الرئيسية / وجهات نظر / لو عاد الملك في ليبيا
03fb30e34782bdae6b554b8ac2d788f6

لو عاد الملك في ليبيا

من الواضح أن عودة الملكية كنظام حكم إلى ليبيا، تمثل هاجسا يطارد محمد عبد العزيز، وزير الخارجية الليبي، في يقظته، وفي منامه.. فالرجل لا يكاد يجد مناسبة سانحة، إلا ويعبر فيها عن رغبته القوية في أن يعود حكم الملك إلى بلاده، وقد تعدت المسألة حدود الرغبة عنده، وتحولت إلى هدف يقول إنه سوف يظل يعمل من أجله، كمواطن، قبل أن يكون مسؤولا في الحكومة.
وليس لهذا معنى إلا أن الوزير عبد العزيز، لن يتراجع عن الدعوة إلى الفكرة، حتى ولو غادر الوزارة بسببها، بل ربما تشتد دعوته، ويتضاعف عمله من أجلها، وحماسه في سبيلها، إذا ما غادر منصبه الرسمي، لأنه عندئذ سوف يتحلل من أي قيد يمكن أن يعوقه في هذا الاتجاه.
هو يرى، وهذا حقه، أن عودة الحكم في طرابلس العاصمة إلى ما كان عليه الأمر أيام الملك إدريس السنوسي، تشتمل على حل سحري لمشاكل البلاد المتفاقمة في اللحظة الراهنة، ومنذ سقوط نظام العقيد، وهو يرى كذلك أن عودة كهذه يجب ألا تكون للملكية فقط، وإنما لدستور الاستقلال ذاته الذي كان قد صدر عام 1951، عندما كانت الدولة الليبية تخضع لنظام حكم اتحادي، يضم طرابلس في الغرب، وبرقة في الشرق، وفزان في الجنوب، تحت مظلة وطنية واحدة، لا تفرق بين مواطن من هنا، وآخر من هناك، على أي أساس.
هذه أفكار طرحها الرجل في حوارين صحافيين ثم في غيرهما مرات! وفي كل مرة كان يزداد تمسكا بما يقول، واقتناعا به، وإصرارا على أن يخرج به، كفكرة، إلى النور، لأن ما يدعو إليه، في ظنه، هو الأفضل لكل مواطن ليبي، خرج من 40 عاما من حكم العقيد صفر اليدين!
وما يلفت النظر حقا في الموضوع، أنه ليس مطروحا في حدود ليبيا وحدها، وأن الحنين إلى أيام الملك لم يعد مجرد هاجس ليبي في حدوده، أو حدود أطلال دولة العقيد، وإنما تجاوزها إلى سائر الجمهوريات التي كانت ذات ملكيات حاكمة!
إن عودة من نوع ما يدعو إليه محمد عبد العزيز، بتصميم، موجودة في القاهرة، وفي تونس العاصمة، وفي بغداد، وفي غيرها من العواصم المماثلة التي شهدت حكما ملكيا من قبل، وإن بدرجات متفاوتة بين عاصمة وأخرى بطبيعة الحال.
وحين كنت في الكويت أخيرا، فإن الأستاذ فؤاد رزق، وهو مواطن مصري يعمل هناك، قد دسّ في يدي ورقة كان يحملها في جيبه، ومما جاء فيها، أن نسبة البطالة في مصر، أيام الملك فاروق، كانت 2 في المائة، وأن سعر الجنيه الذهب كان 38 قرشا، وأن سعر الدولار كان 25 قرشا، وأن القاهرة وقتها حصلت على جائزة أحسن مدينة في العالم، وأن تاكسي القاهرة كان عبارة عن سيارة «كاديلاك»، وأن.. وأن.. إلى آخره!
ولم يكن وهو يضع في يدي الورقة بهذه المعلومات، يريد أن يقول إنه يحب أن يعود نجل الملك فاروق إلى العرش المفقود، بقدر ما كان يريد أن يقول إن المقارنة بين هذه النسب والأرقام، وبين مثيلاتها الآن، ليست أبدا في صالح الجمهوريات التي حكمت بعد فاروق، وإنه كان من المتوقع أن تندفع الأمور بالناس في الجمهوريات إلى الأمام، لا أن تتراجع بهم إلى الخلف هكذا، وأن الثورات، أو الانتفاضات التي قامت في أكثر من عاصمة، مع بدء عام 2011، لم تكن ضد نظام الحكم القائم في كل عاصمة، في لحظته، بقدر ما كانت ضد أنظمة حكم متتالية، جاءت حصيلتها في النهاية على غير ما يرغب أي مواطن ويتمنى!
ولذلك، فليس غريبا أن يحن بعض أبناء تونس إلى أيام حكم البايات، أي حكم ما قبل الحبيب بورقيبة، وأن ينشأ الحنين ذاته لدى بعض العراقيين إلى أيام حكم الملك فيصل الثاني، وأن يكون هذا هو الحال نفسه في ليبيا، فيتبنى وزير ليبي الدعوة مباشرة إلى أيام الملك السنوسي، على أن يملك الملك الليبي الجديد، ولا يحكم، كما هو الحال في بريطانيا مثلا، وكذلك الأمر في مصر، على نحو ما تكشف عنه رسالة المواطن المصري الموحية.
على أننا في غاية القول، يجب أن ننتبه إلى أن هذا كله ليس معناه أن أحد النظامي نعيم على طول الخط، والآخر جحيم في كل الأوقات.
صحيح أن الجمهوريات في الدول الأربع وفي غيرها في عالمنا العربي، كانت بامتداد عقود من الزمان، دون طموح المواطن، ولكن هذا ليس معناه، مرة أخرى، أن حال هذه الدول يمكن أن يعتدل إذا عاد الزمان إلى الوراء.. وإلا ما كانت الثورات قد قامت في منتصف القرن الماضي! المقارنة هنا إنما هي بين سيئ في أيام الملك إدريس في ليبيا، على سبيل المثال، وبين أسوأ منه في أيام العقيد، ومن الطبيعي إذا ما خيّرنا أي بني آدم، بين سيئ وأسوأ منه، أن يختار الأول، ليس لأنه شيء حسن في حد ذاته، كما ترى، وإنما لأنه الأقل في سوئه، وفي أعبائه، وفي ما يجلبه على مواطنيه من أضرار!
هناك، إذن، نظام حكم لا يؤدي في كل حالاته لصالح المواطن، ولا في اتجاه حقوقه، فلا يقر له مواطنوه بالحق في البقاء، أيا كان مسماه، وهناك، في مقابل هذا، نظام حكم آخر لا تغيب مصلحة المواطن عن عينيه، سواء كان الجالس على قمته ملكا، أو رئيسا، فيلتف حوله رعاياه، فالأسماء هنا ليست هي المعيار، ولا هي المقياس، لأنها تفاصيل في موضوعنا لا أكثر، والتفاصيل، كما قيل، من الشيطان!
“الشرق الأوسط”