الرئيسية / وجهات نظر / لماذا فشل “الإخوان” وفازت “النهضة”؟
حسام أبو حامد

لماذا فشل “الإخوان” وفازت “النهضة”؟

حاول حسن البنا إخراج الإصلاح الديني، المنظّر له في فكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، من دائرته النخبوية الضيقة إلى فضاء جماهيري، عبر تأسيسه حركة الإخوان المسلمين في العام 1928، بعد أربع سنوات على إلغاء الخلافة في تركيا الكمالية، الحدث الذي هز وجدان المسلمين في كل مكان. استعادة الخلافة ومجد الإسلام المضيع كان هدفاً مركزياً.
لم يفضل البنا اللجوء إلى العنف، إلا في الحالات القصوى: “لا يطلبون الحكم لأنفسهم (الإخوان)، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء، وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهج إسلامي قرآني، فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم، وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومةٍ، لا تنفذ أوامر الله”. لكن صعوبة تحديد معيار دقيق لمدى الالتزام بتنفيذ “أوامر الله”، وبالتالي، تحديد اللحظة المشروعة للخروج على الحاكم، كانت دائماً سبباً لدورة من العنف والعنف المضاد، تزايدت وتيرته منذ الخمسينيات مع تسرب أفكار أبي الأعلى المودودي إلى مصر وتلقفها من سيد قطب والمضي بها راديكالياً. ومنذ إنشاء “المكتب السري” في العام 1943 جناحاً مسلحاً للإخوان، وخروجه عن سيطرة قيادة الجماعة، أصبحت التنظيمات السرية المنشقة، أو الخارجة عن السيطرة، أمراً محايثاً لتاريخ “الإخوان”، ولم توجه عنفها فقط ضد الأنظمة، بل أيضاً، ضد المجتمع، عنفاً ارتكز حده الأدنى على نظام “الحسبة” الصارم.
في تونس، ومنذ القرن التاسع عشر، برزت الحداثة في إطار إسلامي مطلباً زيتونياً، وتبلورت حركة التحديث بتحالف شيوخ الزيتونة فكرياً مع خير الدين التونسي، والذي أثمر عن كتابه “أقوام المسالك في معرفة أحوال الممالك”، وكانت المطالب: تحديث التعليم والدولة والإدارة، والحد من سلطة الحاكم. وكان دستور 1864 أبرز شاهد على إنجازاتها.
استبق الحبيب بورقيبة إعلان الاستقلال، ليعلن نيته في بناء دولة حداثية على الطراز الغربي في تونس، وما أن تولى الحكم، حتى بدأت العلمانية تُدعم إجرائياً بدءاً من العام 1957، فقطع قانون الأحوال الشخصية الجديد العلاقة مع الشريعة الإسلامية، ثم ألغيت الأوقاف العامة، ليعقبها منع التعليم الديني وإلغاء التاريخ الهجري. ثم الهجوم على الطقسية الإسلامية، ممثلة بالصيام، وفي السبعينيات، أطلق بورقيبة محاضراته الشهيرة حول القيم الإسلامية.
أدركت “الجماعة الإسلامية”، منذ نقاشاتها التأسيسية في 1972 صعوبة الدخول في مواجهة مع المجتمع التونسي الموغل بأفكار الحداثة، بغض النظر عن مستوى ما تحقق منها. لاسيما وأن إخفاقات تجربة “الإخوان المسلمين”، وصدامها مع النظام والمجتمع في مصر، لا تزال ماثلة. مبكراً، انطلقت المراجعات الفكرية لما يعرف اليوم بحزب “النهضة”.
تنازعت “الجماعة الإسلامية” ثلاثة تيارات أساسية. الديني التقليدي ذو الصبغة الفقهية المالكية، والعقيدة الأشعرية المتمسكة بتربية صوفية، والتيار الإخواني السلفي الوافد من المشرق والمتأثر بأفكار سيد قطب، والتيار العقلاني، الذي تبلور حديثاً، ليتبنى عقيدة الاعتزال التي ألحت على حرية الإرادة الإنسانية، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، بما يتماشى مع مبدأ العدل الالهي، وتمسكّت بالابتعاد عن الفهم الحرفي للنص، لصالح التأويل العقلي، بما يتوافق مع مقاصد الشريعة.
بدا التيار العقلاني والسلفي الإخواني على طرفي نقيض، فبينما أكد التيار السلفي الإخواني شمولية الإسلام ومبدأ الحاكمية، وتمسك بمنهج فكري، يقدم الجانب العقائدي الأخلاقي على الجانب السياسي. رأى التيار العقلاني في التيار السلفي الإخواني عائقاً في طريق نهضة الإسلام، ودعا إلى إحلال الفهم المقاصدي بدل الفهم الحرفي للنصوص، وإلى الاستفادة من الغرب وثقافته وتنظيماته وعلومه الإنسانية، ورفض المقياس العقيدي الإخواني الذي ينتهي بتقسيم الناس إلى إخوة وأعداء وكفرة ومسلمين، لما فيه من تهميش للصراع، وأن التقسيم ينبغي أن يكون على أسس سياسية واجتماعية، إذ يمكن للمسلم أن يكون عميلاً وإقطاعياً ورجعياً.
بدأ النقاش يتسع داخل الجماعة، أفقياً وعامودياً، وعلى الرغم من انشقاقات في صفوف الحركة، إلا أن هذه النقاشات مثلت مراجعات حقيقية ومستمرة، احتدمت لتخرج بوسطيةٍ، ضُبطت منهجياً وفكرياً، ساعدت الحركة على حسم موقفها في قضايا كثيرة في مقدمتها الحداثة والديمقراطية والعنف.
بعد شهرين من إقرار النظام التونسي للتعددية السياسية، وفي يونيو/حزيران 1981، سارعت “الجماعة” لتشكيل حركة سياسية عرفت بـ “الاتجاه الإسلامي”، أبرز ما ميز بيانه التأسيسي تبنيه الكامل للديمقراطية، فكراً وتطبيقاً. كما أقر البيان التأسيسي حق الجماهير في تقرير مصيرها، بعيداً عن الوصاية الداخلية والهيمنة الخارجية، ورفض العنف أداة للتغيير، وتَركُّز الصراع على أسس شورية، كوسيلة للحسم في مجالات الفكر والثقافة والسياسة، والتأكيد على رفض الانفراد بالسلطة الأحادية لما يتضمنه من إعدام لإرادة الإنسان، وتعطيل طاقات الشعب، ودفع البلاد إلى طريق الفتنة، والإقرار بحق كل القوى الشعبية في ممارسة حرية التعبير والتجمع.
وإذا كانت حركة النهضة في نظر بعضهم قد سجلت سابقة بتحالفها مع العلمانيين في انتخابات العام 2011، فهو أمر ليس جديداً، إذ قبلت الحركة منذ العام 1980، أي بعد الانتهاء من المراجعات، الجلوس، جنباً إلى جنب، مع أحزاب شيوعية وعلمانية، والحوار معها، من أجل تدعيم الحريات في تونس، وهو ما أكد عليه راشد الغنوشي، مدرس الفلسفة سابقاً، وزعيم الحركة حاليا (في كتابه “من تجربة الحركة الإسلامية في تونس”)، حين رأى أن ذلك لم يكن ليتم “إلا بتراجع التدين السلفي الإخواني بالصيغة التي ارتسمت في أذهاننا، حتى الآن، وتحت تأثير ضغط الواقع، وحركة النقد الذي دفع إليها التدين العقلاني.”
إن الحديث عن تقارب بين “النهضة” في تونس و”الإخوان” في مصر، خصوصاً في الموقف من الديمقراطية فكراً وممارسة (راجع مقال أسامة أبو ارشيد في صحيفة “العربي الجديد”، تاريخ 7 نوفمبر/ تشرين الثاني 2014) يغدو تعسفاً منهجياً، يميز الفكر الانتقائي التسويغي الذي يتعمد إغفال اختلاف ظروف نشأة الحركتين، وتباين منهجية كل منهما والنتائج النظرية والعملية التي أفضت إليها كلا المنهجيتين. حتى الشيخ الغنوشي حين سئل عن التقارب مع “الإخوان” فإنه، ومع كل تلك الديبلوماسية الذكية في قبول التقارب، أكد أن “الإخوان” ليسوا مرجعاً لحركة النهضة.
في مصر، لم تنجح المراجعات الإخوانية، لاسيما المؤسسة على كتاب “دعاة لا قضاة”، المنسوب إلى المرشد الثاني لحركة “الإخوان المسلمين”، الشيخ حسن الهضيبي، من تخليص الحركة من أفكار سيد قطب، وبقي التيار السلفي حاضراً في توجيه مسار الحركة اللاحق، ليبلغ العنف ذروته في الثمانينيات. وقد غيّبت المراجعات الإخوانية الديمقراطية آلية لتلك المراجعات، وموضوعة لها، وكانت نوعاً من التقية السياسية، انطلقت من غياهب السجون وأروقة المحاكم (راجع مقالي في صحيفة العربي الجديد، 29 أكتوبر/تشرين الأول 2014). وبينما استطاعت حركة النهضة حسم موقفها من الديمقراطية، في أقل من ثماني سنوات على انطلاقتها، فإنه، ومنذ أن أصّل البنا موقفه السلبي من التعددية السياسية في الأربعينيات، كما يذكر الغنوشي، احتاج “الإخوان” في مصر نحو نصف قرن للقبول بها. ولا يزال موقفهم الموارب من الديمقراطية من دون حسم.
يعقّب أبو أرشيد على مقالي، ويتساءل متعجباً “وكأن أنظمة الحكم العربي، مَلَكِيُّها وَرِئاسِيُّها، تمارس الديمقراطية الحرة! (…) وكأن القوى “العلمانية” السياسية والفكرية العربية (…) تملك رؤىً ديمقراطية، وطورت برامج حكم وإدارة حداثية، وقادت طفرات تكنولوجية واقتصادية!؟ إن الفضاء العربي في مجمله، بإسلامييه وعلمانييه، برسمييه ومعارضيه، قمعي مستبد، ومسؤولية تغيير ثقافة الاستبداد المسكون بها العالم العربي، اليوم، مسؤولية جماعية، وليست مقتصرة على فصيل واحد”. هل يعني ذلك أن أبو أرشيد يبرر لحركة “الإخوان”، ومعها نظام حكمهم في عهد محمد مرسي، تغييبهم للديمقراطية وتعطيلهم للمؤسسة؟ إذا كان ذلك كذلك، فكيف يعتقد أنه يمتلك ومعه “الإخوان” الحق في إدانة انقلاب عبد الفتاح السيسي، طالما كان غياب الديمقراطية هو الطبيعي، وتوفرها استثناء؟ إن عدم اتخاذ “الإخوان” موقفاً حاسماً حيال الديمقراطية، والذي يكشف عدم قدرتهم منهجياً وفكرياً على هضمها واستيعابها، يستمر في الانعكاس حتى في مواقف مناصريهم.
كما أن تجربة حركة النهضة في تونس، التي يستشهد بها أبو ارشيد، هي نفسها ترد عليه. إذ أثبتت أن بلورة رؤى واضحة عن الديمقراطية، وممارستها، أمر ممكن، حين لم تنتظر الحركة أن يبدأ الآخرون، ولم يكن تقاعس بعضهم مبرراً لديها لتأجيل المسألة الديمقراطية برمتها، بل كانت وفية لمراجعاتها، ولموقفها المعلن من المسألة الديمقراطية، ولتغليبها المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية الضيقة، التي أصبحت من الأمراض التنظيمية التي أشار إليها أبو أرشيد، عند معالجته لأزمة “الإخوان”.
وإذا كان “استمرار استهداف الإخوان أمنيّاً وعسكريّاً، ومحاولة إقصائهم وتهميشهم هو ما سيفتح الطريق معبدة أمام بروز “التطرف الديني”، ردّاً على “التطرف العلماني”” فأحيل أبو أرشيد إلى تعليق أحد القراء الكرام على مقاله، حيث تساءل فيه عن حجم التبسيط الكامن في تبرير التطرف الإخواني بظروف القمع التي تعاني منها حركة الإخوان في مصر. والسؤال الآخر والمهم الذي يطرحه القارئ، والذي ينتظر من أبو أرشيد، إجابة هو: “لماذا لم تنتج التنظيمات الأخرى ذات التطرف عندما تعرضت للقمع في الأردن ومصر وسورية وغيرها”.
لم تثن بيروقراطية مزعومة، أو غيرها، حركة النهضة عن حسم أمرها باتجاه نصرة الديمقراطية، وتأييد ثورة الشعب، فمضت في المسار الديمقراطي بأقصى ما أتيح لها الوصول إليه، وقدمت تنازلاتٍ، إن لم تكن في صالح الحركة، فقد كانت في صالح الوطن التونسي، فامتلكت الشجاعة لقبول عدم التنصيص على الشريعة في الدستور، فضمنت بذلك لتونس دستوراً غير مسبوق (حتى الآن) في العالم العربي. تلك الشجاعة التي يعادلها شجاعتها في اعترافها ببعض أعمال العنف، واعتذارها عما ارتكبه بعض كوادرها. هل امتلك “الإخوان” الشجاعة الفكرية، وبالتالي، السياسية لحسم موقفهم، والمضي بالديمقراطية قدماً؟ وإذا كانوا هم أنفسهم، كما يرى أبو أرشيد، أحد ضحاياها وأشد المتأثرين في غيابها، أفلا يعني ذلك أنهم يتحملون مسؤولية أكبر عن التفريط بها؟ لقد انفض السلفيون وبعض الإسلامويين من حول “النهضة”، اعتراضاً على عدم التنصيص على الشريعة في الدستور، ليرتكبوا العديد من أعمال العنف، لكن، لم نسمع عن قوى علمانية “متطرفة” معترضة على نتائج العملية الديمقراطية قامت بأعمال مماثلة.
نعم، لم تربح حركة النهضة في الانتخابات الأخيرة، لكنها لم تخسر، حين فازت الديمقراطية التونسية التي أتاحت للحركة، بعد سنوات من العمل السري والقمع والإبعاد، أن تكون حزباً في فضاء سياسي تعددي، وأحد أركان ثقافة المؤسسات والوعي الديمقراطي التونسي، لتشكل، مع غيرها من القوى الوطنية الديمقراطية، منطلقا لبناء المجتمع التونسي الحديث، متفائلين أن تعم رياحها العالم العربي. بهذا المعنى، ونتيجة لظروف ذاتية، بالدرجة الأولى، تكون حركة “النهضة” قد فازت، بينما خسر آخرون.

* كاتب فلسطيني/ “العربي الجديد”