الرئيسية / وجهات نظر / حتميّة التوافق
7e8f7fa1dd2aca493f9039429998afc7

حتميّة التوافق

بعيدا عن نوايا المبادرات التي تُطرح فإنّ مبدأ التوافق يكاد يكون محلّ تشارك بين كلّ الفرقاء وهو مبثوث في خطاباتهم، بقي أنّ السياسيّين والأحزاب يعملون كلاّ من جانبه على احتكار ذلك المبدإ ويفعل كلّ واحد منهم ما في وسعه للاستئثار به والاستفادة من مزاياه.
لقد اثبتت تجربة الحوار الوطني التي رعتها مبادرة الرباعي نجاعة جلوس الفرقاء السياسيّين بعضهم الى بعض تقريبا لوجهات النظر وخفضا لدرجات الاحتقان والتوتّر، وإلى اليوم تعيش الحياة السياسيّة على وقع خارطة الطريق وما توصلّت اليه من تعهدات وتوافقات أكّد مهدي جمعة رئيس الحكومة أوّل أمس أنّه لا يجبُ أبدا تجاوزها أو تخطّيها او التعدّي عليها حتّى وإن كان المغنم دخول قصر قرطاج.
لقد جُرّب التوافق فصحّ وكانت له نتائج إيجابيّة، واتّضح أنّ هذا التوافق فيه الكثير من الحكمة، وبما انّ الحكمة ضالّة المؤمن وعليه التقاطها حيثُما وجدها فما الّذي يقف دون أحزابنا وسياسيّينا حتّى لا يتمسكون بالتوافق ويُضاعف كلّ واحد فيهم جُهده لكي لا ينفرط عقد الحوار والتواصل والتفاهم وحتى لا تسقط البلاد مرّة اخرى في أتون التجاذب والاستقطاب وأجواء الضبابيّة والاحتقان.
وفي هذا الصدد فإنّ الدعوة التي وجّهها الاستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة مؤخراً الى الاستاذ الباجي قائد السبسي للحوار وإعادة تنشيط مسالك التوافقات الوطنيّة تبقى دعوة مهمّة في هذه المرحلة الدقيقة التي تستعدّ فيها البلاد الى إنهاء المسار الانتقالي ووضع قاطرة البلاد على سكّتها الصحيحة والثابتة.
برغم بعض المشوشين والمُزايدين فإنّ الامل يبقى كبيرا في أن يستجيب زعيم نداء تونس الى الدعوة الموجّهة إليه فلقد أثبتت الأحداث أنّ للشيخين منزلة محترمة في المشهد السياسي وأنّهما كلّما التقيا إلاّ ولاح البريق الحسن وأتبع خطوهُما البقية.
فلقاء باريس يوم 11 أوت 2013 لايزال عالقا في الأذهان وهو لقاء أرّخ لانطلاقة جديدة للثورة والمسار الانتقالي أنهت الازمة السياسيّة الخانقة والصعبة التي عرفتها بلادنا عقب اغتيال الشهيد الحاج محمّد براهمي وفتحت المجال لاستكمال سريع وناجع لجميع المهمّات التأسيسيّة من دستور وهيئات وطنيّة مستقلة وقانون انتخابي.
عاشت تونس على أبوّة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة وهي تكاد تكون اليوم يتيمة تبحثُ عن زعماء يحضنون مشروعا وطنيّا جامعا لا يُقصي ولا يستثني أحدا ويعملُ على دفع البلاد الى آفاق رحبة للتطوير والتحديث ومٍغالبة تحديات ورهانات العصر الصعبة والمعقّدة في اجواء من الوحدة والتعايش البنّاء والاحترام المتبادل والمشاركة السياسيّة الواسعة.
الغنوشي والسبسي من طينة الزعماء الَّذِينَ يُمكنهم أن يسدّوا الثغرة الّتي تركها الزعيم بورقيبة والطريق أمامهُما سالكة ومُعبّدة لكي يدفع كلّ من جانبه بقاطرة التوافق وتثبيت ركائز التواصل والحوار وتعزيز اركان الوحدة الوطنيّة وإيقاف مشاريع التقسيم المجتمعي والاستقطاب الايديولوجي ، ومن ثمّ انجاح المسار الانتقالي والتجربة الديمقراطية الوليدة والناشئة.
توافق الرجلين ومن ورائهما سائر القوى يكاد يكون حتميّا ومصيريّا لتجنيب البلاد المزيد من التعب والإرهاق والمشاكل.
“الشروق” التونسية