الرئيسية / وجهات نظر / المغرب والحرب على الإرهاب
محمد الاشهب

المغرب والحرب على الإرهاب

حرب المغرب والعالم على الإرهاب ستكون محور المنتدى الدولي الذي تستضيفه مراكش منتصف الشهر الجاري. وهو بصورة أو بأخرى امتداد لأكثر من مؤتمر التأم في الرياض والقاهرة والكويت والمنامة وبروكسيل، ما يؤكد صدارة الحرب على الإرهاب في ظل المخاطر التي تهدد استقرار الدول ووحدتها.
لا يعني تقاسم العواصم العربية أعباء هذه الحرب سوى أن لهيب النار اشتعل في جزء من البيت، وهو في طريقه لأن يلتهم أجزاء أخرى، إن لم تعترضه حواجز واقية وفعالة، بمقدار تنامي الظاهرة وتعدد أشكالها وتنظيماتها التي تتناسل بطرق ملتوية. وفيما ساد اعتقاد بأن تفرع المزيد من التنظيمات عن «القاعدة» في العراق والشام وبلاد المغرب الإسلامي ومنطقة الساحل جنوب الصحراء، لا يزيد عن بضع جماعات تكفيرية بمرجعيات راديكالية، تبين اليوم على أرض الواقع أن المخاطر أكبر من هذه التصنيفات.
لم تعد الظاهرة الإرهابية العابرة للقارات مجرد نزعات تدميرية يستسلم أمامها أفراد وتنظيمات بأفكار مغالية في التطرف والعنف والإقصاء المسلح بل صارت أداة تفتيت وتخريب يطاول بنيات التعايش في المجتمعات، ويروم التفرقة والتجزئة بدوافع دينية ومذهبية وطائفية منغلقة، تناهض التساكن والانفتاح والحوار. إنها درجة عالية من التعصب الذي يروم هدم الثقافة والحضارة وقيم وجود الإنسان في سموها وسماحتها ومقاصدها النبيلة.
بهذا المعنى انتقلت الظاهرة الإرهابية من أداة عنف ضد الآخر لتستقر في عمق العالمين العربي والإسلامي. ما يعني أن دول المنظومتين أضحت بدورها عرضة للإرهاب الأعمى. وهذا وحده كاف للدلالة على أن الفضاء العربي والإسلامي ضحية تمدد الإرهاب والعنف بكافة أشكاله وتنظيماته، وكلما ضاق الخناق على التنظيمات الإرهابية، بعد اكتمال تطويقها في منطقة جغرافية، قفزت إلى موقع آخر، ينطبع عادة بوجود تربة خصبة، من قبيل الانفلات الأمني وانهيار سلطة الدولة والانشغال بالحروب والصراعات بين الطوائف والحساسيات. فقد كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز محقاً في رؤيته وتحليلاته عندما نبّه إلى أن العدوى لن تتوقف في حدود الدائرة العربية، بل ستمتد إلى أوروبا والولايات المتحدة، كون الشرق الأوسط بحمولته الحضارية ظل محور الصراع الأبدي بين قوى الاعتدال والوسطية والانفتاح من جهة، والتطرف والمغالاة والعنف واستباحة هدر الأرواح بوحشية من جهة ثانية. لكن التطورات تشير إلى أن منطقة الشمال الإفريقي وامتداداتها في الساحل الذي يفصل بين إفريقيا والعالم العربي باتت هدفاً للتنظيمات الإرهابية.
كما شكلت أفغانستان، عند انهيار مقومات الدولة، ملاذاً للمتعصبين الذين تدثروا برداء ديني بعيد عن جوهر العقيدة، انتقلت «القاعدة» إلى العراق ثم سورية، ولم تكن الجزائر في عشريتها الدامية بعيدة عن المسار نفسه الذي تؤول إليه الأوضاع في ليبيا المنفلتة عن السيطرة، فالحدود التي تعتريها الفوضى والاضطرابات وغياب رقابة الدول مشاعة، من الجنوب الليبي إلى تخوم مالي وشمال نيجيريا، والاستقرار الذي يضمن سلامة الحياة المدنية غائب كلياً، بسبب تفشي ظاهرة تهريب الأسلحة والهجرة غير الشرعية، كما أن الجريمة المنظمة والقرصنة واختطاف المواطنين طلباً للفدية، شكلت الوعاء الذي تنمو داخله أعمال العنف والإرهاب.
في الحرب على تنظيم «داعش» برزت معالم تنسيق دولي. بدأ ينتج ثماراً إيجابية في تآكل مكوناته التنظيمية البشرية والمادية. وعلى رغم أن الحرب طويلة المدى، فإن الاستئصال الحقيقي ذو علاقة بتجفيف منابع الدعم البشري المتمثل في تدفق المتطوعين على باقي بؤر التوتر. والراجح أن التخطيط لما بعد انهيار نظام «الدولة الإسلامية» المزعومة يقلق الدول المصدرة لحطب النار، أي أفواج المتطوعين الذين سقطوا فريسة الاستقطاب الممنهج بوسائل الشحن والإغراء المالي والتعصب الديني.
من هذا المنطلق تبدو منطقة الشمال الإفريقي في الواجهة، ليس فقط لأن أعداداً من المتطوعين يتحدرون من أصول مغاربية، ولكن لأن مرحلة العودة لا بد أن تتأثر بالأجواء ذاتها التي سادت فترة التحاق «الأفغان العرب» ببلدانهم الأصلية. ما ساعد في ضخ دماء في شرايين العنف والإرهاب. والمغرب في إمكانه، وقد توافرت لديه تجربة غنية في الحرب الاستباقية التي شملت تفكيك خلايا نائمة ومتأهبة، أن يساهم بقسط وافر في إغناء المنظومة الجديدة في الحرب على الإرهاب، بخاصة في حال استندت إلى معاودة هيكل الحقل الديني وتجنب أسباب التوتر الاجتماعي، والإفساح في المجال أمام المشاركة السياسية القائمة على دعم الشرعية الديموقراطية.

*كاتب وصحفي/”الحياة” اللندنية