الرئيسية / وجهات نظر / مرجعية الحوار والمصالحة الوطنية في ليبيا
جمال بالنور

مرجعية الحوار والمصالحة الوطنية في ليبيا

عندما يتطرق الحديث للحوار والتصالح في المجتمع الليبي فإن الجميع يتذكر ما يسمى بميثاق الحرابي. هذا الميثاق الذي أبرم بتاريخ 18 أبريل 1946، يعتبر درسا من دروس المصالحة الوطنية في ليبيا، تركه لنا الآباء والأجداد المؤسسون لنتعلم كيف نبني ليبيا بعيدا عن الأطماع والأحقاد والثأر والانتقام، فمن هذا الميثاق كانت انطلاقة ليبيا، التي كانت استجابة لنداء محمد إدريس السنوسي أمير ولاية برقة آنذاك، ثم أصبح ملكا على ليبيا بعد استقلالها، وبموجبه تعهد مشائخ القبائل والأعيان بإيقاف كل الخصومات والفتن، رغبة منهم في جمع الكلمة والصف وتأليف القلوب وتوحيد الجهود وتضافرها في مصلحة البلاد حتى يتقرر مصيرها.
طيلة الحقب الماضية وحتى إبّان حكم النظام السابق كان العرف الاجتماعي يعمل على تسوية كل النزاعات، محافظا بذلك على سنة التصالح بين الناس وعلى وحدة البلاد ونسيجها الاجتماعي، وهنا يتضح بجلاء أن أشلاء الوطن قد جمعت عندما اتفق الليبيون على توحيده والنهوض به من أزماته، وخلق حالة تصالحية انفردت بها ليبيا كتجربة حوارية رائدة ومميزة، في مجتمع كانت الأمية تتجاوز فيه كل المعدلات المتوقعة آنذاك.
وعندما نتحدث عن معوقات الحوار والمصالحة الوطنية، فإن الثورة الليبية لها خصوصياتها، من حيث أنه خلافا لثورات الربيع العربي الأخرى ونخص بالذكر ما حدث في تونس ومصر، فإن نظام القذافي لم يحتفظ بمؤسسة عسكرية لها عقيدة وطنية غير متورطة في الشأن السياسي القائم آنذاك.
فالمعلوم أن هذا النظام انتهج سياسة تفتيت هذه المؤسسة والعبث بها وتسخيرها لأغراضه الذاتية في شكل كتائب أمنية بقيادة أبنائه وبعض الموالين من منتسبي المؤسسة العسكرية، وتم استخدامها في مواجهة الشعب الليبي الذي انتفض وثار عقب أربعين سنة من الاستبداد والظلم والدكتاتورية، وما تبقى من وحدات عسكرية لم تكن قادرة لوحدها على استعادة الأمن وحماية المؤسسات، فضلا عن أن حرب التحرير التي أسفرت عن سقوط نظام القذافي قد رتبت أوضاعا جديدة على الأرض مثل بروز تشكيلات مسلحة من الثوار المحاربين، بعضها كان مؤدلجا سياسيا، وبعضها الآخر لا ينتمي إلى أي تيار سياسي، وأصبحت هذه التشكيلات الثورية المسلحة تفرض نفسها على الأرض كبديل واقعي عن المؤسسة الدفاعية والأمنية، وأضحت رقما صعبا في المعادلة السياسية الجديدة، ولعل واقعة اغتيال رأس المؤسسة العسكرية في 28 يونيو 2011 تؤكد ما سلف بيانه.
فعندما نستدعي وقائع مهمة من الذاكرة لتدعيم أحداث راهنة ساهمت في إعاقة الحوار والمصالحة الوطنية، فإن واقعة اغتيال الشهيد عبدالفتاح يونس تطفو على السطح لتتوج كأهم حدث كاد أن يعصف بثورة 17 فبراير، فلا يتصور أحد أن يقتل غدرا رئيس أركان جيش وطني في حالة حرب وطوارئ، ويمر هذا الحدث بسلام، فلا زالت تداعيات هذه الواقعة تطل برأسها علينا بين فينة وأخرى، إذ أنها تكشف أنه بقدر ما ساهم المجلس الانتقالي والمكتب التنفيذي في حصول هذه الكارثة بقدر ما برز دور بعض المنتسبين للتيار الإسلامي في التخطيط والتنفيذ لهذه الجريمة النكراء، فالجناح المتطرف في ثنايا هذا التيار هو من باشر عملية التنفيذ، بينما تتسع الدائرة لتشمل متنفذين آخرين في أوساطه، وأيا كان الباعث على القتل والاغتيال، فإن الخطأ الجسيم المرتكب كان في تسهيل مهمة الضبط والإحضار للشهيد ومرافقيه ليكونوا لقمة سائغة لدى الأشد تطرفا، وإذا كان الغرض من تنفيذ القبض إقصاء الشهيد عن ساحة العمل السياسي، ثم الحؤول دون إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية على نحو يخالف أهواءهم، فإن هذا النوع من التآمر يعد أول معول هدم في جدار هذه المؤسسة.
ومن هنا كانت القفزة التي انتحاها المجلس الوطني الانتقالي بتبنيه لانتخابات المؤتمر الوطني قد ساهمت، في تعقيد المشهد السياسي في ليبيا، ذلك أنه رغم التأييد الشعبي الذي واكب هذه الانتخابات، والنجاح في تنظيمها، إلا أنها لم تكن نتاج توافق سياسي مجتمعي، وإنما كان المجلس الانتقالي قد دفع إلى ذلك دفعا خاصة من تيار الإخوان المسلمين الذي حظي بحضور لافت بعد التوسعة في عدد أعضاء المجلس.
والجدير بالذكر أن هناك مسودتين للإعلان الدستوري، أولاهما كانت قد تبنتها وزارة العدل عندما شكلت لجنة من ذوي الاختصاص برئاسة وزير العدل نفسه محمد العلاقي، وأخرى كانت برئاسة سلوى الدغيلي، عضو المجلس الوطني الانتقالي السابق، والملاحظ أن اللجنتين لم تتبنيا في مشروعيهما ما يشير إلى التأسيس لمرحلة انتقالية ثانية بقيادة المؤتمر الوطني، وإنما كان الرأي في مجمله يدور حول الاحتفاظ بمؤسسات الثورة، سيما المجلس الانتقالي إلى حين العبور إلى الوضع الدائم المستقر، ويتم في هذه الفترة اغتنام الفرصة في الإعداد للدستور الدائم من خلال لجنة أو جمعية وطنية مستقلة، يتم التنصيص عليها في الإعلان الدستوري، وكما يتعين على المجلس الوطني الانتقالي وضع لبنات إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية والأمنية تحديدا، ومراجعة كثير من الأوضاع القائمة، سيما ما يتعلق بأوضاع الثوار المسلحين الذين تتجاذبهم التيارات السياسية المختلفة، وكما تتضمن المرحلة إثراء الوعي المجتمعي بالمخاطر المحيطة وتنوير الشعب بملامح ومعالم الطريق للمرحلة المقبلة، والأهم من كل ذلك إذابة الخلافات التي كانت بادية الوضوح والظهور خاصة في ما يتعلق بموقف الجماعات الإسلامية من المشروع الديمقراطي وإعادة إنتاج المؤسسات الأمنية والعسكرية، فلم يكن يخفى على أحد أن هناك من يرفض هذا المشروع ويحمل السلاح ويتوعد بالمواجهة.
وبناء على هذه الخلفيات كان هناك الكثير ممن يرى في المادة 30 من الإعلان الدستوري نقطة تحول في مسار الثورة، تحول لا تدعمه تجارب الدول الأخرى المماثلة للثورة الليبية، كما لم يدعم من كثير من المؤسسات المدنية التي نشطت في تلك الفترة الحرجة رغم محدودية الخبرة في مجال العمل السياسي، ونخص بالذكر ائتلاف 17 فبراير المؤسس، الذي كان أولى لبنات هذه الثورة، والذي قام بدوره بتأسيس المجلس الانتقالي وغيره من المجالس المحلية والعسكرية والأمنية الأخرى، فهذا الكيان كانت له رؤية مبكرة بأهمية عدم التفريط في مؤسسات الثورة المشكلة بدعم شعبي عارم، فالمجلس الانتقالي عقب تشكيله حظي بمساندة الشعب والثوار والتشكيلات المسلحة على حد سواء، فضلا عن اعتراف دولي به كممثل وحيد للشعب الليبي، ولم يكن إعلان التحرير كافيا لنقل السلطات إلى جسم آخر وإن كان منتخبا شعبيا في ضوء عدم وجود مؤسسات رسمية أخرى ضامنة لعمله وحسن إدارته للمرحلة.

