الرئيسية / وجهات نظر / إبداع في تفجير الثورات واستمرارها
e56ec0b8fbe1f8f6ddfca71e93d5b8d0

إبداع في تفجير الثورات واستمرارها

مالم يعٍ مواطنو المجتمعات العربية، الرًّاغبون والمناضلون من أجل الإنتقال من أنظمة الإستبداد إلى أنظمة ديمقراطية، مالم يعوا أهمية وحساسية وتعقيدات مرحلة الإنتقال تلك فانّ العديد من ثورات وحراكات الربيع العربي إمّا ستدخل نفسها في فوضى مأساوية دامية تدمَّر المجتمع أو ستنتهي إلى التَّيهان والضياع وبالتالي الفشل. ولا يحتاج الإنسان إلى كثير من الجهد ليرى كلا المشهدين ماثلين حالياً بقوة في أرجاء أرض العرب.
أمثلة الإنتقال السًّلمي العقلاني المتسامح المؤمن بالأخذ والعطاء لتجنُّب الخراب والدًّماء ماثلة للإستفادة من أساليبها وتطبيقاتها. ففي إيرلندا الشمالية قبلت التضحية بمبدأ الأغلبية الديمقراطية من أجل إستتباب السلام بين الطائفتين المتناحرتين. وفي أفريقيا الجنوبية قبل المواطنون السُّود تأجيل مبدأ صوت واحد لكل مواطن من أجل الخروج من صراع عرقي مقيت وعدم هروب أموال البيض الاستثمارية إلى الخارج وأخذ بمبدأ اعتراف الظالمين السًّابقين بديلاً عن محاكمتهم المليئة بالاخطار. وفي إسبانيا وتشيلي قدًّمت سلامة كيان الجمهوريتين على مبدأ الثأر من الظالمين السًّابقين.
تفاصيل مناقشات وتبريرات ونتائج تلك المساومات من أجل فترة انتقالية سلمية هادئة منشورة لمن يريد قراءتها. لكن من المهم معرفة أن تلك التنازلات والحلول الوسط لم تعن التنازل في المستقبل المنظور عن الرجوع إلى الأسس الديمقراطية المعروفة وتطبيقها في حينها. لقد كانت تضحيات وتنازلات مؤقًّته من أجل فترة انتقالية متسامحة متوازنة غير دموية وغير عبثية.
على ضوء تلك التجارب وإعجاباً بمنطلقاتها العقلانية المتوازنة المدركة لأهمية الأولويات لا يستطيع الإنسان إلاً أن يحيٍّي ويرحٍّب بالتجربة التونسية العربية وهي تبدع مختلف الأساليب لنقل القطر التونسي من جحيم الإستبداد السابق إلى رحب الديمقراطية في المستقبل المنظور. لقد فضًّل شعب تونس وساسته ومؤسساته المدنية، إبًّان الفترة الإنتقالية سيادة مبادئ السَّلم الأهلي وتوازن المصالح والتعامل العقلاني مع إشكالات الواقع والتأجيل المؤقت لبعض المبادئ الديموقراطية، وذلك من أجل الإنتقال السَّلمي لثورتهم المبهرة المباركة إلى برَّ الأمان.
كما لايستطيع الإنسان إلاً أن يأسف، بألم وحيرة وإشفاق، لوقوع البعض الآخر في شباك مشاعر الثأر والإنتقام الفجَّة وإساليب تهميش واستئصال هذه الجماعة أو تلك. والنتيجة هي تلك المشاهد العبثية الطفولية الدَّامية المدًّمرة للحاضر والمهدًّدة للمستقبل، التي نشاهدها يومياً في هذا القطر العربي أو ذاك.
لماذا يختلف المشهد التونسي، على الأقل في الحاضر، عن بقية المشاهد ؟ هذا سؤال يحتاج إلى إجابة غير متعجلًّة ومدروسة بتأنًّ وموضوعية. وكما أصبحت إيرلندا الشمالية وافريقيا الجنوبية وإسبانيا وتشيلي مصادر دروس وعبر فان تونس مرشًّحة لأن تكون مثالاً عربياً لأمة العرب وللعالم.
في إعتقادي أننا سنكتشف جوانب إيجابية ودروساً مفيدة في تحليل المزاج السياسي التونسي، في نضج مؤسسات المجتمع المدني التي قامت في المجتمع التونسي بالرغم من الإحتلال الإستعماري والإستبداد المحلًّي، في تأثيرات الجاليات التونسية القاطنة بلدان أوروبا ذات الأمزجة الديمقراطية على المواطن التونسي وفضائه العام، في مكانة المرأة التونسية في الفضاء العام، وقد يكون في الأنظمة التعليمية والنقابية والإعلامية والفقهية والفكرية، وغيرها، المهم أننا أمام حالة عربية تستحق أن تدرس، والمهم أن لا يمنعنا صغر حجم تونس الجغرافي والسكاني أو محدودية تأثيرها في المجال القومي أو هدوء جبهتها الإعلامية من الإقدام على تلك الدراسة وتقديمها كاحدى الصور الإجتماعية العربية المبهرة. وهذا لن يبخس الآخرين ولن يقلًّل من مكانتهم في حقول حياتية كثيرة ولن ينسينا الإنجازات الرائعة في قيادة هذه الأمة التي حقًّقتها بعض الأقطار العربية الأخرى عبر التاريخ.
من الضروري التأكيد على أن التعامل مع الفترة الإنتقالية بتلك الأشكال المتنوعة، من أجل الحفاظ على السًلم الأهلي أو على كيان الدولة أو على تجنُب الدخول في جحيم الثارات والانتقامات المتبادلة أو على تجنُب حدوث أضرار اقتصادية جسيمة، أن ذلك التعامل لا يعني على الإطلاق التنازل عن أهداف الثورات والحراكات الحقوقية والديمقراطية والمعيشية، فتلك أهداف مقدًّسة يجب أن تتحُّقق كاملة حين وصول الثورات والحراكات إلى برًّ الأمان. وهذا في اعتقادي ما تحاول أن تفعله ثورة تونس المباركة.
لقد ضربت تونس المثل المبهر في تفجير ثورات الربيع العربي وفي ابتداع أسلوب معقول لإنتقال الثورات إلى برًّ الأمان. تحيَّة إلى شعب تونس الذي خدم ويخدم ربيع أمته العربية بأساليب حضارية إنسانية.
“القدس العربي”