الرئيسية / وجهات نظر / تونس.. مخاوف وآمال
BACHIR

تونس.. مخاوف وآمال

تحول الفرح بانتصار المسار الديمقراطي في تونس، إلى قلق وترقبٍ، بمجرد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية التي تصدّرها حزب “نداء تونس”. رحبت الأوساط المهتمة بالوضع التونسي بحسن سير العملية الانتخابية، وتقبّل الأطراف كافة نتائجها، ولكنها توقفت أمام المعاني التي حملتها النتائج، خصوصاً لجهة بروز حزب “نداء تونس” رقماً أساسياً في الساحة التونسية.

والمعنى المباشر للنتائج هو أن مفاتيح السلطتين، التنفيذية والتشريعية، باتت عملياً في يد هذا الحزب، الذي يؤهله فوزه بالأغلبية لتولي رئاسة الحكومة والبرلمان، وهذا أمر طبيعي، لأن هذا حق لأكبر كتلة برلمانية في العرف الدستوري، ولا يستحق التعليق كثيراً في الظروف الطبيعية، لكنه مدعاة لطرح الأسئلة، وإثارة القلق والمخاوف في الحالة التونسية.

ليس من حق أحد أن يصادر من حزب “نداء تونس” نصره الذي حازه بأصوات الناخبين الذين اختاروه بإرادتهم. وفي الوقت ذاته، إن الحديث عن مخاوف أثارها هذا النصر، ليس من قبيل الانتقاص من جدارة هذا الحزب أو موقعه، أو التشكيك بمكانته في الشارع، إلا أن المسار الذي سارت عليه تونس، منذ قيام ثورتها ضد نظام زين العابدين بن علي، يحتمل مقاربة ونظرة مختلفتين، تنطبقان على حزب “النداء”، كما هو الأمر على غيره من الأحزاب التي كانت مرشحة للصدارة، وخصوصاً حركة النهضة التي ظلت الأوساط كافة، منذ بداية المسار الديموقراطي، تعدّها القوة الرئيسة في الساحة.

كانت المخاوف والهواجس طاغية لدى التونسيين، وبعض الأوساط العربية والدولية، من أن تكتسح حركة النهضة الانتخابات التشريعية، وقد لعبت هذه المخاوف في دفع أوساطٍ لا يستهان بها من الناخبين إلى التصويت للأحزاب، صاحبة الخطابات المعارضة للحركة. ولم تكن “النهضة” غافلة عن هذا الجو الذي تطلب منها التعامل بحذر شديد مع الاستحقاق الانتخابي، لكيلا تكرر أخطاء تجربة الإخوان المسلمين في مصر.

المفارقة أن الشارع الذي أراد أن يبعد عنه شبح أحادية “النهضة” رمى بنفسه في فخ أحادية جديدة، يمثلها حزب “نداء تونس” الذي يتطابق برنامجه الاقتصادي مع برنامج النهضة، لكنهما يختلفان في رؤية حكم البلاد، والنظرة إلى إدارة شؤون المرحلة الانتقالية، والتعاطي مع ملفات الثورة الكثيرة التي تنتظر استقرار الحكم. وهنا، يمكن للمراقب أن يتخيّل بأن طريق الحكومة القادمة لن تكون سالكة بسهولة.

أكثر المخاوف تتلخص في مسألتين. عودة النظام القديم، وإقامة “نداء تونس” ديكتاتورية جديدة. وفيما يخص النقطة الأولى، تبدو الصورة واضحة جداً، فالعديد من قيادات وكوادر “نداء تونس” هي من صلب النظام القديم، وعلى رأسها زعيم “النداء” ومرشحه للانتخابات الرئاسية، الباجي قايد السبسي، وهذه الشخصيات أبعد ما تكون عن روحية الثورة التي أجبرت بن علي على الهرب، وقد شملها جو التسامح السياسي الذي أشاعته الثورة، لتعود من جديد إلى العمل السياسي بحرية، وليس هناك أي ضمانة أنها قطعت مع عقلية الماضي وأدواته التي لاتزال موجودة في مرافق الدولة كافة، ويمكنها أن تنقلب، بين عشية وضحاها، على منجزات الثورة.

أما النقطة الثانية فهي تتعلق بالمنافسة على كرسي الرئاسة، وهي تبدو معركة صعبة جداً، وإذا أخذت مسار الانتخابات التشريعية، فإنها ستؤدي إلى هزةٍ سياسيةٍ كبيرةٍ لن تكون ارتداداتها هيّنة، بالنظر إلى أن حزب “نداء تونس” سوف يصبح ممسكاً بالمؤسسات الثلاث، التشريعية والبرلمانية، وهو ما سيقود حكماً إلى تنصيب ديكتاتورية الحزب الواحد بكل مساوئها، التي لم تنجُ منها حتى الديموقراطيات العريقة في أوروبا التي قطعت شوطاً طويلاً على طريق التداول السلمي للسلطة، ورسخت تقاليد على صعيد تجربة المشاركة.

* شاعر وكاتب سوري/”العربي الجديد”