الرئيسية / وجهات نظر / آليات حقوق الإنسان الدولية
676091ebc71184b3b493c133a431b831

آليات حقوق الإنسان الدولية

نقل عن الممثل الدائم لدى بعثة الأمم المتحدة السيد عمر هلال سفير أن المغرب يعتزم خلال هذه السنة استقبال عدد من المسؤولين الأمميين، في مقدمتهم نافي بيلي، المفوضة السامية لحقوق الإنسان، فبالإضافة إلى المقرر الأممي حول استقلال القضاة والمحامين، والخبير المستقل المعني بالتزامات حقوق الإنسان الخاصة بالتمتع ببيئة آمنة ونظيفة وصحية ومستدامة، ثم المقرر الخاص المعني بحرية التدين والمعتقد، كما كشف السفير ذاته أن المغرب لا يزال يجري مشاورات للاتفاق مع المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء هذه السنة أو في مطلع السنة القادمة.
واضح أن المغرب يتغيى من الانفتاح على منظومة آليات حقوق الإنسان الدولية وبهذه الوتيرة القوية، بعد استقبال ثلاث مقررين أميين السنة الماضية، بعث رسائل إلى المنتظم الدولي، منها أن المغرب واثق من مؤسساته، ومن مسار حقوق الإنسان فيه، إذ يضع تجربته الحقوقية أمام أعين الملاحظين الدوليين، ولا يتحرج في التجاوب مع منظومة آليات حقوق الإنسان، هذا في الوقت الذي اختارت فيه العديد من الدول الانغلاق على نفسها وعدم التجاوب مع هذه المنظومة.
من هذه الزاوية، لا خلاف أن المغرب يحقق العديد من المكاسب، ففضلا عن كون هذا الانفتاح يجنب المغرب ضغوط المجتمع الدولي، فإنه في الجانب الآخر، يساعد على تحسين صورة المغرب لدى المنتظم الدولي ولدى المؤسسات الدولية والمالية والاقتصادية، ويجعل المغرب يحافظ على وضعه المتميز كشريك استراتيجي مع الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية، وفي الوقت ذاته، يضعف رهانات خصوم وحدته الترابية على استثمار ورقة حقوق الإنسان ضده.
من هذه الزاوية لا خلاف عن المكاسب، بل لا خلاف أيضا عن كون هذا الانفتاح يساعد على تقوية وضعية حقوق الإنسان في المغرب ويمكنها من التقدم على عدة واجهات، لكن المشكلة تطرح من الزاوية المقابلة، أي بالتحديد ما ينشأ عن الانفتاح على آليات منظومة حقوق الإنسان من مترتبات دستورية وتشريعية وقانونية، إذ الانفتاح لا يعني فقط استقبال المقررين الأميين وتمكينهم من أخذ رؤية عن المسار الذي قطعه المغرب في هذا المجال الحقوقي أو ذاك، ولا حتى استدرار مواقف مشيدة بمسار المغرب تدعم مصالحه الحيوية وموقفه في قضيته الوطنية، وإنما للانفتاح ثمن وكلفة، لا ندري بالضبط كيف سيتم التعاطي معها لاسيما في القضايا التي تم الحسم فيها دستوريا وقانونيا، أو على الأقل لا يزال النقاش العمومي حولها محتدا بين مكونات المجتمع المغربي.
خذ على سبيل المثال، قضية حرية الدين والمعتقد، فإقدام المغرب على قبول توصية مجلس حقوق الإنسان بهذا الشأن، والانفتاح على المقرر الخاص المعني بحرية التدين والمعتقد،سيكون له ما وراءه، إذ سيترتب عنه سلسلة من التوصيات التي سيطلب من المغرب الالتزام بها، والتي تمس الإطار الدستوري والتشريعي، إذ لن يتوقف الضغط عند حدود إحداث تعديل دستوري يقرر الحق في المعتقد بدلا عن حرية المواطن في ممارسة شعائره الدينية، وإنما سيصير التنصير بمقتضى هذا التنصيص الدستوري – لو تم- جزءا من حرية الفكر والرأي في المغرب، المحمية دستوريا وقانونيا، ولن يكون بإمكان الدولة المغربية أن تدافع عن ثوابتها الدينية السنية أمام استراتيجية الامتداد والتوسع الشيعي، و ستصبح فكرة الأمن الديني مجرد ذاكرة تاريخية لا أثر لها في الواقع، بل سيتم توظيف آليات حقوق الإنسان الدولية من أجل الضغط لاصطناع أقليات دينية ومحاولة تغيير الديمغرافية الدينية في المغرب.
نعم، لقد كان تصريح سفير المغرب الدائم لدى بعثة الأمم المتحدة واضحا حين قيد الأمر بضرورة أن يتم وفقا لدستور المغرب وقوانينه، لكن هذا التقييد المطمئن، لا تصير له أية قيمة حينما يقاس إلى التقارير الحقوقية الدولية حول الحريات الدينية في المغرب، وبشكل خاص تقرير الخارجية ألأمريكية، الذي يضع في مقدمة انتقاداته تغيير بعض الأطر الدستورية والتشريعية والقانونية التي تعتبرها قيودا على حرية الدين والمعتقد.
بكلمة، إن الانفتاح على منظومة آليات حقوق الإنسان الدولية مهم، ويمكن أن يكسب منه المغرب الكثير، لكن، في الوقت ذاته، فإنه يلزم المغرب بأن ينخرط في مسار واضحة آفاقه ونهاياته، بحيث لا يمكن أن يكون للمغرب الاختيار في توقيفه عند بعض المحطات حينما تبرز تحديات لم تكن متوقعة بهذا الحجم أو ذاك.
نتفهم أن هناك ضغطا دوليا على مستوى الحريات الدينية في المغرب، ونتفهم أيضا أن المغرب يحاول أن يعطي الانطباع أن تعامله مع ملف حقوق الإنسان مبدئي وشامل لا يقبل التجزيء، لكن، هذا التفهم لا يمنعنا من دق ناقوس الخطر عن المآل الخطير الذي يمكن أن يتعرض له المغرب بسبب الانخراط في مسار التجاوب مع آليات منظومة حقوق الإنسان فيما يخص الحريات الدينية.
“التجديد” المغربية