استبعاد «البجعة السوداء»

«ستطول الحرب في سورية بين خمس وعشر سنوات» و «ليس من مؤشر واحد يقول ان الأوضاع القائمة ستتغير قريباً» و «التوازن الحالي مرشح للاستمرار ولا أفق للتغيير حالياً».
تصدر هذه الأحكام عن «محللين» مكرسين ومعاهد بحث أكاديمية، يُجمع أصحابها على أن لا جديد تحت الشمس وأن الركود قد أصاب الثورات العربية وبدأت الأمور تعود الى ما كانت عليه قبل العام 2011.
لا شيء أبعد عن الحقيقة من الاحكام تلك.
تصدر هذه الآراء عن تحليل «خطي»، بمعنى الاعتماد على المعطيات المتوافرة والخبرات السابقة وبناء رؤية مستقبلية على ما رسخ في الاحصاءات والأبحاث المتوافرة. وفقاً لهذا النوع من التحليل، يمتد خط، مستقيم او متعرج، بين النقطة «أ» في الحاضر والنقطة «ب» في المستقبل، وهذا هو خط الأحداث الموصل بين الواقع والمُتصور.
حسناً. لنعد بالزمن قليلاً. في الأيام الأولى من 2011، لم يكن هناك ما يشير الى ان التظاهرات الجارية في تونس ستفضي الى تخلّي زين العابدين بن علي عن السلطة، وكانت الأجواء في مصر تتراوح بين المخاوف من الفتنة الطائفية التي أثارها تفجير كنيسة القديسين في الاسكندرية وبين الإعداد لتوريث جمال مبارك منصب الرئيس خلفاً لوالده الرئيس حسني مبارك. هرب بن علي واستقال مبارك واندلعت الثورة في ليبيا، لكن ذلك لم يمنع بشار الأسد، مثلاً، من الإعلان أمام صحافي «وول ستريت جورنال» ان ما جرى في هذه البلدان لن يتكرر في بلده. لماذا؟ «لأن السوريين يؤيدون سياسة الممانعة في وجه أميركا وإسرائيل». بعد أيام قليلة انطلقت شرارة الثورة في درعا ودمشق لتتحول زلزالاً يهدد بتغيير الخرائط في المشرق العربي للمرة الأولى منذ أكثر من مئة عام.
لا يحتمل التحليل «الخطي» بين النقطتين «أ» و «ب» انقطاعاً مفاجئاً في الأحداث. ويخفق دائماً في رؤية ما سمّاه نسيم طالب «البجعة السوداء» او الحدث الذي يحطم باستثنائيته وجذريته كل التصورات السابقة والحتميات والحسابات التقليدية، مثلما حطم اكتشاف البجعة السوداء في استراليا في القرن الثامن عشر جملة من التصورات في مجالات العلم والوراثة والثقافتين العليا والعامة، والمقولات والأحكام عن استحالة العثور على بجعة سوداء لأن ذلك يناقض طبيعة الأشياء والتصورات القارّة.
الثورات العربية، بهذا المعنى، «بجعة سوداء» غيرت تغييراً عميقاً حقائق المنطقة. والقول إنها انتهت من دون أثر وان الركود السابق لها عاد الى سيرته الأولى وأن الاوضاع في ليبيا ومصر واليمن وسورية كانت افضل قبل اندلاعها، يقوم على تجاهل لعمق الأزمات التي كانت منطقتنا تعيشها وما زالت، على مستويات السياسة والاقتصاد والاجتماع.
وليس كشفاً عظيماً القول إن ظهور «البجعة السوداء» مرة، يلغي كل الاعتقادات السابقة ويدشن مرحلة جديدة من التفكير والنظر الى الواقع العربي. المقاومة التي يبديها «محللون» و «مثقفون» لحقيقة ببساطة استحالة العودة الى ما قبل الثورات العربية، تعكس بالضبط عجز هذه الفئات والقوى السياسية والاجتماعية التي تمثلها، عن صوغ رؤى جديدة مستمدة من دروس الثورات العربية، بنجاحاتها واخفاقاتها. بسلبياتها وايجابياتها.
وبغض النظر عن الدقة المنهجية لمقولة نسيم طالب، يتعين الانتباه الى ان ظهور حدث هائل الابعاد والأثر وغير متوقع في آن، لا يجعل من تكراره حتمية او ظاهرة دورية، تماماً مثلما لا ينفي الركود امكان حدوث طفرة تاريخية مفاجئة وزلزالية الطابع. عليه، قد يصح القول ان «ما من مؤشرات على قرب تغير الوضع الحالي» في العالم العربي بذات صحة القول ان ما من شيء ينفي استئناف التغيير بسمتيه الجذرية والاستثنائية وباتساعه الى آفاق جديدة.
“الحياة” اللندنية  

اقرأ أيضا

التشكيلة الأساسية للمنتخب المغربي في مباراته الودية أمام النرويج

يواجه المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، بعد قليل من يومه الأحد 7 يونيو 2026، منتخب النرويج في آخر مباراة ودية للعناصر الوطنية ضمن استعدادات كأس العالم 2026.

بعراقة تراثه وتنوع مطبخه.. المغرب يتألق في مهرجان نيروبي الثقافي الدولي

افتتح أمس السبت، مهرجان نيروبي الثقافي الدولي، الحدث السنوي الهام الذي يعنى بإبراز التنوع الثقافي وتعزيز الحوار بين الشعوب والحضارات، بمشاركة مغربية وازنة تمثلت في عرض ثري يجمع بين غنى وعراقة تراث المملكة الثقافي وصناعتها التقليدية المتميزة ومطبخها الباهر.

اختتام فعاليات مهرجان مراكش للكوميديا في أجواء احتفالية

اختتمت مساء أمس السبت، فعاليات الدورة الأولى لمهرجان مراكش للكوميديا بحفل فرنكفوني نشطه الفكاهي الفرنسي مالك بن طلحة، وتميز بالارتجال وتنوع الأساليب الكوميدية والتفاعل اللافت للجمهور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *