الرئيسية / وجهات نظر / في انتظار الزعيم البطل
د. السيد ولد أباه

في انتظار الزعيم البطل

يقول لي الصديق التونسي معلقاً على أوضاع بلاده: «لقد غيرنا نظام الحكم وعشنا أفراح الثورة وحققنا النقلة الديمقراطية المطلوبة، لكن حالنا لم يتحسن.. ما نحتاج إليه اليوم هو الزعيم القادر على القيادة في لحظة اليأس.. ما نتطلع إليه هو بورقيبة ديمقراطي».
ما عبّر عنه الصديق التونسي هو إحساس عام في عموم العالم العربي بالحاجة للزعيم القائد ذي القدرات الفذة استبصاراً وعملاً، بدلاً من النماذج الثلاثة التي أفرزتها التحولات الكبرى التي عرفتها المنطقة في الأعوام الأخيرة: السياسي الطائفي المتعصب، والحزبي ضيق الأفق، والمليشياتي المسلح.
بعد فترة الزعماء المؤسسين من قادة حركة التحرير وبناة الدول (بورقيبة، عبد الناصر، بن بلة..) سادت في الجمهوريات العربية شخصية الضابط الحزبي القوي الذي إن علَّق الحريات العامة وكرس الاستبداد والأحادية نسقاً سياسياً، إلا أنه حافظ على وحدة البلدان واستقرار المجتمعات ولو بالعنف والقوة. وبعد انهيار هذه الأنظمة القمعية تحلل البناء السياسي بكامله، وبدا كأن عهود صدام والقذافي والأسد.. أفضل من عهود الفتنة وحرب الطوائف وصراع المليشيات.
ليست غنائية الزعيم البطل بالجديدة في الفكر السياسي العربي وإن تغير سياقها، بل ارتبطت بنشأة الأيديولوجيا القومية الثورية في منتصف القرن العشرين، تأثراً بالنزعة الرومانسية القومية في أوربا وبالتنظيمات اليمينية واليسارية الراديكالية التي عرفها الشارع الأوربي أوانها.
وفي الوقت الذي كان فيه رائد الفكر العروبي ساطع الحصري يبحث عن «بسمارك» عربي يوحد الأمة سياسياً على غرار الوحدة الألمانية، كان ميشل عفلق مؤسس حزب «البعث» يتطلع للطليعة القيادية القادرة على تحقيق «الانبعاث العربي»، وكان الضابط المصري الشاب «جمال عبد الناصر» يقرأ في جبهة الحرب كتاب «نيتشه» لعبد الرحمن بدوي فيتشبع بفكرة الإنسان الأعلى البطل الذي يخلق قيم السيادة والبطولة مستوحياً منه -حسب شهادته- فكرة الثورة. لم تشذ أدبيات الإسلام السياسي عن هذا التوجه، فلقد راهن سيد قطب على «الطليعة المؤمنة» التي تقود معركة الخروج من «جاهلية القرن العشرين».
وعلى عكس القراءة الاستشراقية السائدة بإرجاع جذور الاستبداد العربي الراهن إلى نموذج الحاكم الإسلامي في العصور الوسيطة، ليس «الزعيم الثوري القائد» سوى استنساخ لنموذج البطل السياسي الذي أبدعته الحداثة السياسية في نسخته العنيفة الراديكالية التي أحسنت وصفها الفيلسوفة الألمانية الأميركية «حنة أرنت» في دراستها الرائدة للحالة التوتاليتارية.
منذ تشكل الحداثة السياسية تصارعت شخصية «السياسي الزعيم» و«السياسي الخبير» وارتبطت الشخصيتان بتفسير نشأة الدولة ونمط شرعيتها: الزعيم الذي يعبر عن الهوية الجماعية ويرمز لروح الأمة ويجسد لحظة تأسيس الدولة التي تتم خارج الزمنية السياسية الاعتيادية، والخبير الذي هو الأفق السياسي للديمقراطيات الحديثة في شرعيتها العقلانية البيروقراطية، حيث يتحول السياسي إلى مجرد موظف عمومي يسير دفة الحكم.
وقد بلور «ماكس فيبر» في نظريته المشهورة حول الشرعية هذه العلاقة بين جاذبية الحاكم (الكاريزمائية) وبيروقراطية الإدارة الديمقراطية، منبهاً إلى أن إشعاع السياسي هو غالباً معيار انتقاء الحاكم في مجتمع سياسي يحكمه مبدأ المساواة، في الوقت الذي لم تعد الشرعية الكارزمائية أفقاً للمجتمعات الديمقراطية الحديثة.
ما ينبغي التذكير به هنا هو أن سردية «السياسي الزعيم» عادت بقوة في المجتمعات الغربية نفسها في السنوات الأخيرة في سياق الأزمات المجتمعية المتولدة إثر العولمة الاقتصادية على سلطة القرار الفعلي المتاح للفاعل السياسي. بعد زعماء التحرر الوطني الذين أفرزتهم الحرب العالمية الثانية (تشرشل وديغول وروزفلت..) انحسرت الزعامة السياسية في المجتمعات الديمقراطية الغربية وأظهر الرئيس الخبير عجزاً جلياً عن إعادة تنشيط الرمزية السياسية المتعطلة.
وللإشكالية أبعاد وخلفيات مغايرة في الساحة العربية، التي لم تختبر بعد إلا في حدود دنيا السياسي الخبير، باعتبار أن الانتفاضات الثورية التي عرفتها عدة بلدان عربية، وإن أفضت إلى حركية انفتاح ديمقراطي، إلا أنها لم تؤد إلى تطبيع الوضع السياسي، ولا تزال مصاعب الانتقال والتحول مستمرة في بعض الدول بينما دخلت دول أخرى نفق التفكك والانهيار. إن هذه الوضعية هي التي استدعت إعادة فتح باب السياسي الزعيم القادر على قيادة المشروع الوطني والتعبير عن الهوية الجماعية واحتواء التناقضات الأهلية، أي الزعيم الذي يتمتع بالمؤهلات الاستشرافية والقيادية التي يقتضيها المأزق القائم، بما يختلف ضرورة عن نموذج الزعامات الأيديولوجية الاستبدادية التي عرفتها الساحة العربية سابقاً.
وكما كان يقول جان جاك روسو: الشعوب الحرة بحاجة إلى قادة يحكمونها لا إلى سادة يستعبدونها.

* كاتب وأستاذ جامعي/”الاتحاد”