الرئيسية / وجهات نظر / نحو حل قضية الصحراء (2): الصبر الإستراتيجي والتكتيك الفاعل
6548d55a1cd40888cef49ddbdb386585

نحو حل قضية الصحراء (2): الصبر الإستراتيجي والتكتيك الفاعل

 

يعتبر القرار الذي أصدره مجلس الأمن الدولي قبل أكثر من عام بخصوص قضية الصحراء نصراً تكتيكياً للمغرب. ومع أن النصر التكتيكي لا يقدم ولا يؤخر بالنسبة لأية قضية مصيرية، إلا أنه يتسبب عادة في إصابة الفريق الخاسر بخيبة أمل تدفعه إلى إعادة حساباته وقد فشل في الحصول على نصر يعزز موقفه ويعيد إليه الأمل. إن ما حدث في نيويورك كان بمثابة رسالة غير مباشرة للطرف المناوئ للمغرب تقول إن الطريق أمامه طويل تعترضه عقبات جمة، وإن النصر ربما أخد يبتعد بدلاً من أن يقترب.
يتصف الموقف الإستراتيجي عادة بالجمود والوضوح في آن واحد، ما يجعل القضية التي يدافع عنها غير قابلة للتفاوض أو الحلول الوسط، فيما يجعل صاحبها يبدو متطرفاً من الصعب التفاهم معه. أما الحراك التكتيكي فيتكون من خطة دبلوماسية مرنة تقوم بطرح مبادرات تستهدف الضغط على الطرف المناوئ وإضعاف موقفه أمام الرأي العام الدولي. وفيما يكمن الموقف الإستراتيجي بالنسبة للمغرب في الحفاظ على وحدة التراب المغربي، غاب عن أجندة الدبلوماسية المغربية الحراك التكتيكي القادر على كسب المزيد من الشرعية الدولية. وهذا يعني أن المغرب بحاجة لخطة تكتيكية خلاقة تفرض على جبهة البوليساريو مواجهة التحدي المغربي والقيام بطرح مشاريع تقترب ولو جزئياً من الخطة المغربية. أما فيما يتعلق بجبهة البوليساريو، فإن الموقف الإستراتيجي بالنسبة لها يتمثل في الحصول على استقلال وهوية وسيادة على أرض محددة، والاعتماد على قوى خارجية بدلاً من تطوير خطة تكتيكية تحافظ على حيويتها وتواجد قضيتها على الساحة الدولية. وهذا يعني أن البوليساريو بحاجة لخطة دبلوماسية مرنة تقوم بطرح مبادرات سياسية تستهدف تصعيد الضغوط على القيادة المغربية. ولما كان من طبيعة الخطط التكتيكية أن تتحرك دوماً إلى الأمام من خلال تقديم مبادرات جديدة تتجاوب مع بعض مطالب الطرف الآخر، فإن تلك الخطط تقود عادة، غالبا من دون وعي الأطرف المتنازعة، إلى تقريب وجهات النظر وإيجاد حلول لمعظم القضايا الخلافية.
ويمكن القول أن الاقتراح الأمريكي بشأن حقوق الإنسان في الصحراء كان بمثابة محاولة تكتيكية من جانب أصدقاء البوليساريو لإحراج المغرب وإضعاف موقفه أمام الرأي العام الدولي. إلا أن تراجع أمريكا أمام صلابة ودينامية الموقف المغربي وتمرير قرار دولي جديد بشأن الصحراء لا يخدش الموقف المغربي أدى إلى إضعاف موقف البوليساريو وتعزيز موقف المغرب على حسابه. وهذا يفتح فصلاً جديداً في عملية النزاع حول الصحراء يبدو فيه موقف البوليساريو أكثر ضعفاً من السابق، فيما يبدو موقف المغرب أكثر قوة من الماضي ما يفرض على المغرب أن يبادر بطرح مقترحات جديدة تعمل على تقريب وجهات النظر بين الطرفين. وهذا هو ما سنحاول أن أطرحه في إطار “الوطن المشترك” ضمن صيغة خلاقة يحصل الصحراويون بموجبها على حقوق سياسية وسلطات إدارية واسعة من دون الإخلال بسيادة المغرب أو الحدود السياسية القائمة، أو تغيير الترتيبات الوطنية التي تساوي بين كافة المغاربة والصحراويين.
ترتكز فكرة الوطن المشترك على مبادئ أساسية أهمها:
1.    عدم جواز الإخلال بالحدود السياسية القائمة.
2.    حق كل الفئات الإثنية والقومية أن تختار نظام حياتها السياسي والاقتصادي وهويتها الثقافية.
3.    التكامل الاقتصادي بوصفه أداة نمو ونماء، وإطاراً لتعايش الأطراف المعنية يتحاوب مع متطلبات العصر التي تمليها حقائق الواقع على المستويات المختلفة.
4.    الالتزام بالديمقراطية والتعددية السياسية والثقافية كمصدر للشرعية وأداة لحل الخلافات بالطرق السليمة.
5.    إقامة نظم أمن مشتركة بوصفها أداة لحماية استقلال الكيانات المختلفة، وإطارا لتحقيق الاستقرار على المستوى الوطني والإقليمي.
