الرئيسية / وجهات نظر / من يبيض الإرهاب في تونس؟
ad8de5425148aa32777950338f4d11f6

من يبيض الإرهاب في تونس؟

قادتني الظروف وسوء الصدف إلى متابعة برنامج حواري على إحدى القنوات التونسية خلال الأسبوع الماضي ولفت انتباهي بالخصوص أحد التوانسة الذي قدموه لنا على أنه جامعي وسياسي ومتخصص في الدراسات الإسلامية! فوعدت النفس بحديث مفيد لرجل له مثل هذه الصفات والألقاب وقلت إنني حتما سأستفيد وأتعلم وتذكرت أنه سبق أن شاهده الجمهور التونسي من قبل وهو يهاجم حركة النهضة بسبب أو بدونه على بلاتوهات الفضائيات ويتكلم باسم أحزاب تغيرت أسماؤها وتغيرت مواقعه فيها وأخرها حزب تخلى عنه وحزب ثان إحتضنه ورأيناه أيضا يتقدم بعضويته لحزب جديد والرجل في الحقيقة متكلم جيد يحاول إقناع الجمهور بمواقفه وأفكاره وأنا أكتشفه لأول مرة لأنني في رحلة المنافي الطويلة والملاحقات من قبل أنتربول ومحاكماتي الكيدية وشتات أسرتي وبيع بيتي بالمزاد في عهد الاستبداد وفي عهد مداخلاتي وكتاباتي وإصدار كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) أي في عز قوة الحاكم وفي حضرة السلطان الجائر لم يسعفنا الحظ أنا وبعض رفاق المنافي بالتعرف عليه ولا حتى بسماع صوته أو همسه وأنا لا أقول هذا الكلام بمرارة المظلوم أو حسرة النادم بل بحكمة من يدرك بعد مطالعة كتب التاريخ ومعايشة المحن السياسية أن جميع الثورات ينضجها رجال ونساء رواد ويصنعها رجال ونساء من أفضل الشباب ثم يركب عليها بسهولة ودهاء رجال ونساء آخرون من نوع مختلف وكأني بهم نزلوا من كوكب بعيد يبرعون في تبنيها والنطق باسمها حتى أنك تخالهم حين تسمعهم زعماء دفعوا ضريبة الدم والشباب الضائع كما دفعنا وتشردوا في أرض الله كما تشردنا وبيعت منازلهم كما بيعت منازلنا وحوكموا في العهد البائد كما حوكمنا بل إنهم تفننوا في إتقان عمليات تبني الثورة إلى درجة عجيبة حيث يقنعون الناس بأنهم هم الذين ينتظرهم الشعب التونسي لينقذوه! إنه منطق التاريخ وطبيعة الإنسان وسيرورة الكون فالذين استشهدوا بالأمس في سبيل استقلال البلاد أو استشهدوا اليوم من أجل طي صفحة الاستبداد إنما قدموا أرواحهم خالصة لله تعالى وللوطن وللحرية ولم يكونوا يعرفون رحمهم الله بأن لصوص التاريخ وقراصنة المجد ومحولي وجهات الثورات بالمرصاد لمكاسب الشعب وهم الذين أطلقت أنا عليهم نعت ثوار مساء 14 يناير الساعة السادسة والربع أولئك الذين طلعوا من تحت الأرض كالفقاع بعد المطر في رمشة عين وفي غفلة من ضمائر الناس!
