الرئيسية / وجهات نظر / الجزائر: تسييس منظومة التعليم بلا جدوى
AZRAJE OMAR

الجزائر: تسييس منظومة التعليم بلا جدوى

في هذا الأسبوع تدخل رئيس البرلمان الجزائري محمد العربي ولد خليفة محذرا من الاكتفاء بترقيع المنظومة التعليمية الجزائرية، دون أن يقدم بدوره مشروعا بديلا متكاملا في إطار لجنة التربية والتعليم والتكوين التابعة للمؤسسة التشريعية الأساسية في البلاد التي يشرف عليها، والتي تعتبر بمثابة الضلع الثالث القوي ضمن تراتبية مثلث النظام الحاكم إلى جانب مؤسسة الرئاسة ومؤسسة مجلس الأمة.
وفي الحقيقة فإن الجزائر تنعدم فيها تقاليد المناقشات الحية والدائمة حول قضايا البلاد الحساسة، بما في ذلك منظومة التربية والتعليم سواء على صعيد الأطر السياسية، أو التنفيذية، أو على صعيد مؤسسات المجتمع المدني.
لم تشهد الجزائر المعاصرة سجالا جديا حول المنظومة التعليمية ما عدا ذلك السجال السريع ذا النفس المحدود الذي دار في فترة الثمانينات من القرن العشرين بين وزير التربية والتعليم آنذاك مصطفى الشرف، وبين المثقف والأكاديمي عبدالله شريط المقرب من حزب جبهة التحرير الوطني، والذي حرضته قيادة هذا الحزب في ذلك الوقت على القيام بمعارضة الوزير المذكور والمحسوب على التيار الفرانكفوني رغم كونه من الزعماء الخمسة لحركة التحرر الوطني في عهد الاستعمار الفرنسي.
إن تدخل رئيس البرلمان ولد خليفة المحسوب على التيار المعرّب يدخل، ضمنيا، في إطار الصراعات بين الأجنحة داخل النظام الحاكم. فكما هو معروف فإنه منذ تعيين نورية بن غبريط على رأس وزارة التعليم الابتدائي والتكميلي والثانوي وعواصف الاحتجاجات والإضرابات، وأشكال السجال الضحل لم تتوقف إلى هذه اللحظة. فالنقابات تحرض على إقالة هذه الوزيرة، كما أن قطاعا من المدرسين قاطعوا، ولا يزالون يقاطعون، مؤسساتهم تاركين الطلاب والطالبات فريسة للبطالة التعليمية، وإلى جانب هؤلاء فإن بعض الإعلاميين والمدرسين المعربين التقليديين المعادين لتوزير المرأة بشكل عام، والمناوئين للوزيرة بن غبريط ذات التكوين اللغوي والتحصيل المعرفي الفرانكفوني، فضلا عن اتهامهم لها بالانتماء إلى النسب اليهودي دون مبرر أو حجة مقنعة، يرون فيها خطرا على الهوية الجزائرية التي تساوي عندهم “التعريب”، علما أن مجموعة من الشخصيات التي تعارض وجود بن غبريط على رأس وزارة التربية الوطنية كانت قد شغلت سابقا مناصب عليا في هذه الوزارة، وهناك من تربع من هؤلاء على رأسها بصفة وزير، وهم جميعا لم يقدموا شيئا يذكر للتعليم الجزائري له علاقة بالتحديث والإقلاع المعرفي المتطور.
يبدو واضحا أن هذا الصراع الدائر ليس في الجوهر سوى مجرد صراع شكلي سطحي لا يمس، من قريب أو من بعيد، العناصر الأساسية المشكلة لأزمة المنظومة التعليمية الجزائرية المتفاقمة والتي لا ينبغي حصرها في التعليم الابتدائي والتكميلي والثانوي فقط، لأن هذه الأزمة تتميز بأنها بنيوية وتشمل التعليم العالي بكل أنماطه، والتعليم المهني ومؤسسات التعليم الفني التابعة لوزارة الثقافة، وكذلك المؤسسات التعليمية التابعة لوزارة السياحة ووزارات أخرى.
وهكذا فإن فتح النقاش حول هذه الأزمة البنيوية المركبة لا يزال غائبا ومغيبا بإيعاز من مؤسسة الرئاسة بشكل خاص، لأن فتح هذا الملف للحوار النقدي والحر والشفاف، على مستوى النخب وعلى مستوى المجال الشعبي المدني، يعني مساءلة النظام الحاكم ومحاسبته مباشرة على سياساته الفاشلة في جميع الميادين، بما في ذلك ميدانا التعليم والثقافة اللذان يعدان ركيزتين أساسيتين ينعكس فشلهما سلبيا على جميع مرافق الحياة في المجتمع الجزائري، وفي طليعتها مؤسسات الدولة وإطاراتها.
