الرئيسية / وجهات نظر / ليبيا وجرائم الحرب
مفتاح-شعيب

ليبيا وجرائم الحرب

انتبهت الأمم المتحدة وقبلها محكمة الجنايات الدولية إلى أن ليبيا تعج بجرائم حرب اقترفتها الميليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية بينها تنظيم «داعش». وصدرت لوائح اتهام ضد عناصر مشبوهة ووضعت شخصيات في القوائم السوداء، بينما لوائح الاتهام لا تكاد تحصى بسبب تراكم الانتهاكات والمذابح التي طالت الآلاف من الليبيين والأجانب جرى قتلهم بطرق مختلفة من الإعدامات الجماعية إلى الموت جوعاً وفي زنزانات «خاصة» إلى الغرق في عرض البحر ضمن قوارب المهاجرين.
إذا كانت النوايا صادقة وهناك رغبة فعلية في محاسبة المجرمين، فقد تضيق محكمة الجنايات الدولية بالقضايا، ما يستوجب تشكيل محكمة خاصة بجرائم الحرب في ليبيا، وأن تسخر جميع الإمكانات الدولية لاعتقال القتلة أو وضع حد لأعمالهم. ويكفي الاطلاع على شهادات المدنيين والأجانب الفارين من ذاك الجحيم ليتبين حجم ما يحدث بعيداً عن الإعلام وكاميراته في مناطق عدة، من بينها طرابلس ومصراتة ودرنة، حيث أصبحت هذه الحواضر قواعد للإرهابيين يقيمون فيها «شرائعهم» وينكلون بمن تحت أيديهم.
ويأتي الكشف عن وجود الآلاف في سجون الميليشيات والجماعات الإرهابية، تأكيداً لما تم التحذير منه مراراً في السنوات الماضية، بل إن هذه السجون والانتهاكات والمذابح الخاصة ليست جديدة، وإنما تفشت منذ اليوم الأول ل «ثورة 17 فبراير 2011»، ففي ذلك التاريخ كانت الجماعات الإرهابية جاهزة للبدء في مشروعها المتواصل إلى اليوم، ولكن العالم آنذاك تعمد التعامي عن تلك الحقيقة حتى يتم القضاء على العقيد الراحل معمر القذافي ونظامه، وفعلاً تم ذلك، وقتل القذافي في «جريمة حرب» أسوة بآلاف غيره كانوا معه وضده أيضاً قتلوا بالأسلوب نفسه، ومنهم اللواء عبدالفتاح يونس الذي كان قائداً لقوات «الثورة» وقتل وسملت عيناه بطريقة وحشية ولم تظهر حقيقة تلك الجريمة بوضوح.
لو طرح سؤال يتيم عما أثمر «ربيع ليبيا»، لجاء الجواب واحداً «جرائم حرب»، وهذه النتيجة حمالة دلالات ولا تقتصر على إراقة الدماء فحسب، وإنما تشمل أعمال التهجير والتدمير المنهجي للمرافق العامة ومؤسسات الدولة والعبث بالثروات مثل النفط والغاز وتهريبه واستثمار عائداته في تشكيل العصابات وتجنيد العناصر وتمويل الجماعات الإرهابية خارج الحدود، لا سيما في سوريا ومصر وتونس ومالي، ويضاف إلى ذلك استقدام عشرات الآلاف من الراغبين في الهجرة إلى أوروبا فيكون مصيرهم الموت في زنزانات الميليشيات أو غرقا في قوارب متهالكة، في صور تمثل إبادة جماعية لآلاف الناس، إذ لم يمر يوم بلا نبأ عن كارثة بحرية والمجرمون الحقيقيون مازالوا على الأرض الليبية يجهزون لكارثة أخرى.
استمرار ارتكاب الجرائم والإفلات من العقاب للجرائم السابقة لن يساعد على تحقيق سلام أو وضع حد للفوضى المدمرة، فهذا تنظيم «داعش» أصبح مطلوباً في ليبيا، بينما لا يزال بعيداً عن الملاحقة في سوريا والعراق، وهذه الازدواجية ربما تحدث في ليبيا أيضاً، بينما تتطلب العدالة الحقيقية ملاحقة كل من أراق دماً برئياً أو تاجر بمصائر الناس أو ألحق الأذى بالإرث البشري كالآثار والمعالم، وإذا فتحت التحقيقات وفق هذا المبدأ وجرت المحاكمات، فيسيكون ذلك أقوى عامل للردع سيساعد لاحقاً على امتصاص الفوضى ويضع حداً حاسماً للحرب الأهلية الجارية وتوابعها.

“الخليج”