خصوم «النهضة» الحقيقيون!

ظاهر الواقع السياسي في تونس، يقول إن خصوم «النهضة» هم اليسار والنخب ذات التوجهات الحداثية. وهو في الحقيقة صحيح إلى حد ما، بمعنى أنها خصومة سياسية آيديولوجية ولكنها موضوعية وغير راديكالية من حيث المواقف. كما أنها خصومة، تتراوح بين الحضور والغياب ومرتبطة إلى حد كبير بالفعل السياسي وممارساته. لذلك، فإنه على أثر فوز حركة «النهضة» بالأغلبية النسبية في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي بتاريخ 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، فإن خصومها من المعارضين السياسيين أذعنوا لنتائج صندوق الاقتراع وقاموا بتهنئة حركة النهضة وانقسموا طبقا للتغييرات السياسية الجديدة في موازين القوى الحزبية، إلى أحزاب أعلنت قبولها المشاركة في الحكم وأخرى رفضت المشاركة واختارت دور المعارضة رغم كل الإغراءات مستندة في موقفها الرافض إلى قراءة مخصوصة للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي وليس رفضا لحركة النهضة في حد ذاتها.
من هذه الزاوية، لا نعتقد أن المعارضة السياسية وتحديدا الخصوم السياسيين هم من أخرجوا حركة النهضة من الحكم وأرغموها على الاستقالة. وبشكل أكثر دقة في التعبير: يبدو لنا أن المعارضة السياسية التي ناصبت حكومة السيد علي العريض السابقة العداء السياسي، قد اكتفت بتأمين الجولة الأخيرة لسقوط حركة النهضة.
وهنا يجدر بنا طرح السؤال التالي: من يكون الخصم الحقيقي لحركة النهضة الذي جنى عليها ولا يزال يفعل ذلك محاولا إضعاف قاعدتها الشعبية من خلال حملة دعائية ضد حركة النهضة والتشكيك في حقيقة إخلاصها للمبادئ والثوابت الإسلامية؟
إذا ما عدنا إلى بداية توتر الأجواء السياسية في تونس ضد حركة النهضة، فإننا سنجد أن حدث اغتيال شكري بلعيد مثل الضربة القوية الأولى، التي قصمت ظهر حركة النهضة.
ولتوضيح هذه الإشارة، فإن هذا الاغتيال وأيضا اغتيال الشهيد محمد البراهمي والمجزرة التي ذهب ضحيتها عناصر من الجيش التونسي دون أن ننسى ضحايا الأمن التونسي.. كلها تحمل إمضاء السلفية التكفيرية الجهادية. ومن ثمة، فإن الفاعل الحقيقي، الذي أطاح بحركة النهضة هو السلفية الجهادية وخلاياها النائمة إلى حد الآن رغم نجاح بعض العمليات الأمنية ضدها. أي أن السلفية التكفيرية، هي الخصم الأول والأساسي لحركة النهضة ولأدائها السياسي، وكل ما فعلته المعارضة السياسية هو استثمار هذه الخصومة وتوظيفها سياسيا واجتماعيا للإطاحة بالخصم السياسي الذي لم يعرف كيف يدير ملف السلفية الجهادية.
ومن غرائب الأمور في هذا السياق، نشير إلى أن السيد راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة، كان يحاول في البداية استيعاب عناصر السلفية الذين وصفهم بأبنائه، بل إن الحكومة ذات الأغلبية النهضوية، قد تركت لها المجال فسيحا في البداية حيث بدا أنه يمكن أن تكون أداة، يتضح للجميع في ضوء تشددها ومنهجها التكفيري مدى اعتدال حركة النهضة أي أن النهضة حاولت التمايز بينها وبين السلفية الجهادية. ولكن انقلب السحر سريعا على الساحر بفعل بروز عوامل جيو – سياسية حولت السلفية الجهادية من جماعات محدودة الفعل إلى جماعات مسلحة وشبكات منظمة. هكذا شكلت السلفية التكفيرية سببا قويا في قلب موازين القوى في الواقع السياسي التونسي بشكل يبدو ضد مصالح حركة النهضة وآفاقها السياسية. بل إن السلفية أعلنت حربا صامتة وحارقة ضد الوجود السياسي للنهضة.
وفي الحقيقة لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن نفس الخصم ومعه تيارات إسلامية أخرى، ذات توجهات متشددة مثل حزب التحرير مثلا وأيضا شخصيات دينية محافظة ومتشددة تقوم حتى بعد خروج حركة النهضة من الحكم بحملة شعواء ضدها معتبرة أنها كانت وراء دستور علماني وأنها كانت مذعنة للإملاءات الفرنسية أي أنها بكل بساطة تعمل على التشكيك في إسلامية خطاب الحركة ومواقفها خاصة ذات الصلة بالدستور وبعض بنوده بالتحديد مع توجيه رسائل إلى قاعدة النهضة الشعبية، تقول إنها حركة معادية لثوابت الإسلام. ومثل هذه الاستراتيجية التي يعتمدها خصوم حركة النهضة من مختلف التيارات الإسلامية سواء السلفية الجهادية والأخرى العلمية والأحزاب المتشددة مثل حزب التحرير، إنما تقوم على قطع الطريق السياسية أمام حركة النهضة في الانتخابات القادمة وهو ما يعني أن هذه التوجهات السياسية ذات الخلفيات الإسلامية المختلفة ترى في حركة النهضة أول أعدائها وعلى رأس قائمة خصومها أي قبل اليسار وغيرهم.
لم تفطن حركة النهضة إلى خصمها الحقيقي إلا بعد فوات الأوان ذلك أنها انشغلت بخصومها القدامى والتقليديين في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي الذين قبلوا بها بقبولهم للديمقراطية وصندوق الاقتراع، في حين أن المشكلة تكمن في الذين يعتبرون الديمقراطية كفرا والوفاق السياسي ضربا من التنازل وحرية المعتقد والضمير وحقوق المرأة ومدونة حقوق الإنسان العالمية.. كل ذلك تجسيد فعلي للعلمانية التي ليست من الإسلام في شيء.
“الشرق الاوسط”

اقرأ أيضا

التشكيلة الأساسية للمنتخب المغربي في مباراته الودية أمام النرويج

يواجه المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم، بعد قليل من يومه الأحد 7 يونيو 2026، منتخب النرويج في آخر مباراة ودية للعناصر الوطنية ضمن استعدادات كأس العالم 2026.

بعراقة تراثه وتنوع مطبخه.. المغرب يتألق في مهرجان نيروبي الثقافي الدولي

افتتح أمس السبت، مهرجان نيروبي الثقافي الدولي، الحدث السنوي الهام الذي يعنى بإبراز التنوع الثقافي وتعزيز الحوار بين الشعوب والحضارات، بمشاركة مغربية وازنة تمثلت في عرض ثري يجمع بين غنى وعراقة تراث المملكة الثقافي وصناعتها التقليدية المتميزة ومطبخها الباهر.

اختتام فعاليات مهرجان مراكش للكوميديا في أجواء احتفالية

اختتمت مساء أمس السبت، فعاليات الدورة الأولى لمهرجان مراكش للكوميديا بحفل فرنكفوني نشطه الفكاهي الفرنسي مالك بن طلحة، وتميز بالارتجال وتنوع الأساليب الكوميدية والتفاعل اللافت للجمهور.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *