الرئيسية / وجهات نظر / هل تصبح تونس وليبيا بلدا واحدا؟
f83cda0f037f577cc29392156467e479

هل تصبح تونس وليبيا بلدا واحدا؟

تعيش تونس خلال هذه الصائفة على وقع موجة هجرة ليبية مفاجئة وغير منظمة، مما تسبب يوميا ومازال يتسبب في بروز مشاكل عديدة ومتنوعة، وفي تشكل مواقف لدى الرأي العام تتراوح بين رفض الهجرة وإدانة مقترفيها وبين القبول بها كأمر مقضيّ أو التهليل لها بصفتها فرصة للنفع المادي. أمام هذا المعطى غير المألوف، يحق التساؤل: هل أنّ هجرة الليبيين إلى بلدنا أمر إيجابي أم سلبي؟ وهل هنالك مخرج أفضل من مخرج آخر لتسوية الوضع الجديد الذي انجر عنها؟ وهل بالإمكان أن يستفيد الليبيون والتونسيون على حدّ سواء من هذه الهجرة؟ ومن أيّ باب تكون الاستفادة؟
لو بدأنا بوضع الهجرة في إطارها الإقليمي والدولي سوف يتبين لنا أنّها جاءت كنتيجة حتمية لجملة من الصراعات – الداخلية في كل من تونس وليبيا – باعتبار ما اصطلح على تسميته بـ”الربيع العربي” وأيضا كنتيجة لصراعات إقليمية تشمل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وروسيا وتركيا فضلا عن إيران ومنطقة الشرق الأوسط – مصر وسوريا بالخصوص- والعراق والخليج العربي.
ثم إنّ هذه الحتمية عرضة للتوجيه نحو أهداف مختلفة. وقد تكون هذه الأخيرة إيجابية كما قد تكون سلبية بالنسبة لشعب تونس أو لشعب ليبيا أو لأيّ واحد من الشعوب المعنية بالصراع العام. لكن إيجابية التوجيه أو سلبيته تتوقف على تحديد الجهة التي ستقوم بالتوجيه. ولئن ثبت إلى حدّ الآن أنّ هجرة الليبيين إلى تونس مردّها الوضع الأمني المزدري وأنّ هذا الوضع جاء كنتيجة لـ”ربيع عربي” مسطر من طرف الجهة الامبريالية المدعومة من أطراف عرّابة فإنّ هذا لا يعني أنه يستحيل على أيّ جهة ثانية غير الجهة المريدة لـ”الربيع العربي” بأن توجّه المعطيات الجديدة – مثل حدث الهجرة الليبية- نحو ما تريده هي حتى يسفر التوجيه عن مخرجات إيجابية لتونس ولليبيا ولكل العرب.
في هذا الإطار أقول الحمد لله الذي جاء الوقت الذي لم يعد من الممكن الحديث فيه عن تدخل التونسيين في الشأن الليبي وعن تدخل الليبيين في الشأن التونسي. ها نحن أمام حتمية التناول “البرغماتي”، يوميا وربما في كل ساعة، للأوضاع العاجلة والمتغيرة. وهذا ليس بجديد إلا على من لا يدرك مدى المتانة التي كانت عليها العلاقات بين شعوب منطقتنا المغاربية والعربية عبر التاريخ. لقد كانت بلدانا مثل تونس والجزائر، أو تونس وليبيا، بلدا واحدا. وها أنّ هذه الأقطار مطالبة اليوم باستبطان الشعور الوحدوي من جديد. إنّ مراجعة التاريخ المشترك ومن ثمَّ العمل حسب متطلبات العيش المشترك كفيلة بالتكفل بالبقية.
لذا أعتقد أنّ من واجب التونسيين والليبيين مباركة هجرة الليبيين إلى تونس وأية موجة مماثلة. لكن هنالك شرط لا بدّ أن يتوفر لدى كل الفاعلين في مجل قيادة الرأي: البحث عن سبل الوحدة بين الشعبين المتكاملين ومن ثَم تحيّن الفرص لضمّ الشعوب الإقليمية الأخرى إلى نفس المشروع الوحدوي هو الضمانة لمناهضة مشروع “الربيع العربي” الفوضوي. كما أني أعتقد أنّ وجود مشروع ربيع عربي حقيقي من شأنه أن يجنب السياسيين والعامة في تونس السقوط في تصوير لوحة قاتمة لموجة الهجرة الحالية، وذلك بعيون منسلخة عن الثقافة الخصوصية، فرنكوفونية كانت أم متأمركة.
