الرئيسية / وجهات نظر / اغتيال شكري بلعيد والثقب الأسود في المسار التونسي
مصطفى القلعي

اغتيال شكري بلعيد والثقب الأسود في المسار التونسي

شكري بلعيد نشأ سياسيّا منذ الثانويّة، وفي الجامعة، صار زعيما طلابيا في الاتحاد العام لطلبة تونس. كان شكري من مؤسسي الخط الوطني الديمقراطي لليسار التونسي وتولى قيادة جناحه الطلابي في منتصف الثمانينات ممّا دفع نظام بورقيبة إلى اعتقاله مع جملة من طلاب الفصيل اليساري التقدمي بالجامعة سنة 1985 في معتقل رجيم معتوق المرعب بالصحراء التونسية.
بعد انتخابات 23 أكتوبر 2011، كان شكري من أشرس المتصدّين للمخطط الإخواني الذي كانت تعدّه حركة النهضة لتونس. علا صوت شكري وواجه رموز الإسلام السياسي في مختلف وسائل الإعلام. وكثّف من نشاطه السياسي في الاجتماعات العامة والشعبية في مختلف ربوع تونس من أجل فضح المخطط الإخواني. وكان بلعيد من أوائل من تفطنوا إلى أنّ المتطرّفين الإسلاميين هم أيادي الإخوان وأدوات تنفيذهم. وساهم الشهيد بقسط كبير في تأسيس الائتلاف اليساري “الجبهة الشعبية” للتصدي للمشروع الرجعي ومن أجل الدفاع عن تونس مدنية حداثية تقدمية تتحقق فيها العدالة الاجتماعية.
في 6 فيفري 2013 امتدّ رصاص الإرهاب التكفيري ليخترق جسد شكري بلعيد أمام بيته. وكان حدث اغتيال شكري بلعيد مزلزلا كاد أن يعصف بتونس. فيوم جنازته كان يوم إضراب عام أعلنه الاتحاد العام التونسي للشغل. وكان أيضا يوم حداد وطني. وكان يوم حشد لم يعرفه التونسيّون طيلة تاريخهم إذ اجتمع ما يناهز 2 مليون مواطن لتوديع شهيدهم وهو يوارى الثرى في روضة الشهداء بمقبرة الجلاّز بالعاصمة تونس.
في 8 فيفري 2013، يوم جنازة شكري بلعيد لم تكن في تونس دولة إذ ارتعشت مؤسّسات حكم الترويكا الهشّة أصلا وارتبكت حتى أنّ أحزاب الحكم الثلاثة لم تحظ بشرف مشاركة شعبهم حزنه على فقْد أحد قادته الملهمين. فلا أحد من بينها شارك في الجنازة. ولا أحد من قادتها قدّم العزاء لعائلة الشهيد ولا لرفاقه في الجبهة الشعبيّة. والسبب كان هو الاتهام المباشر الموجّه للترويكا وأساسا لحركة النهضة بالتورّط بشكل ما في اغتيال الشهيد شكري بلعيد.
في هذا اليوم نفسه تم تجنيد عصابات اللصوص والمنحرفين للاعتداء على الجنازة والمشيّعين. وتعرض الكثير من المواطنين للسرقة والاعتداء بالعنف. وأحرقت سيارات كثيرة أمام أعين الشرطة.
ورطة النهضة، تقول عائلة بلعيد ورفاقه في الوطد الموحّد وفي الجبهة الشعبيّة، أخلاقيّة وسياسيّة قبل كلّ شيء. أمّا التورّط الجنائي فالقضاء هو الذي يثبته أو ينفيه. وتتمثّل الورطة الأخلاقيّة للنهضة في حجم التحريض والتشويه الذي طال الشهيد على أيدي الجيش الإلكتروني الموالي لها.
وكانت مادّة هذا التحريض مستندة إلى تهجّم واعتداءات مباشرة تعرّض لها الشهيد من قبل قادة نهضويّين كثيرين منهم من كانوا في الحكومة كعلي لعريّض وزير الداخليّة حينها ومحمد بن سالم وزير الفلاحة وحبيب اللوز النائب في المجلس التأسيسي وغيرهم. هذا التحريض كان هو الفتوى السياسيّة التي أباحت الفتوى الشرعيّة بتكفير شكري بلعيد وإباحة دمه التي صدرت عن أيمّة كثيرين استولوا على المساجد بإيعاز من حركة النهضة ورئيسها.
بينما الورطة السياسيّة مفادها رفض وزير الداخليّة علي لعريّض توفير الحماية الأمنيّة لشكري بلعيد رغم أنّ طلبا رسميّا في ذلك وجّهه عميد المحامين التونسيّين حينها شوقي الطبيب يفيد بأنّ الشهيد بلعيد يشعر بمن يراقبه وهو يخشى على حياته.
كان ردّ وزير الداخليّة سلبيّا وامتنع عن توفير الحماية له بما جعله هدفا سهلا للإرهابيّين. واعتبرت هيئة الدفاع عن الشهيد أنّ عدم توفير الحماية للشهيد كان نوعا من المساعدة على تيسير عمليّة الاغتيال.
