الرئيسية / وجهات نظر / داعش والمسيحيون.. والجزية في الإسلام
880d0303feab0af5ae99b4b01a17e77b

داعش والمسيحيون.. والجزية في الإسلام

داعش تنظيم مسلح كعشرات التنظيمات التي ادعت الإسلام ووسمت بالإرهاب، وهي ليست منزهة ولا معصومة من الخطأ، ولا هي حجة على الإسلام والمسلمين، تنظيمات وليدة ظروف غير طبيعية، وتعيش حالة غير طبيعية، وكلها تمول من الخارج والداخل بالحلال والحرام، وتفتي وتشرع وتقتل وتغتصب وتهجّر باسم الدين. بسببهم أصبح الأصدقاء والأعداء يسقطون الأخطاء على الإسلام عفوا وعمدا، وفي كل مرحلة يسقطون ثبتا من ثوابت الدين، شُوه معنى الجهاد، ودُنس مفهوم النكاح، وهُزلت صورة الحجاب، وأسقطت الجزية، وانتُهكت حرمة المساجد ودور العبادة والأعياد، وأسيء إلى الرموز، فحلل الحرام وحرم الحلال، إنا لله وإنا إليه راجعون.
المسيحيون أهل كتاب يحترمون في الإسلام ويكرم نبيهم، للمسلمات بمريم ابنة عمران التي أحسنت فرجها قدوة حسنة، وعاش المسيحيون في العراق قرونا، حتى الذين نزحوا من أرمينيا في الخلافة العثمانية أثناء الحرب الأولى وجدوا في العراق ملاذا آمنا وعونا، ولم يتعرضوا لسوء، ولا نتنكر لعراقية المسيحيين حتى من دان منهم للغرب بولاء وتطلع إلى العيش في أوروبا وأميركا توقا لحريات شخصية أوسع، وبريق المدنية، وتوافرت للمسيحيين في العراق خلال خمسين سنة سبقت الاحتلال الأميركي كل الحصانات والحقوق، لهم أعيادهم، ولهم كنائس في كل مكان، فضلا عن النوادي والملاهي الليلية ومحلات بيع الخمور، ومع ذلك لم توقف هجرتهم إلى الغرب، وظلت الهجرة بالنسبة إليهم طموحا ليس في العراق فحسب بل في كل البلاد العربية، وحبذا لو قدم لنا الاتحاد الأوروبي إحصائيات دقيقة بهجرة المسيحيين العراقيين خلال العقود الماضية، فهجرتهم لم تكن لاضطهاد إنما للبحث عن فرص أحسن وحياة أفضل اقتصاديا، وفرنسا بالذات تغريهم بالهجرة وتتذرع بتفجير كنيسة واختطاف راهب وقس لتسهل سبل هجرتهم، والمغزى في قلب الشاعر، وبعد الاحتلال الأميركي للعراق وما جلب للبلد من الخراب والويلات لم تقتصر الهجرة على المسيحيين فحسب بل شملت المسلمين من كل الديانات.
والجزية في الإسلام ليست بدعاً بين الأديان، فأخذ الأمم الغالبة الجزية من الأمم المغلوبة عرف سائد قبل الإسلام، وأُخذت الجزية من المسيحيين، وأخذها المسيحيون من غيرهم، يقول المسيح لسمعان: «ماذا تظن يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال بطرس من الأجانب. قال يسوع: إذاً البنون أحرار» (متى17/24-25) وأخذ الأنبياء عليهم السلام الجزية من الممالك المغلوبة بأمر من الله، بل استعبد النبي يشوع الكنعانيين «فلم يطرد الكنعانيين الساكنين في جازر وأسكنهم وسط افرايم إلى اليوم وكانوا عبيداً تحت الجزية» (يشوع 16/10)، ولم تنقض المسيحية شرائع اليهودية، بل تممت الناموس فأمر المسيح أتباعه بدفع الجزية للرومان، وسارع بدفعها عن نفسه (متى 17/24-27). ونصح اليهود كما في العهد الجديد بدفعها: «أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه» (متى 22/16-21)، ويعد أداء الجزية للسلاطين حقاً مشروعاً، بل ويمنحه قداسة: «أعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، والجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام» (رومية 13/1-7).
وكعادة الإسلام يترفع عن الدنايا ويسمو فوق ما شرع الآخرون، ويترك بصمته، فلم يجعل الجزية أتاوة المغلوب للغالب، وإنما وفاء بالعهد يعقد لأهل الذمة لقاء إعفائهم من تحمل بعض المسؤوليات التي يتحملها المسلمون، وتؤخذ من المقاتلين حصرا بنص الآية «قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى ايُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ»، التوبة29، لقاء حمايتهم وخدمات تقدم لهم، يرى القرطبي: إجماع العلماء ان الجزية توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين المقاتلين، وترفع عن النساء والذرية والعبيد والمجانين، وكتب عمر إلى أمراء الأجناد: «لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي»، وجعل الرسول الكريم أمرها ميسورا، دينارا واحدا سنويا، وأصبحت أربعة دنانير على عهد الخليفة عمر. تؤخذ بالإحسان وحرمت الشريعة الظلم والبغي، وفي الحديث الشريف «من ظلم معاهداً أو انتقصه حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة»، ويقول: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة». وللعلم أسقطت الخلافة العثمانية الجزية عن المسيحيين قبل سقوطها بخمسين عاما.
أود الإشارة الى أنني أكتب مقالة صحافية لست محققا ولا مفتيا، وأردت هنا تذكير الكتاب ألا يتحدثوا في أمور الدين الشرعية قبل التثبت لكي لا نسيء إلى أنفسنا وديننا، فلا تأخذنا الحمية على إخواننا المسيحيين، والغضب على داعش فنقع في المحذور، وتيسيرا لمزيد من الفائدة تنظر الجزية في الإسلام للدكتور منقذ بن محمود السقار على الإنترنت، ولنا مراجعة.
“البلاد” البحرينية