بناء على هذه المبادئ يتم خلق وطن مشترك لجميع مكونات ذلك الوطن من الناس، وفصل الأقليات التي تطالب بكيانات سياسية أو ثقافية خاصة ضمن حدود تشكل فيها أغلبية السكان، مع الحفاظ على وحدة جميع السكان من النواحي الاجتماعية والاقتصادية والسكنية. وهذا يعني أن “الوطن المشترك” يفتح المجال لحصول الأقليات على حقوق تتراوح ما بين خصوصية ثقافية إلى كينونة سياسية، وبالتالي تمكينها من إدارة شؤون حياتها الاقتصادية والثقافية وأحيانا السياسة الداخلية بحرية من دون الإخلال بحدود أو أمن الوطن المشترك أو مساواة المواطنين فيه. هناك ثلاث حلقات متداخلة تشكل فيما بينها الوطن المشترك: فصل سياسي على طول خطوط إثنية ضمن حدود الوطن الأكبر، تكامل اقتصادي واجتماعي وإنساني عبر الحدود داخل ذلك الوطن، وإطار أمن مشترك تقوم بتشكيله وإدارته الكيانات السياسية المختلفة. وهذا يعني عدم جواز قيام كيان سياسي يتم خلقه في سياق هذه العملية ببناء جيش خاص أو توقيع معاهدة أمنية مع دولة أجنبية. كما تعني ترتيبات الوطن المشترك ضمان المساواة بين كافة المواطنين في السكن والعمالة والاستثمار والتجارة وملكية الموارد الطبيعية الحالية والتي يتم اكتشافها في المستقبل.
من ناحية ثانية، تستوجب ترتيبات فصل الأقليات إلى كيانات مختلفة حصول كل المواطنين من خارج حدود كل كيان على حق الإقامة في كل كيان آخر، والمشاركة في الانتخابات المحلية التي تشرف على إدارة الخدمات وحل القضايا اليومية للمواطنين، ولكن عدم جواز المشاركة في العملية السياسية التي تحدد شكل نظام الحكم ومؤسساته داخل كل كيان. بناء على ذلك يصبح بإمكان كل أقلية تحصل على كيان خاص أن تضمن عدم تحولها إلى أقلية داخل حدودها بفعل الهجرة من خارج تلك الحدود. وهذا يعني أن حق المشاركة في العملية السياسية مكفول لكل مواطن ضمن حدود الكيان الذي ينتمي إليه، ومحظور ضمن حدود الكيان الذي لا ينتمي إليه، حتى وإن أقام فيه. إن من شأن هذه الترتيبات تمكين الأقليات الإثنية من الانفصال سياسياً عن بعضها البعض، وتمكين الأفراد والمؤسسات الاقتصادية والمنظمات الاجتماعية والثقافية من التوحد عبر كل الحدود والعمل بحرية.
أما فيما يتعلق بنظام الأمن المشترك فيتم تشكليه من قبل الكيانات المكونة للوطن الأكبر وتحديد مهامه الأساسية في الدفاع عن حدود الوطن المشترك وسيادته وحماية سيادة الكيانات الصغيرة وضمان استقرارها وأمنها والحيلولة دون وقوع صراعات داخلية تهدد السلم الاجتماعي فيها وفيما بينها. إذ تشير تجربة العديد من الدول إلى أن الأمن الوطني لا يرتكز فقط على القوة العسكرية لحماية الحدود من احتمالات قيام قوى أجنبية بالاعتداء عليها، بل يرتكز أساساً على القضاء على أسباب الصراع والنزاع وعدم الاستقرار الداخلية مثل حرمان الأقليات من حقوقها، وشيوع الكبت والفقر والظلم، وعدم احترام حقوق الإنسان والمرأة وغير ذلك من قضايا مجتمعية.
وباختصار، الوطن المشترك فكرة مستقبلية من شأنها تحقيق أكبر قدر ممكن من الفوائد التي تصاحب عادة عمليات التكامل الاقتصادي، وتقليل الخسائر التي تترتب عادة على عمليات الفصل السياسي، والتخلص من الأخطار التي تخلقها عادة عمليات إقامة جيوش وأجهزة استخبارات وأمن متنافسة. إنه نظام اجتماعي سياسي اقتصادي وإنساني خلاق يقوم على الفصل فيما يتعلق بالقضايا الإثنية الثقافية والسياسية، والتعاون والتنسيق فيما يتعلق بالقضايا الاقتصادية والمالية، والمساواة فيما يتعلق بملكية الموارد الطبيعية، والوحدة فيما يتعلق بالقضايا الأمنية.
ويلاحظ القارئ أننا ابتعدنا عن الدخول في التفاصيل كي يبقى المجال مفتوحاً أمام المغرب والبوليساريو لطرح مبادرات جديدة تُقرب وجهات النظر فيما بينهما. وهنا نود أن نشير إلى أن تجربتنا الشخصية في العمل السياسي والحوار تقودنا إلى حث القيادة المغربية والبوليساريو على استخدام كل الوسائل المتاحة للتواصل والتحاور لأن الاعتماد على هيئة الأمم المتحدة والقوى الدولية هو مضيعة للوقت والجهد. إن القوى الكبرى لا تهتم بحل النزاعات الدولية بل تهتم بإدارتها لأنها تنظر إلى بؤر النزاع بوصفها أدوات تستخدمها لتعزيز مصالحها على حساب الغير. لذلك سنقوم في الجزء التالي بالتركيز على دور القوى الكبرى في خلق وإدارة النزاعات الدولية.

*أستاذ الاقتصاد السياسي الدولي في عدة جامعات عربية وأمريكية من بينها جامعات جورجتاون وجونز هوبكنز والجامعة الأمريكية في واشنطن. وجامعة الأخوين في المغرب والكويت، له عشرات المؤلفات في اللغتين العربية والإنجليزية في الاقتصاد والسياسة وحل النزاع والثقافة والاجتماع وفلسفة التاريخ، كما هو أكثر من رواية وقصة ومجموعة شعرية. www.yazour.com