الرئيسية / وجهات نظر / المشغولون بمحور الكون في مصر وتونس
NIZAR BOULAHYA

المشغولون بمحور الكون في مصر وتونس

وهو يغادر قصر الضيافة بضواحي العاصمة تونس، بعد جلسة مغلقة جمعته برئيس الحكومة المكلف، وجد الطيب البكوش مجموعة من الصحافيين تسأله في الخارج عما اذا كانت هناك فرصة أم لا لمشاركة حركة النهضة في الحكومة الجديدة.
الأمين العام للحزب الأكثر عددا ومقاعد داخل مجلس النواب رأى في السؤال نوعا من الاستفزاز الشخصي، فتخلى على ما يبدو عما عهده الإعلاميون فيه من تكتم وحرص على اختيار العبارات والمصطلحات الدبلوماسية الرقيقة، ولم يجد حرجا أو ضيقا من التصريح القطعي، ومن دون لبس أو غموض بأنه «لا معنى الآن للحديث عن حكومة وحدة وطنية»، وأن «المكتب التنفيذي للحزب سوف يجتمع للبت فقط في ملف الحكومة وليس ملف حركة النهضة وكأنها، أي الحركة، صارت محور الكون».
انزعاج البكوش من تركيز الإعلاميين المفرط على معرفة موقع الحركة الإسلامية داخل المشهد السياسي الجديد في تونس، الذي كاد أن يحولها، على حد وصفه، إلى «محور للكون»، لم يكن سوى واجهة تخفت وراءها رغبة مكتومة في حسم نهائي وتام لمواجهة مفتوحة وقديمة تغيرت وجوهها ومظاهرها، ولكن جذوتها مازالت متوهجة ولو بنيران ضعيفة اللهب، اذ بعيدا عن قصر الضيافة بآلاف الكيلومترات كان الرئيس الباجي قائد السبسي، وهو صاحب الكلمة الفصل داخل حزب النداء، رغم استقالته منه، يجتمع في اليوم نفسه وعلى هامش القمة الأفريقية في إثيوبيا داخل إحدى قاعات الضيافة في العاصمة أديس ابابا بالجنرال المصري السيسي، من أجل التباحث رسميا في ملف الإرهاب وعمليا في مخرج من الضغوط والتهديدات التي تطال نظاميهما معا، التي جعلتهما ينظران الى الكون من المحور ذاته وإن اختلف الشكل والأسلوب.
جاء الباجي الى القاعة بدعوة من الجنرال، ولم يتسرب الكثير عما دار بينهما في اللقاء القصير الذي استغرق عشرين دقيقة، خرج على اثرها الرئيس التونسي ليقول للاعلاميين بأن المباحثات «تناولت ملف الإرهاب الذي يشترك البلدان في مواجهته»، وإننا «نرفض التدخل الخارجي في ليبيا، ونرحب بكل مبادرة من شأنها التخفيف من التوتر». قبل أن يصف العلاقات التونسية المصرية بـ»التاريخية والعريقة». ويضيف أن «الصفحة مفتوحة بين تونس ومصر وعلاقاتنا متواصلة ولابد من تطويرها في إطار استشراف آفاق ورؤى مستقبلية تخدم مصلحة البلدين». ولان البدايات غالبا ما تعطي صورة ولو تقريبية عن النهايات، فقد لفت الانتباه قبل اللقاء حدوث مشادة بين الحرس الشخصي للسبسي وحرس السيسي، بعد أن رفض الجانب المصري أن يدخل الأمنيون التونسيون قاعة الاجتماع مع رئيسهم، وتم في الاثناء ايضا منع قناة التلفزيون الرسمي التونسي من التصوير مثلما يحصل عادة في اللقاءات الرسمية المماثلة.
لقد تصرف السيسي بالأسلوب والمنطق العسكري الذي تربى عليه وأجاده، ورغم أن الإعلام المحلي في البلدين حاول التغطية قدر الإمكان، على ما اعتبر حادثا دبلوماسيا طارئا، إلا أن الأمر كان بمثابة الإشارة الرمزية بالغة الدلالة إلى وجود اختلاف بين الرجلين في فهم وإدراك المخاطر التي تهددهما معا، وفي تصور الاشكال والوسائل المناسبة لصدها والقضاء عليها في مراحل موالية. ففيما أمسك الجنرال المصري عصاه باستمرار في وجه مناوئيه، لوح «الشيخ» التونسي على النقيض من ذلك بالجزرة في معظم الاحيان، تاركا أمر العصا الى الوقت المناسب. هذا الاختلاف هو الذي جعل الطرفين يخوضان حربا مفتوحة على عدو واحد تقريبا، لكن بأسلحة وتكتيكات مغايرة، بل شديدة التناقض في بعض الاحيان. فالسبسي يعرف جيدا متى يشد الحبل وفي أي وقت يرخيه، اما مضيفه فقد تعود على القرارات والتعليمات العسكرية الصارمة، التي لا تقبل التفاوض، ولا تعترف بشيء اسمه التنازل عن «المهم من أجل الأهم»، مثلما يردد «الشيخ» التونسي باستمرار. لكن الرجلين يعتبران معا ان ما يوصف بالاسلام السياسي هو «محور الكون» وجوهر صراعهما من اجل السلطة وحولها.