الإشكال هنا بالضبط؛ فحكومتا الترويكا الأولى والثانية والحكومة المستقلّة التي تلتهما كانت ترغب في اختزال القضيّة في من ضغط على الزناد فيما الرأي العام وعائلة الشهيد والجبهة الشعبيّة والعائلة الديمقراطيّة الموسّعة ترى أنّ المسؤوليّة السياسيّة والأخلاقيّة للنهضة لا تقلّ أهميّة عن المسؤوليّة الجنائيّة للقتلة التكفيريّين. بل إنّ هيئة الدفاع عن بلعيد وعائلته تتهمان حكومتي الترويكا بتعطيل القضاء وبالضغط من أجل تمييع ملف القضيّة وإخفاء جانب من الحقيقة، وقد تولّى وزير العدل في حكومتي الترويكا نورالدين البحيري هذه المهمّة.
كاميراوات المراقبة المحيطة بمسرح الجريمة سجّلت مختلف تفاصيل العمليّة حيث بدأ المجرمون يتردّدون على المكان قبل أسبوع ليخطّطوا لجريمتهم. أسبوع كامل قضوه في التردّد على مقرّ إقامة الشهيد، أعدّوا خلاله كلّ شيء حتى قطع التنوير العمومي في منطقة آهلة بالسكان، وتعتبر منطقة راقية في تونس والداخليّة التونسية لم تهتمّ! وبعد تنفيذ الجريمة تكشف الداخلية عن اسم منفّذ الجريمة وهو الإرهابي كمال القضقاضي وتعلن عن كونه استقرّ في جبل الشعانبي، ولكن ثبت بعد ذلك أنّه كان قريبا من مسرح الجريمة رفقة قائد تنظيم أنصار الشريعة أبي عياض وإرهابيين آخرين بمنطقة رواد بالعاصمة. فهل وقعت مغالطة الداخلية التونسية أم أنّها هي من غالط الرأي العام لغاية ما؟
النتيجة أنّ سنتين مرّتا على حادثة اغتيال شكري بلعيد وعمليّة التحقيق القضائي مازالت تسير ببطء كبير يثير الريبة والشكّ. فالكثير ممّن تتّهمهم هيئة الدفاع بالضلوع في عملية الاغتيال لم يمثلوا أمام القضاء بعدُ مثل علي لعريض وزير الداخلية الأسبق وبعض القيادات الأمنية التي كانت معه.
كما وقع إخفاء التقرير البالستي القادم من هولندا عن قاضي التحقيق لأكثر من شهرين، وفيه معلومات عن السلاح المستعمل في العمليّة وشظايا الرصاص! هذا إضافة إلى الملف الغامض لجهاز الأمن الموازي الذي اخترق الداخلية التونسية وإليه نسبت بعض الأعمال الخطيرة، وهو ملف مازال بين الإثبات والنفي. فالصحافة الاستقصائية والنقابات الأمنية وبعض الأحزاب والهيئات الحقوقية تثبت وجوده فيما الدولة التونسية لم تقدم جوابا ضافيا إلى حد الآن.
وقبل أن تبرأ تونس من صدمة اغتيال القيادي في الجبهة الشعبية شكري بلعيد، تمتدّ الأيادي التكفيرية نفسها لتغتال قياديا آخر في الجبهة الشعبية هو محمد البراهمي يوم 25 يوليو 2013، أي بعد 5 أشهر تقريبا من اغتيال بلعيد. وفي هذا الاغتيال كان علي لعريض رئيسا للحكومة، وتلقّت حكومته إشعارا من سفارات أجنبية بخطر استهداف البراهمي.
ومرّة أخرى لا تتحرك السلطات التونسية في عهد الترويكا التي تقودها حركة النهضة لحماية النشطاء السياسيين والمعارضين للمخطط الإخواني عموما. لقد أسقط اغتيال بلعيد حكومة الترويكا الأولى التي كان يرأسها النهضوي حمادي الجبالي. واغتيال البراهمي كان إشارة انطلاق اعتصام الرحيل الذي خلّص تونس من حكومة الترويكا الثانية برئاسة علي لعريض. ورغم سقوط حكومتي الترويكا بسبب دماء قادة الجبهة الشعبية فإنّ الحقيقة لم تكشف بعد كاملة ولم ينل المذنبون جزاءهم.
تدخل تونس الجمهورية الثانية بملفات اغتيال سوداء مازال الغموض يلفّها. وأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية، تعهد السبسي بالكشف عن حقيقة الاغتيالات السياسية. وبعد فوزه بالرئاسة تحوّل العهد إلى وعد والتزام. وكذلك فعل رئيس الحكومة الجديد حبيب الصيد.
ولعلّهما يعلمان أو لا يعلمان بأنّ الاغتيال السياسي سيظلّ الثقب الأسود الذي يعطّل مسيرة تقدّم الشعب التونسي ويقف حائلا أمام تحقيقه المصالحة الوطنيّة الشاملة التي تجعل الجميع يدا بيد في خدمة تونس ووقايتها من المخاطر المحيطة بها. حركة النهضة لم تخدم العدالة في قضايا الاغتيال السياسي لما كانت تقود الترويكا الحاكمة، فهل ستسمح بكشف الحقيقة وهي شريك للحزب الأغلبي ولرئيسه في الحكم؟

*كاتب وباحث سياسي تونسي/”العرب”