الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر والخطر القادم من الحدود
خليل بن الدين

الجزائر والخطر القادم من الحدود

ذكرت تقارير غربية، صدرت العام الماضي، منها لمركز “سوفان غروب” الأميركي، وهي مجموعة أميركية متخصصة في الدراسات الذكية والاستكشافات الجيو- استراتيجية،… وكذا معهد “كويليام” البريطاني لمكافحة التطرف، أن عدد الجزائريين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية لا يتجاوز 200 عنصر من بين آلاف المقاتلين الأجانب في التنظيم، فيما تتحدث أرقام جزائرية عن وجود عدد لا يتجاوز 400 من الجزائريين في التنظيم، بينهم سيدتان. وعلى الرغم من أن هذا العدد قليل، تناسباً مع عدد المقاتلين الأجانب في كل من سورية والعراق، إلا أن الحديث عن تهديد محتمل للجزائر تضاعف، هذه الأيام، بشكل لافت، خصوصاً مع سيطرة جماعات موالية لتنظيم الدولة الإسلامية، على مناطق قريبة من الجنوب الغربي لليبيا، حيث تتحدث تقارير صحافية أن هذه القوات لم يعد يفصلها عن الحدود الجزائرية الشرقية إلا ألف كيلومتر من الأراضي الصحراوية المفتوحة، وهو ما حذرت منه الحكومة الليبية المعترف بها دولياً، والتي أعربت عن خشيتها من تكرار سيناريو العراق وسورية في ليبيا، مع تمدد تنظيم الدولة الإسلامية، وصعوبة القضاء عليه مستقبلا. الظروف المستجدّة على الحدود الجزائرية الليبية، والأوضاع الأمنية الهشّة في جبال الشعانبي في تونس، والمحاذية للحدود الجزائرية أيضا، والأوضاع غير المستقرة في الحدود مع الجارة الجنوبية دولة مالي، أدت بقيادة الجيش الجزائري إلى تغيير خططه الدفاعية، وتجهيز نفسه بمعدات قتالية جديدة لمواجهة أي طارئ. كما شملت الإجراءات الأمنية تكثيف عمليات المراقبة في عمق الصحراء الجزائرية إلى غاية مائة كيلومتر من الحدود، لمنع أي تسلل محتمل.

المزيد: جبل الشعانبي .. لغز يحير التونسيين


قال عبد القادر مساهل، وزير الشؤون المغاربية والعربية الجزائري، “إن توسع الجماعات الإرهابية في بعض المناطق الليبية، وبسط نفوذها على مناطق أخرى، خطر ليس على ليبيا فقط، وإنما على دول الجوار بأكملها”، ولعل ما أعلنه المغرب من ضبط لخلية تجنيد لتنظيم الدولة الإسلامية في حي شعبي في الدار البيضاء، تأكيد لما ذهب إليه مساهل.
وأمام هذا الخطر البارز، هل نستطيع القول إن الخطر الداخلي زال أو يكاد في الجزائر؟ وإلى أي حد يمكن تصديق وزير الخارجية الجزائري، رمطان لعمامرة، حين يقول إن ما تبقى من خلايا الإرهاب في الجزائر قليل؟ فعلى الرغم من تراجع العمليات المسلحة في الجزائر، إلا أن عناصر من تنظيم القاعدة، وتنظيم جند الخلافة المنشق عنه، قام بعمليات متفرقة ضد قوات الأمن، خصوصاً في المناطق الجبلية في ولاية البويرة (100 كيلومتر شرق العاصمة). وقد أعلنت وزارة الدفاع، في مايو الماضي، عن “القضاء على 25 إرهابيا”، في عملية وصفها وزير الخارجية بأنها “عملية جريئة وقفزة نوعية تعكس قدرة الجيش على السيطرة على خلايا الإرهاب واستئصالها”. وكان الجيش الجزائري قتل زعيم “جند الخلافة”، عبدالمالك قوري، في ديسمبر/كانون الأول 2014، بعد حادثة قتل الفرنسي إيرفي غورديل في جبال تيكجدة في الولاية نفسها.

