الرئيسية / وجهات نظر / لحظة دبلوماسية فريدة
f3bfb5a54f8a48fb2e8b2f50d8f9d3a9

لحظة دبلوماسية فريدة

يعيش المغرب اليوم لحظة دبلوماسية فريدة يتطلع لها اي بلد يسعى لتسوية قضاياه الوطنية وتحقيق قدر وازن من التمدد الجيوستراتيجي في محيطه، إذ توفر له الشرط الذاتي والموضوعي معا.
من جهة الشرط الذاتي، فقد مثلت ميزة الاستقرار والإصلاحات المتدرجة التي يقوم بها، نقطة قوة له في سياق محيط دولي وإقليمي موسوم بكثير من التقلب واللاستقرار، وهي النقطة التي سمحت له بتوثيق صلته بشركائه في الاتحاد الأوربي، وتقوية علاقته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبفتح نافذة عريضة لامتداد المغرب بمصالحه في العمق الإفريقي.
أما من جهة الشرط الموضوعي، فهناك أربع مؤشرات دالة تؤكد فرادة هذه اللحظة الدبلوماسية التي يعيشها المغرب:
1- أن المغرب صار يمثل بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي النموذج الذي نجح في تأكيد فرضية التغيير وإدماج الإسلاميين دون إثارة مخاوف الغرب الأمنية والاستراتيجية. لقد حاول الغرب أن يميل عن عقيدته الكلاسيكية في سياسته الخارجية، والتي كانت تقوم على أولوية الأمن، وتبنى مقولة التغيير مدخلا لتحقيق الأمن وضمان المصالح الغربية على المدى المتوسط والقريب، لكن التطورات التي واجهته في العديد من البلدان العربية، اضطرته إلى العودة إلى نفس مقولاته السابقة، باستثناء المغرب ثم تونس حاليا، إذ يعتبرهما نموذجين واعدين في إثبات إمكان حصول التغيير بمشاركة الإسلاميين دون أن تثار أي مخاوف أمنية أو استراتيجية.
2- أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، وخاصة فرنسا وإسبانيا، تحولت بوصلتهم الاستراتيجية نحو إفريقيا، بحكم تداعيات الأزمة الاقتصادية والحاجة إلى منطقة بكر مستقرة تستقبل الاستثمارات الأجنبية الضخمة التي تدر أرباحا كبيرة على هذه الدول التي تحتاج اقتصاداتها أن تتنفس من حالة الاختناق الذي تعاني منه. والحالة هذه، لا يوجد في الظروف الحالية سوى بلد مستقر واحد بمؤسسات دستورية قائمة، هو المغرب يمتلك الإمكان التاريخي والثقافي والديني للقيام بدور الوساطة والجسر العابر للقارات.
3- أن التحديات الأمنية التي تواجهها منطقة الساحل جنوب الصحراء، وحالة اللاستقرار السياسي، وربما مستقبلا الأمني، التي تعيشها الجزائر، سيجعل الثقل الأكبر ينزل على المغرب، وذلك لكونه يمثل الدولة الوحيدة في المنطقة القوية المستقرة القادرة على مراقبة حدودها وتبني استراتيجيات استباقية لمكافحة الإرهاب وصد الجرائم العابرة للحدود، ثم لكون الجزائر اليوم، في أضعف حالاتها بسبب مخاض ترتيب السلطة، وما تعرفه من صراع الأجهزة وتصفية بعضها لبعض قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، وهي بالمناسبة الحالة التي دفعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تصدر إلى رعاياها في الجزائر تحذيرا من الحالة الأمنية التي تعرفها الجزائر، أضف إلى ذلك، التقارير والدراسات الاستراتيجية الأمريكية المتواترة التي اتفقت خلاصاتها على تأكيد مخاطر تحول مخيمات تندوف إلى دائرة استقطاب وتجنيد من قبل تنظيم القاعدة، وبروز مؤشرات جدية على وجود تقاطع مصالح قوي بين جبهة البوليساريو وبين التنظيمات الإرهابية وشبكات الاتجار في المخدرات والجريمة في منطقة السحل جنوب الصحراء.
4- أن فترة ما بعد الربيع العربي، أتاحت للمغرب أن يوسع خطوط اتجاهاته الدبلوماسية، نحو تعزيز علاقات الدبلوماسية مع دول الخليج، وتوثيق صلاته بالاتحاد الأوربي (الهجرة، اتفاقية الصيد البحري) وإعطاء مضمون حقيقي للشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، والتوغل بمنظور استراتيجي في عمق إفريقيا، واستثمار اللحظة الدبلوماسية المناسبة لاستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وما يمكن أن يجلبه هذا الخط – لو تم تأطيره بمصلحة وطنية مدروسة- من آفاق واعدة للدبلوماسية المغربية.
طبعا، ليست هذه وحدها هي الخطوط الدبلوماسية التي نسجها المغرب، فقد مد علاقته نحو دول آسيا، لاسيما النمور الصاعدة، وحاول تحقيق بعض الاختراق في أمريكا اللاتيينة (البرازيل)، لكن اللحظة الدبلوماسية التي يعشيها المغرب اليوم، تتطلب مزيدا من الاستثمار لتحقيق مزيد من الاختراق في المعسكرات التي كانت تقليديا محسوبة ضمن الداعمين لخصوم الوحدة الترابية، لاسيما في بعض دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
يمكن للمغرب اليوم، أن يفكر في عناوين جديدة لتحقيق هذه الأجندة، دون أن يضطر إلى الإضرار بخطوطه الدبلوماسية الأخرى، لاسيما وأن أفق خصوم الوحدة الترابية بدأ ينحسر وينسد في ظل التطورات المتلاحقة التي تشهدها الجزائر، وفي ظل تنامي الدور المغربي في منطقة الساحل جنوب الصحراءْ، وانهيار أطروحة بناء الدولة الوهمية في الصحراء .
“التجديد” المغربية