الرئيسية / وجهات نظر / الأزمة الليبية بين التجاذبات الإقليمية والدولية
حسن-السوسي

الأزمة الليبية بين التجاذبات الإقليمية والدولية

الأزمة الليبية في ذروة تعقيداتها. ذلك ما يمكن استنتاجه من أمرين أساسيين بخصوصها راهنا: أولهما ما آلت إليه جلسات الحوار الوطني الليبي تحت إشراف مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا حيث يبدو أن أفق الحل غير متضح بما فيه الكفاية إلى حد الآن. أما ثاني الأمرين فهو ما تم تداوله داخل أروقة جامعة الدول العربية في القاهرة وما تمخض عنه اجتماعها حول الأزمة الليبية ودور الجامعة في البحث عن حل لها.
لم تتردد جامعة الدول العربية في تلبية دعوة الحكومة الليبية المعترف بها دوليا إلى عقد اجتماع طارئ للجامعة وتقديم الدعم السياسي والعسكري الضروري لها في مواجهة تمدد إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية في عدد من المناطق الليبية وخاصة في مدينة سرت، غير أن القرارات الصادرة عن اجتماع مجلس الجامعة لم تكن في مستوى ما كانت الحكومة تتطلع إليه من دعم قويّ لها في حربها على الإرهاب والعمل على إعادة الأمن والاستقرار للبلاد.

المزيد: جذور الأزمة الليبية وآفاق التسوية السياسية


صحيح أن الجامعة دعت أعضاءها، كما دعت المجتمع الدولي، إلى تقديم كل الدعم الذي تحتاجه الحكومة الليبية لتحقيق أهدافها في محاربة الإرهاب ومنع تدمير الوحدة الوطنية الليبية، غير أن هذه الدعوة تظل مجرد إعلان نوايا حسنة ما لم تتم ترجمتها إلى أفعال ملموسة. وهذا يتطلب تجاوز بعض العقبات الأساسية.
العقبة الأولى الموقف الغربي، ذلك أن واشنطن لم تبرح بعد الموقف المبدئي العام الذي يعطي الأولوية للحل السياسي ومكافحة الإرهاب والإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية تتصدى لمهام المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، وفي نوع من التعليق على دعوة حكومة عبدالله الثني للقوات الجوية بقصف مواقع تنظيم الدولة الإسلامية في سرت وجوارها أكد المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي أخذ بلاده علما بتلك الدعوة مضيفا أن واشنطن تؤمن “أن أفضل طريقة لهزم الإرهاب في ليبيا وتأسيس مناخٍ آمن لكل الليبيين هو عن طريق الشراكة مع حكومة ليبية ملتزمة وموحدة”. ولم يخرج موقف الممثلة العليا للأمن والسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني عن سياق الموقف الأميركي معتبرة أن تشكيل حكومة وفاق وطني سيقطع الطريق أمام التهديدات الإرهابية.
وتتمثل العقبة الثانية في الموقف الإقليمي، ويتبين ذلك من خلال الدعم السياسي الكبير الذي تحظى به ميليشيات فجر ليبيا والحكومة التي تدعمها في طرابلس من قبل الداعم الأساسي لجماعات الإسلام السياسي وهي تركيا.
من جهة أخرى اعتبرت مؤسسة الجيش الليبي والحكومة الليبية المعترف بها دوليا تحفظ الجزائر في موضوع رفع الحظر عن دعم الجيش الليبي بالسلاح في اجتماع مجلس الجامعة العربية الأخير موقفا معاديا لليبيا، وربما هو دعم، ولو غير مباشر، للقوى التي تقوض الاستقرار والأمن في البلاد.