على صعيد متصل، ما من شك في أنّ حسن توظيف الهجرة الليبية واستقراء عوامل الوحدة التي تخفيها عملٌ متسقٌ مع روح العصر الراهن ومتطلباته التي من أهمها إرساء نظام حكم – على غرار الديمقراطية – يتسم بأكثر عدل ومساواة بين الناس. وفي هذا السياق نلاحظ أنّ التحولات السياسية في أوروبا وأميركا بُعيد الحرب العالمية الثانية والتي آلت إلى إرساء نظام الحكم الديمقراطي لم تمكن هذا النظام من البروز في أميركا فقط أو في فرنسا فقط أو في ألمانيا فقط أو في إيطاليا فقط. فهذه التحولات طالت العالم الأوروأميركي دفعة واحدة، (عدا الكتلة الأوروبية الشرقية).
بالموازاة، هل أنّ عملية مشابهة للتحول السياسي في مجتمعاتنا ستكون عملية آلية تبدأ بتونس ثم تعمّ ليبيا وسائر المغرب العربي والشرق الأوسط بما يعني أنّ هنالك نموذج تونسي سيتبعه الآخرون؟ كلا، لن يكون هنالك نموذجا تونسيا لنظام حكم جديد إلا في صورة أنه إملاء امبريالي. في المقابل، من الممكن أن يكون هنالك نموذجا تونسيا للتصور وللإرشاد ولقيادة الرأي من شأنه أن يؤول شيئا فشيئا إلى نموذج لنظام الحكم يكون مشتركا في التصور وفي التبني بين سائر البلدان المغاربية والشرق أوسطية والخليجية.
بكلام آخر، لا تونس بمفردها ولا ليبيا ولا الجزائر ولا المغرب ولا موريتانيا ولا مصر ولا السودان ولا أيّ مجتمع شرق أوسطي أو خليجي، بمفرده ودونما تفكير وتخطيط وتنسيق مع الآخرين، بقادر على أن ينجح في التحول السياسي نحو نظام أكثر عدلا ومساواة، ولا في سلك الطريق إلى التقدم العلمي والتكنولوجي وتحقيق الازدهار الاقتصادي والاجتماعي.
لنعد إلى واقع الهجرة الليبية اليومي ولنرَ ماذا بإمكان السلطة في تونس أن تفعله – عاجلا – لكي تحوّل المساوئ إلى مزايا، ولكي تتهيأ التربة للإنجازات الآجلة. في هذا السياق، وأمام توافد إخواننا الليبيين على أرضنا وأمام المضايقات والتضييق والمزايدات التي أصبحت تعاني منها فئات من الشعب التونسي جراء هذه الموجة من الهجرة غير المنظمة، نطالب حكومة المهدي جمعة بأن تتخذ إجراءات عاجلة لحماية التونسيين والليبيين، من بينها نذكر:
الرقابة المشددة على أسعار المواد الغذائية مع إعطاء الأولوية للتونسيين.
تنظيم قطاع تأجير الشقق والبيوت مع تغليب منطق الأولوية للتونسيين على منطق قانون العرض والطلب.
منع بيع الشقق والبيوت وسائر العقارات إلى الليبيين إلى حين تقنين عمليات البيع والشراء حسب مقتضيات العيش المشترك بين الشعبين الاثنين.
تخصيص الفنادق السياحية لإيواء المهاجرين الليبيين بمقابل يحدد بالاتفاق بين الحكومة وأصحاب الفنادق.
إدماج الشباب المدرسي الليبي طبقا لخطة محكمة تشترك في إعدادها جميع الأطراف المعنية.
الضرب بشدة على أيدي المتلاعبين بالذوق العام وبالأخلاق العامة من تونسيين وتونسيات وليبيين وليبيات ممن تسوّل لهم أنفسهم تجاوز الحرية الفردية لدوس الحرية العامة إن بالعربدة والتسكع أم بممارسة الفواحش والرذيلة في الأماكن العمومية والمناطق السكانية.
إحداث ضريبة مالية تدفع شهريا أو ثلاثيا من طرف كل فرد ليبي أو عائلة ليبية بعنوان الإذن بالهجرة مقابل خدمات تسديها الدولة التونسية للمهاجرين على غرار الإدماج المدرسي والعناية الصحية والانتفاع بالدعم على المواد الأساسية وسائر المرافق العامة التي يتمتع به التونسيون.
بالنهاية وفي انتظار تصحيح النظرة إلى الهجرة عموما وإلى هجرة الجيران الليبيين على الأخص، نرجو من الله العلي القدير أن يعين شعوبنا على تهدئة المناخ المتوتر تارة والمضطرب طورا والكارثي أحيانا الذي يسود منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط، وأن يهدي الجميع إلى الانخراط في مشروع الوحدة والتحرر الأكبر.
*كاتب تونسي    
“ميدل ايست أونلاين”