لنعد إلى أخينا هذا الذي تحمس ضد الإرهاب إلى درجة أنه أرهب الحقيقة ورهبن الأحداث بقوله حرفيا: “يجب أن ندين كل من يبيض الإرهاب مثل أولئك الذين يطالبون بتعدد الزوجات فهم إرهابيون!” هذا كلام الرجل وهو تونسي أي عاش في ظل مجلة الأحوال الشخصية واعتبرها كما اعتبرها السياسيون (خطا أحمر) كما اعتبروا أن التعدد مهما كانت أسبابه هو إرهاب (بهذا المنطق المعكوس فالرجل يصنف مليار وثلاثمئة مليون مسلما في عداد الإرهابيين لأن خمس البشرية مسلمة وليس لدى دولها قانون أحوال شخصية انفردنا به نحن وتركيا لا غير) بينما في الحقيقة يخضع كل قانون إلى النسبية لأن القانون كائن حي يتطور ويتعدل حسب تطور وتغير المجتمع تماما كقانون المرور وقانون الاستثمار ومجلة العقود والالتزامات وأي قانون. ثم إن أحكام القرآن الكريم التي جاءت واضحة يمكن أن تكون قابلة للاجتهادات والتفاسير من قبل العلماء والفقهاء حسب سنن الحياة المتغيرة لكن في كنف مقاصد الشريعة لا بنية إلغاء الشريعة أو تحريف غاياتها. وليس القانون صنما كاللات والعزى نطوف حوله بالمباخر كالدراويش هاتفين إنه خط أحمر فلا تقربوه علما بأن كثيرا من الخرافات والأوهام نسجوها على مر التاريخ التونسي الحديث ليتحول المجتمع المسلم لمدة 14 قرنا من مجتمع متوازن معتدل بفضل تماسك الأسرة خليته الأولى ليتحول بالتدريج مع خيارات بورقيبة الاجتماعية إلى مجتمع شبه منسلخ عن هويته لأن الإفراط في جلب قوانين غربية وعلمانية متطرفة لتطبيقها على المجتمع التونسي كانت له أثار جانبية كارثية أحيانا مثل تفشي العنوسة وارتفاع نسب الطلاق وانتشار ظاهرة الأمهات العازبات واستفحال طرق الزواج العرفي واتساع فضاء اعتماد العشيقات عوض الزوجات وتمييع قضايا الإجهاض بالسماح المفرط باللجوء إليه وتحميل المحاكم أكثر بكثير مما تحتمل إلى جانب رواج المخدرات ومضاعفة نسبة الأمراض النفسية وظهور أنواع غريبة من الإجرام لم نكن نعهدها مثل جريمة قتل السرس للزوج بأيدي زوجته وعشيقها ومثل ما نرى في برامج تلفزيونية (تالك شو) من مآس عجيبة مدهشة آخرها ذلك الزوج الذي صرح أمام الملايين بأن أولاده ألوان وأشكال مختلفة!
و سبق أن طرحت في إحدى الفضائيات معضلة واحدة من معضلات الانعكاسات السلبية للمجلة وطلبت أن يفيدني خصومي بالحل ولم يأت منهم حل وهي معضلة المرأة العاقر التي يتزوجها رجل يحبها ولا يرزقها الله بالإنجاب فيضطر زوجها إلى طلاقها ليتزوج من ثانية عوض أن يحتفظ بها ويتزوج عليها برضاها ورضا الثانية وفي حالة طلاقها يحرمها المجتمع الجائر ونص القانون من الأمومة لأن أولاد الزوجة الثانية يرعونها كأم ثانية ويرافقونها طول العمر فتتمتع بالأمومة العاطفية التي حرمت منها بيولوجيا وهو ما عشناه عديد المرات عندما كنا أطفالا لدى الجيران والأقارب حين كانت بين الأزواج مودة ورحمة كما نص القرآن ثم إن طلاق المرأة العاقر رغم حب الزوج لها ورغم ألا ذنب لها تعاقب عليه بفضل بركات مجلة الأحوال الشخصية لا يحرمها من الأمومة فحسب بل يدفعها أحيانا للدعارة! هل هذا عدل يا ناس؟ فكر يا قارئ العزيز لو أن هذه المظلمة سلطها القانون على ابنتك أو أختك! إن هذا القانون ككل القوانين يجب أن ينظر فيه بالتأمل والتعديل والتطوير خبراء في القانون وعلماء اجتماع وفقهاء دين حتى نتلافى النقائص ولا يكون القانون باب ظلم وجور أما هذا الضيف على القنوات الفضائية الذي رمى كل من يدلي بمجرد رأي أو اجتهاد بأنه يبيض الإرهاب فهو الإرهاب بعينه. إن ما يبيض الإرهاب ويتسبب فيه ويغذيه ليس الاجتهاد في مجلة الأحوال الشخصية بل السبب الأكبر هو التطرف العلماني التغريبي الذي سلخ المجتمعات المسلمة عن أصولها تحت تعلة الحداثة ولا يجد معتنقوه حرجا في الدفع ببلادنا على طريق تايلند لا في التنمية بل في أسلوب التكسب السياحي. غريب أمر هؤلاء القلة يتيمة الهوية منزوعة الدسم الحضاري فهي ماتزال تفكر بالمقلوب كما تكتب بالمقلوب أي من اليسار إلى اليمين في بلاد تفكر وتكتب من اليمين إلى اليسار وستظل بإذن الله.
“بوابة الشرق”