرطاج بصفة وقتية.
في المرحلة الثانية، دخل الدستوريون في مراجعة أوضاعهم الداخلية وتقييمها. وانقسموا بين من أصبحوا مقتنعين بأن دورهم انتهى، وعليهم الاكتفاء بحياتهم الخاصة، فتجنب كثيرون منهم الظهور من جديد، واكتفوا بمراقبة الأحداث عن بعد. ورأى صنف ثان أن مهمتهم السياسية مستمرة، وأن مواصلة النشاط الحزبي، علناً وبالقانون، أمر ممكن. لكن الخلاف كان واضحاً بين الدستوريين الذين قرروا القطع مع بن علي، حاكماً اعتبروه قد اغتصب السلطة، وافتك الحزب الدستوري الذي أسسه الحبيب بورقيبة، وبين آخرين اشتغلوا مع بن علي، لكنهم يرفضون القول إن كل ما قام به كان سلبياً، ويعتقدون أن مكاسب كثيرة تحققت في عهده، وأن حل حزب التجمع كان انتهاكاً لحقهم في العمل السياسي. وبالتالي، حصل شرخ بين من يريد أن يستثمر شخصية بورقيبة الذي عاد بقوة إلى المخيال الشعبي، ومن لا يزال يرفض القطع مع تركة بن علي، من دون المطالبة بعودته إلى السلطة. وهكذا، توزع الدستوريون والتجمعيون على  أحزاب ومواقع سياسية عدة، بعد أن فقدوا الشخصية الوازنة التي يمكنها أن توحّد بين فلولهم.
في المرحلة الثالثة، شرع التجمعيون في الانتقال من حالة الدفاع عن النفس إلى موقع الهجوم على خصومهم، والزعم بأنهم الأقدر على إدارة شؤون البلاد، حتى ذهب بعضهم إلى الادعاء بأن أبناء الحزب المنحل هم الذين قاموا بالثورة، أو شاركوا فيها، من أجل تصحيح مسار الحكم؟
ثورة بلا قطيعة جذرية
لا شك في أن افتراض تبخر رجال المرحلة السابقة، ونسائها، أمر بعيد عن الواقع. فعدد هؤلاء كبير، واحتكروا السلطة فترات طويلة، امتدت إلى أكثر من نصف قرن، ولهم خبرة سياسية متنوعة، إلى جانب مصالح يدافعون عنها، ويتمتعون بأنصار متغلغلين في أعماق الدولة ومؤسساتها. الحكم جزء منه غنيمة، والغنيمة لا يقع التخلي عنها بسهولة. لذلك، ستبقى المعارك مستمرة، من أجل تعديل موازين القوى. فالثورة التونسية لم تنتهج أسلوب القطع، كما كان يأمل في ذلك بعضهم، وإنما اعتمدت، من دون قرارٍ مسبق، على منهجية التواصل المتدرج، بالاستناد على جزءٍ من رجال المرحلة السابقة. فالثورة طبعت بطابع إصلاحي منذ انطلاقتها. وأشركت، منذ البداية، شخصياتٍ من رحم النظام السابق. لكن، هل استرجاع القوى القديمة للسلطة أمر وارد في التجربة التونسية؟
تجدر الإشارة إلى أن التعثر في إقامة نظام سياسي بديل يعطي الفرصة للقديم حتى يعود، لأن الطبيعة تكره الفراغ، ولأن الفشل في معالجة المشكلات المطروحة يفقد القوى الصاعدة كثيراً من بريقها ومشروعيتها. وما حصل، في السنوات الثلاث الماضية من عمر الثورة، ساعد على تشكيك جزء من التونسيين في إمكانية الارتقاء بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وجعلهم يقارنون بين الماضي والحاضر. وقد قال 40% من التونسيين إن الأوضاع في عهد بن علي كانت أفضل، وذلك في استطلاع للرأي أجري قبل أكثر من سنة.
تجربة لم تنتكس.. ولكن
المؤكد أن القوى السياسية الجديدة لم تخسر المعركة، حتى الآن. وبالتالي، يستبعد أن تنتكس التجربة التونسية، وأن تعود الوجوه نفسها التي تسببت في تفجير الثورة إلى دفّة الحكم، لكن ذلك لم يطمئن الأوساط السياسية والحزبية التي تريد قطع الطريق أمام رموز المرحلة السابقة، بمنعها من الترشح للانتخابات القادمة. وهذه مسألة تختلف الأحزاب التونسية بشأنها في هذه الأيام. فحركة النهضة التي كانت من القوى الأكثر شراسة ضد التجمعيين غيّرت موقفها جذرياً، وأصبحت معترضةً كليا على تنصيص قانون الانتخابات الجديد على العزل السياسي. يقول راشد الغنوشي إن حزبه سيصوّت ضد قانون تحصين الثورة، وإنّه (الحزب) ضد أي إقصاء مهما كان، ويسعى إلى أن يكون التونسيون جميعًا على درجة المساواة نفسها. واعتبر أنّ “قانون العدالة الانتقالية” الفيصل في التمييز بين الدستوريين الذين أجرموا سابقًا وغيرهم.
يساند حركة النهضة، في هذا الموقف، حزب نداء تونس والحزب الجمهوري والجبهة الشعبية. وفي المقابل، تحالفت أحزاب صغيرة ومتوسطة، من أجل تمرير هذا الفصل في الأيام القليلة المقبلة، منها حزبان كانا جزءاً من الترويكا الحاكمة سابقاً.
هكذا، ستشهد المرحلة المقبلة صراعاً مفتوحاً بين فلول النظام المنهار والنخب السياسية لمرحلة ما بعد الثورة. صراع لا يعرف أحد، حتى الآن، كيف سيتعامل معه الناخبون، في حال فشل تمرير قانون العزل السياسي. هل يمكن أن تعيد الأغلبية جلادي أمس إلى الحكم؟  احتمال ضعيف، لكن إلغاءه نهائياً يستوجب تقييماً جدّياً للسنوات الثلاث التي خلت، لأن التونسيين غير راضين بنسبة عاليةٍ على أداء الحكومات الخمس التي تعاقبت بعد الثورة. ومن هذه النقطة، يبدأ العد التنازلي.            
“العربي الجديد”