بالنظر إلى هذه السلبيات المؤسسة لهذه الوضعية المتحجرة التي تفرخ سلاسل الأزمات المتتالية، فإنه يبدو أن مستقبل الجزائر سيبقى غائما ينذر، فعلا، بالأخطار والنكسات على جميع الأصعدة. في هذا السياق أرى أنه ينبغي أن نضرب مثالين أحدهما مصري وثانيهما أميركي لكي يتضح أمامنا النهج الذي ينبغي السير فيه، ولكي يصحح وضع التعليم الجزائري بكل أنماطه ومستوياته.
المثال الأول هو مثال طه حسين الذي فكَر بعمق، وذلك منذ زمان بعيد، في المساهمة في إعادة تشكيل الهوية المصرية المعاصرة على أساس القاعدة التعليمية والثقافية العصرية المتطورة، وذلك في ظل انفجار الثورات العلمية والمعرفية التي كانت تشهدها مجتمعات البلدان المتطورة في الغرب خاصة، وفي بعض الدول الآسيوية وفي مقدمتها اليابان. سواء اتفقنا أو اختلفنا مع المنظور الثقافي ذي الظلال العرقية الذي يلاحظ أحيانا في مقاربة طه حسين، ومع نتائج تحليلاته ولكن كتابه الشهير “مستقبل الثقافة المصرية” الذي كرسه لتحليل واقع التعليم المصري ونقده لم تكن أطروحاته المركزية حول مرتبات المدرسين، ومشاكلهم الاجتماعية التي تحل فورا بقرار، أو حول نقابة التعليم، أو حول تقنيات التعليم وبيداغوجياته المعزولة عن التحدي الحضاري، وإنما كان هذا الكتاب، في الغالب، منصبا على قضية محورية كبرى وهي مصير الشخصية المصرية في العصر الحديث، وعلى إيجاد سبل لربط المنظومة التعليمية بمشروع التنمية بكل عناصرها الثقافية والفكرية والتاريخية والحضارية، وعلى رسم الأسباب الكفيلة بإحداث التحول الاجتماعي النوعي، بما في ذلك البناء الثقافي والعلمي والروحي والترقية السياسية.
أما المثال الأميركي فيتمثل في جهد الفيلسوف جون ديوي الذي كرس كتابا كاملا عن علاقة التعليم ببناء الديمقراطية. وبما أن الجزائر لا تملك شخصية مفكرة من عيار الدكتور طه حسين، أو من عيار جون ديوي فإن أمر التعليم الجزائري قد سلَم، كلية، لجوقة أشباه السياسيين داخل أروقة النظام الحاكم دون أن يكونوا مؤهلين للنهوض بهذا القطاع الاستراتيجي، سواء على مستوى التخطيط العلمي المتطور الأكثر حداثة، أو على مستوى وضع الأسس الفكرية للجانب البيداغوجي، أو على مستوى توفير التكوين المستمر في إطار احترام التخصص للإطارات المكلفة بالإشراف على العمليات التعليمية الميدانية، فضلا عن خلق المناخ المادي والمعنوي اللائق لهذه الإطارات.
وفي الواقع فإن الفراغ السياسي الذي ينخر البلاد على مدى سنوات طويلة هو سبب ونتيجة في نفس الوقت. هو سبب لأنه نابع من فقر سياسات التعليم التي بقيت تدور في فلك الشكليات السطحية، وبعيدا عن التحديات العلمية والفكرية والتكنولوجية الكبيرة والخطيرة لعصرنا. وهو أيضا نتيجة لأن ضعف هذه المنظومة هو الذي يقف وراء عدم إنتاج التعليم الجزائري للنخب السياسية المفكرة والمتطورة، وللكفاءات المثقفة والعالمة القادرة على قيادة المجتمع الجزائري وإخراجه من التخلف بكل أشكاله المادية والرمزية في جميع الميادين.
إن أزمة المنظومة التعليمية الجزائرية ليست في تقديري من اختراع الوزراء كأفراد مثل الوزيرة نورية بن غبريط، أو من سبقها من الوزراء الذين تداولوا، لسنوات طويلة مثقلة بالخيبات واليأس، على شؤون المنظومة التربوية والتعليمية، وإنما هي مشكلة معقدة لها علاقة، أصلا وفصلا، بفشل النظام الحاكم في الجزائر في بناء أبجديات مجتمع المعرفة، وجماليات العلم، وأخلاقيات السياسة الديمقراطية المتحضرة، والإنسان الجديد سلوكا وذهنية، والمؤسسات الراقية والأكثر حداثة وتطورا، بما في ذلك مؤسسات التعليم وإطارات التي بموجبها، جميعا، تشرع البلاد في الانطلاق في رحلتها نحو آفاق التقدم.

* كاتب جزائري/”العرب”