لقد استقدم السبسي على عجل من» الارشيف» مثلما قال عنه الشيخ راشد الغنوشي ذات مرة على سبيل النكتة، وفي ظرف حساس ومفصلي من تاريخ تونس، وجلب اليه الانظار باسلوبه وطريقة حديثه وحرصه الظاهر على فتح قنوات تواصل مستمر مع معظم الحساسيات والاحزاب، في ظل وضع مؤقت شديد الوعورة والتعقيد. وقبل ان يسلم السلطة الى المجلس التأسيسي بعد انتخابات اكتوبر 2011، ارسل اشارات مليئة بالتناقض، جعلت المتابعين يحتارون في معرفة وجهته الجديدة هل تكون بيته الصغير لنيل قسط وافر من راحة التقاعد، أم استراحة قصيرة وظرفية لمحارب صلب وعنيد لا يمل من تكرار التجربة عند اول فرصة. التصريحات التي نقلتها عنه «الواشنطن بوست» و»نيويورك تايمز» ودورية طجون أفريك» كانت تدل كلها في ذلك الوقت على أنه «راغب في مواصلة خدمة بلده إن احتاج إليه»، وأن رجل السياسة مثلما قال «لا ينتهي عمله ونشاطه بالسياسة إلا إذا وافته المنية». وبعد ان أثار ذلك قدرا من القلق والانزعاج وحتى المخاوف على عملية الانتقال الديمقراطي، خرج الباجي في آخر خطاب له بوصفه وزيرا أول في العشرين من الشهر نفسه، ليقول بكثير من الغموض المقصود «من قال إنني أنا وحكومتي متمسكون بالحكم؟». الشهور التي اعقبت ذلك كانت شهور القنص وتحول الرجل الى قناص محترف يحسن الانقضاض على فريسته والتقاط حبل العودة الى مربع السلطة، ولم يكن الحبل سوى اخطاء وزلات تناثرت على طول الطريق الوعر والضيق للائتلاف الحاكم، بفعل نقص الخبرة أو تحت التأثير المدمر والمباشر لقوى الداخل والخارج. رجل القانون الذي تمرس وخبر دواليب الحكم زمني بورقيبة وبن علي، وجد ان أسلم الأمور هو اجراء اختبار أولي لجس النبض وتحسس مراكز النفوذ واستثارة الدعم الضروري والمطلوب لمواصلة الطريق الى الآخر، وكان الحجر الذي رمي في البركة بيانا موجها مثلما قيل الى الرأي العام، أصدره في السادس والعشرين من يناير 2012 أي بعد اسابيع قليلة فقط على تسليمه السلطة الى الفريق المنتخب الجديد، يدعو من خلاله الى خريطة طريق، والتفكير في بديل يضمن التوازن السياسي داخل البلد. أما البديل فقد ولد بالفعل في يونيو من العام نفسه، لما أطلق في اجتماع حاشد حركة نداء تونس، وهي خليط من انصار الحزب المنحل ويساريين ونقابيين. تدحرجت الكرة بعد ذلك بالهزة العنيفة التي حصلت في السادس من فبراير 2013 مع حصول اغتيال سياسي قلب الطاولة على رؤوس الجميع وكاد يعصف بحركة النهضة ويخرجها نهائيا من الحياة السياسية، لولا تماسكها وقدرتها على امتصاص الصدمة وتخبط معارضيها وتضارب مصالحهم واهدافهم. الباجي انقض كعادته على الفرصة ليتحول الى زعيم يلم شتات المعارضين في صف واحد من اجل الاطاحة بالاسلاميين، وهو ما تدعم بعد شهور بحصول الاغتيال الثاني وتشكيل ما اطلق عليه «جبهة الانقاذ».
صارت القصة معروفة، لكن الأهم من ذلك أن النتيجة الان هي ان تونس ابتعدت عن الحلول الدموية القصوى وعاشت ما يمكن وصفه باتفاق «جنتلمان» بين حركة النهضة وابناء النظام، سمح لها لا فقط بمجرد البقاء، بل حتى بالمشاركة في البرلمان، ثم في الحكومة عكس مصر التي دخلت في دوامة حرب لا تبقي ولا تذر. وهذا ما قد يزعج الكثيرين داخل المنطقة وخارجها ويثبت أيضا أن التعامل مع الاسلاميين ومواجهتهم يمكن ان يتم خارج السجون والمعتقلات، وبعيدا عن منطق الرصاص والتصفية العرقية. «فالاسلاميون لن يتبخروا في الهواء» مثلما يقول الدكتور محمد البرادعي في حواره الأخير مع صحيفة «دي بريس» النمساوية. غير ان تقريب وجهات النظر وردم الهوة السحيقة التي تفصل الجانبين في مصر يبدو الان عملا مضنيا وشاقا، بل حلما صعب المنال في ظل حالة الهوس الشديدة التي تسيطر على النظام المصري، وتجعله يصور كل ما يحصل داخل البلد على انه مؤامرة كونية يقودها الاخوان وحلفاؤهم في الخارج. بريق الأمل الاول هو في قدرة المصريين انفسهم على الخروج من ذلك المنطق، لكن تجربة تونس ايضا قد تمنحهم فرصة اضافية لتصور الحلول والبدائل السياسية والقانونية التي تطوي نهائيا صفحة الدم والرصاص. فهل يقدر السبسي مثلا على اقناع السيسي بانه يمكن الانشغال بـ»محور الكون» ومحاربته في ساحات السياسة والاعلام، لا بالقتل والمحتشدات والسجون؟ إن نجح في ذلك فسوف يحقق بالتأكيد حلمه الشخصي في ان يتحول إلى بورقيبة آخر في نسخته الديمقراطية الجديدة، لكن قبل ذلك وبعده هل يقدر أو يرغب في ذلك فعلا، وهل الطرف المقابل مستعد لان يسمع لغة اخرى غير لغة الرصاص؟ تلك هي الاسئلة العالقة التي تنتظر جوابا من المشغولين في مصر وتونس بمحور الكون.

٭ كاتب وصحافي من تونس/”القدس العربي”