المزيد: الجزائر.. حملة لملاحقة “جند الخلافة”

وإذا كانت مصادر أمنية جزائرية تتحدث عن مقتل أغلب عناصر “جند الخلافة” في عمليات سابقة في مناطق ولايتي البويرة وبومرداس، إلا أن ما حدث في بداية شهر يونيو/حزيران من مقتل لضابط برتبة عقيد ومساعده في عمليات تمشيط في إحدى ولايات الشرق الجزائري على يد عناصر “جند الخلافة” ينذر بوجود خلايا قد تشكل تهديدا ما زال قائما. يضاف إليه أن خبراء أمنيين يذهبون إلى أن الجزائر تتعرض للتهديد من منظمات جهادية مختلفة، هي تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، و”جماعة المرابطين”، وتتمركز قرب الحدود الجنوبية الجزائرية في شمال دولة مالي، إضافة إلى جماعة “أنصار الدين”، في شمال مالي أيضا.
تجاوزت الجزائر محنة التسعينيات وما عرفته من حالة أمنية متدهورة، إلا أن حالة التأهب والاستنفار ما زالت قائمة بشكل ملفت، يشعر بها أي زائر للجزائر، وتلاحظها عينه من دون أدنى مواربة. هذا الاستنفار الأمني رافقه استنفار من نوع آخر، يمكن القول إنه استنفار شعبي، فلقد تَكوَّن لدى غالبية الجزائريين “وعي أمني”، إن صح هذا التعبير، بعد تجربة مع الموت والدمار، تجرعوا مرارتها أكثر من عشر سنوات، فالحرب “الأهلية” ما زالت قائمة في نفوس كثيرين ممن عايشوا تلك المرحلة، أو اكتووا بنارها. كما أن قصص الموت المرعبة ما زالت ماثلة في ذاكرة الناس، وتساهم في تقليص نشاط شبكات تجنيد “الجهاديين”، ما يعكس العدد القليل نسبيا للجزائريين المجندين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية.
استطاعت أجهزة الأمن الجزائرية ملاحقة شبكات تجنيد المقاتلين في الالتحاق بسورية والعراق، بمراقبة الأشخاص محل الشبهة، ومراقبة النشاط الدعوي المباشر، أو عن طريق شبكة الإنترنت، ومتابعة نشاطات المساجد، ومنع أي نشاط سياسي فيها. إضافة إلى التنسيق الأمني مع دول عربية وغربية، وهو ما جعل نشاط التجنيد يتراجع بشكل كبير في أوساط الشباب الذي أصبح اهتمامهم ببناء نفسه، والبحث عن وسائل عيش كريمة، يتزايد لديه في كل عام، خصوصاً مع تخصيص برامج “لتشغيل الشباب” بقروض ميسرة وسبل سهلة عما كان عليه الأمر في سابق الأعوام، وإن كانت تحد من فاعليتها عراقيل إدارية ومصرفية جمة، ناهيك عن شبهات الفساد التي تحوم حول بعض عملياتها.
صحيح أن “الخطر الداخلي” تقلص بشكل كبير، وإن لم ينته بعد، إلا أن أعين الجزائريين باتت مشدودة لما يحوم على حدودها من خطر يترقبه الجميع بحذر شديد، فأحداث “تيقنتورين” والتي استولت فيها جماعات مسلحة على حقل نفطي في جنوب الجزائر ليست بعيدة. كما أن الأخبار المتواترة من ليبيا لا تبشر بالخير، وتتطلب تأهبا عالياً، ليس على المستوى العسكري فقط، فهذه مهمة الجيش الذي يبدو أنه مؤهل لها، من خلال تجربته الطويلة في محاربة الجماعات المسلحة، ولكن ماذا عن مستوى التأهيل الشعبي لهذه الظروف المستجدة على الساحة الأمنية.
عملت الحكومة، منذ سنوات، على تأجيل الإصلاح السياسي، بحجة الخطر الأجنبي، وكانت تجعل منه فزاعة لترويض المعارضة، ولإسكات الاحتجاجات الاجتماعية الكثيرة، والتي شملت كل القطاعات الخدماتية من صحة وتعليم ونقل وغيرها، ووصل مداها إلى الصراعات الشعبية التي طفت على السطح في غرداية، ناهيك عن الاحتجاجات الحادة لسكان الجنوب، وشكواهم من تأخر التنمية في مناطقهم، بلغ ذروته مع الاحتجاجات المدوية في منطقة عين صالح، والرافضة لاستغلال الغاز الصخري، فكيف سيكون سلوك السلطة تجاه المجتمع المدني، في ظل تهديد أمني فعلي، أصبح قاب قوسين أو أدنى من الحدود؟

المزيد: الجزائر: الغاز الصخري..عين صالح و “الخيار الطالح”!

*إعلامي جزائري/”العربي الجديد”