المزيد: داعش وفجر ليبيا.. مواجهات دامية وثروات ضائعة

وإذا كان من الصعب اتهام الجزائر بدعم حكومة طرابلس لاعتبارات سياسية واستراتيجية خاصة بها فيمكن القول إن أيّ موقف يعارض دعم الجيش الوطني الليبي في الوقت الذي تتدفق فيه أحدث المعدات العسكرية إلى ميليشيات فجر ليبيا يعني انعدام الجدية في التعاطي مع ملف تعتبر عناصره الأساسية واضحة المعالم.
ويشكّل الموقف الأممي العقبة الثالثة أمام تبني الجماعة العربية موفقا مؤثرا وفاعلا في الملف الليبي. وقد جاء التعبير عن الموقف من هذه العقبة في شكل تصعيد لنبرة خطاب الحكومة الليبية من خلال الرسالة التي سلمها السفير الليبي في الأمم المتحدة، ابراهيم الدباشي، إلى مجلس الأمن الدولي والمطالب بالسماح لها باستيراد الأسلحة معتبرة أن «استمرار عرقلة حصول الجيش الليبي على السلاح المناسب سيعدّ دعما للإرهاب وتشجيعا لتمدد تنظيم داعش وأنصار الشريعة» في ليبيا. كما دعت المجلس إلى «الاستجابة فورا لبيان الجامعة والموافقة على طلبات الإعفاء من حظر السلاح المقدمة من الحكومة الليبية لتسليح الجيش”.
أكد البيان الختامي لاجتماع مجلس الجامعة على أن الحاجة أصبحت أكثر إلحاحا في هذه الظروف العصيبة إلى التعجيل بوضع استراتيجية عربية تضمن مساعدة ليبيا عسكريا في مواجهة إرهاب الدولة الإسلامية وتمدده على أراضيها. كما دعا أطراف حوار مدينة الصخيرات المغربية برعاية الأمم المتحدة، إلى التعجيل بالتوصل إلى اتفاق ينهي الصراع بينها، ويؤسس لحكومة وحدة وطنية تتولى إدارة البلاد وفق ما تقتضيه مصالح الشعب الليبي. وكما هو واضح فإن الخروج بهكذا قرار يعتبر في حد ذاته إيجابيا غير أن تطبيقه يحتاج ربما إلى مبادرات إقليمية ملموسة بهذا الاتجاه.
ويبدو في هذا السياق أن لدى مصر إرادة واضحة للتحرك على مسارين متوازيين في مواجهة خطر تمدد إرهاب تنظيم الدولة الاسلامية: أولا، مسار الدخول العملي في محاربة هذا التمدد بتوفير واستخدام كل الأدوات الفعالة بما في ذلك الدعم العسكري اللامشروط للحكومة الليبية الشرعية وخاصة تمكين الجيش الوطني الليبي من المعدات والوسائل التي يحتاجها في محاربة الإرهاب ولو اقتضى الأمر التدخل العسكري لدعم الشرعية في ليبيا.
ثانيا مسار العمل على الواجهة السياسية من خلال دعم العملية السياسية الجارية تحت إشراف الأمم المتحدة. الأمر الذي يعني أن القاهرة لا تشاطر رأي القوى الدولية أو الإقليمية وموقفها التي تجعل من التقدم في حل الأزمة الليبية سياسيا شرطا للانخراط في محاربة الإرهاب لما تنطوي عليه هذه الرؤية من انتظارية سياسية واضحة إضافة إلى كونها توفر لميليشيات فجر ليبيا والحكومة الانقلابية التي تدعمها الظروف التي تحتاجها لفرض شروطها على مجمل فرقاء الأزمة الليبية رغم كونهم قد قطعوا شوطا هاما باتجاه الحل السياسي الشامل من خلال توقيع اتفاق السلام والمصالحة بالأحرف الأولى في مدينة الصخيرات الشهر الماضي والذي يماطل المؤتمر الوطني العام في توقيعه مفتعلا كل الذرائع والمبررات الواهية في عملية تهرّب واضحة من تحمل مسؤولية الانخراط الحقيقي في العملية السياسية بما يضمن لها التقدم وليس بما يعرقله كما هو واضح من سلوك المؤتمر المنتهية ولايته.
فهل ستتخذ مصر لوحدها، أو ضمن تحالف عربي محدود، أو واسع، الخطوات التنفيذية للموقف المبدئي المعبّر عنه في دعم الحكومة الليبية المعترف بها دوليا؟ إذا كان الجواب بالإيجاب فما هي انعكاسات مثل هذه الخطوة على الأزمة الليبية ومستقبل حلها سياسيا في ضوء عدم وجود توافق دولي إلى حد الساعة بدعم الخيار العسكري في ليبيا؟ وهل ستتوقف عملية التدخل العسكري في ليبيا على توجيه الضربات الجوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية أم أن تلك العملية ستشمل التنظيمات والميليشيات المسلحة التي تعرقل كل مساعي الحل السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة وعلى رأسها ميليشيات فجر ليبيا المؤيدة لحكومة طرابلس غير الشرعية؟ إنها أسئلة برسم المستقبل المنظور على ما يبدو.

*كاتب مغربي/”العرب”