ولا يخفى أن حالة اللاتوافق على بناء المؤسسة العسكرية والأمنية والقضائية وبقية المؤسسات الأخرى انعكست على أداء المؤتمر الوطني العام، ولم يستطع أن يتقدم بتوصية واحدة في أي اتجاه، وانتهت ولايته بالفشل الذريع الذي وضع البلاد على أعتاب الحرب الأهلية، وهو ما يفسر أن الاندفاع المبكر لخوض الانتخابات ونقل السلطة من المجلس الانتقالي لم يكن إلا تنفيذا لمصالح أيديولوجية للبعض، وغنائمية للبعض الآخر للاستئثار بالسلطة والمال، ولم تكن ضمن مشروع الوفاق الوطني الشامل الذي لا يتم فيه التحوّل من حالة الثورة إلى حالة الاستقرار الدائم إلا بعد استيفاء متطلبات المرحلة وحل الخلافات القائمة واستيعاب الثوار المحاربين ضمن مؤسسات قادرة على احتوائهم، قبل التفكير في نزع سلاحهم، وكل ذلك يتم بعيدا عن النظم الحزبية التي تشكلت، للأسف، أثناء انشغال الشعب بثورته والحرب لم تضع أوزارها بعد.
وليس خافيا على أحد أن الشعب الذي خرج مؤيدا لهذه الانتخابات كان قد سال لعابه بالتحول الديمقراطي المبكر دون أن تكون هناك معالجة حقيقية للأوضاع القائمة، ولعل في الإصرار في إنجاز هذه الانتخابات قبل أوانها، وقبل أن يتشكل الوعي المجتمعي المطلوب حيال هذا الاستحقاق المهم، يكمن السر واللغز. ولعل الأهم من كل ذلك أنه لم يحظ المؤدلجون والغنائميون الذين غلّبوا مصلحتهم على مصلحة شعبهم في الحصول على المبتغى بتحقيق الاكتساح المرغوب بالمؤتمر الوطني، فكانت النتائج على نقيض مقصودهم، إذ ولد هذا الجسم مشلولا عاجزا عن الإنجاز والحركة، بل أضحى حجر عثرة أضيفت إلى العقبات السابقة التي تحول دون تحقيق الوفاق الوطني وساهم في تأجيج الأزمة الراهنة.

*كاتب ليبي/”العرب”