الرئيسية / وجهات نظر / الحوار الليبي غير الواقع
meftah_chouaib

الحوار الليبي غير الواقع

لا يشاطر كثيرون الوسيط الأممي إلى ليبيا برناردينو ليون تفاؤله الشديد بنجاح الحوار الليبي الجاري في المغرب، ومرد التشكيك أن المهمة تواجه في الأصل عراقيل أمنية ميدانية أكثر مما هي عقبات سياسية يجري تذليلها بالترغيب حيناً والتهديد في أحيان كثيرة.
بعد اختتام الجولة الرابعة من المفاوضات بين حكومتي ليبيا في منتجع الصخيرات المغربي، أعلن ليون بنبرة طموحة أن 80% من الخلافات جرى تسويتها، معتبراً ذلك نجاحاً استراتيجياً، أما ال 20% المتبقية فسيتم إنهاؤها لاحقاً من دون تحديد سقف محدد. وقد يكون المبعوث الدولي صادقاً في كل ما صرح وتحدث بما توثق لديه من تفاهمات وتعهدات بين الطرفين المتنازعين، أما عند مطابقة ما تم التوصل إليه في المفاوضات مع ما يجري على الأرض، فحتما ستعادل نسبة النجاح 1%، بالنظر إلى التصعيد اللافت في الأعمال القتالية بين الجيش الوطني الممثل للسلطات المعترف بها دوليا والميليشيات المسيطرة على العاصمة، فطوال أيام المفاوضات لم تتوقف المعارك وعمليات القصف والتهجير من بنغازي إلى طرابلس وحتى الحدود مع تونس والجزائر غرباً. وجرت العادة في النزاعات أن يواكب تقدم العمليات التفاوضية انفراج نسبي ومؤشرات على رغبة في إنهاء القتال والاستعاضة عنه بالمعارك الدبلوماسية، ولكن في ليبيا تبدو المعادلة معكوسة، فأجواء المفاوضات تبدو باردة، بينما الجبهات تزداد سخونة وعنفا، وتتدخل أطراف عديدة لإحمائها وجعلها غير قابلة للتهدئة.
المحصلة أن هناك مفارقة واسعة بين ما يأتي من تصريحات من الخارج والموقف الداخلي. وحتى لو تم إبرام اتفاق سلام بين ممثلي حكومة طبرق و”حكومة الإنقاذ” التابعة للميليشيات، فإن تطبيع الأمن سيكون مهمة قاسية جدا لأن الاقتتال الجاري لا يتم وفق قواعد اشتباك واضحة، وإنما في خضم فوضى ووضع رمادي تنعدم فيه الرؤية. وعلى سبيل المثال ليس واضحا إذا كانت الميليشيات المستظلة ب”المؤتمر الوطني” المنحل تسيطر فعلا على ما تحت بنادقها من مناطق، أم هي واجهة خارجية لتنظيمات إرهابية تتغلغل في ليبيا ويستفحل خطرها من يوم إلى آخر. ويضع تكرار استهداف السفارات الغربية آخرها السفارة الإسبانية نقاط استفهام كثيرة حول من يسيطر على طرابلس، فتنظيم “داعش” الذي يلتقي مع الميليشيات المتطرفة في كثير من الأهداف، أصبح طرفاً شرساً ويسعى إلى وضع قوي هناك بمساندة أطراف ليبية كثيرة ضالعة في الإرهاب. وتأتي الجريمة الجديدة بذبح 29 إثيوبياً دليلاً إضافياً على خطورة هذا التنظيم وفداحة الوضع في ليبيا عموماً.
وسط هذه الخريطة المعقدة ليس معروفاً كيف سيجد الحل السياسي طريقه، بعدما تأكد أن الجماعات المتشددة تزداد قوة وبطشاً ونفوذاً، فالجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر أعلن أكثر من مرة أنه يتقدم وأنه سيقضي على المتطرفين ولكنه عجز، والميليشيات المنتشرة في الغرب الليبي، تقول، بدورها، إنها تحارب الإرهاب إضافة إلى قوات الحكومة الشرعية، وأيضاً عجزت عن تحقيق أي من الأهداف، ليظل الأمر معقدا كما كان وربما أشد من السابق. وربما سيظل عزاء الليبيين أن هناك مفاوضات سياسية تجري في مكان ما، أما متى تنتهي وكيف ستطبق نتائجها؟، فلا أحد بإمكانه أن يكون قاطعا، وتلك هي خصوصية الأزمة الليبية المزمنة.

*كاتب صحفي/”الخليج”