الرئيسية / وجهات نظر / أفراح تونس وأحزانها
3278bc4e3a619cbc46dcd84a06f028eb

أفراح تونس وأحزانها

حكم بعدم سماع الدعوى أصدره القضاء العسكري التونسي في حق حلاق وجهت له تهمة الاحتفال بمقتل جنود بجبل الشعانبي في السادس عشر من يوليو/ تموز الحالي على ايدي مجموعات مسلحة. ليس معروفا ان كان الحلاق، لحظة صدور الحكم او حتى بعده، قد أبدى مشاعر فرح او سعادة بالبراءة، او أن أحدا من اقاربه او اصدقائه قد فعل ذلك. لكن ما حصل له سوف يجعله يفكر أكثر من مرة في المستقبل قبل ان يظهر اي علامة او اشارة قد تكشف مزاجه او احساسه امام الناس.
قصته كما نقلتها بعض الصحف التونسية بدأت لحظة ان شاهده شخص بمحض الصدفة امام احد الاكشاك ليلة حادثة الشعانبي وهو يشتري بعض المشروبات الغازية، ثم سمعه يقول لصاحب الكشك «اني اشعر بالفرح فلا تفسد عليّ فرحتي». شهامة المواطن ووطنيته العالية قادته لان يتوجه على الفور الى اقرب نقطة شرطة ليقدم بلاغا رسميا بما سمعه ورآه. بقية القصة معروفة وهي ان قوات الامن قامت بعد ذلك، وبمقتضى قرارات خلية الازمة التي اعلنتها رئاسة الحكومة في الايام الاخيرة، باعتقال المتعاطف مع الاعداء، تنفيذا لوعد وجهه رئيس الحكومة لكل المحتفلين بمقتل الجنود بالويل والثبور. احتاج الامر الى مرافعات ومفاوضات طويلة امام المحكمة العسكرية حتى ينجو الحلاق من عقوبة بالسجن ظلت تطارده بتهمة المس بكرامة الجيش والحط من معنوياته، من خلال الاحتفال بمقتل الجنود. ومما تذكره بعض الصحف المحلية ان المتهم وفي محاولة منه للدفاع عن نفسه من التهمة المنسوبة اليه اوضح للقاضي بان لديه اخا يعمل بالجيش، وبانه يرغب بدوره بالالتحاق بالخدمة العسكرية، والاهم من كل ذلك انه تأثر كثيرا عند سماعه خبر وفاة الجنود على ايدي تلك المجموعة الارهابية.
هل كان القاضي يملك ساعة الحكم جهازا قادرا على كشف الكذب او قياس المشاعر، حتى يتضح له صدق الرجل من عدمه، ويعرف بالتالي إن كان المتهم قد فرح حقا لمقتل الجنود، أم تأثر وحزن لذلك؟ الامر يبقى معلقا ومجهولا، فليس لاحد ان يسأل لماذا اعتقل الرجل وحوكم، ثم لماذا تم الافراج عنه بعد ذلك وتبرئته. المؤسسة الامنية والعسكرية هي الان خط احمر لا يجوز الاقتراب منه، او القدح في قراراته ومواقفه، مثلما تقول خلية الازمة التي شكلتها الحكومة لمجابهة الارهاب. لكن حالة الحداد الوطني التي اعلنها الرئيس لثلاثة ايام اقتصرت فعليا على تنكيس الاعلام وتعديل برامج التلفزيون بوقف المسلسلات وبرامج الترفيه، وتعليق عروض المهرجانات الصيفية مع استمرار مظاهر الحياة المعتادة في الشارع. خلال تلك المدة كانت كتيبة خبراء الامن والمحللين الاستراتيجيين نفسها، التي تظهر في مثل هذه المناسبات، تردد على قنوات التلفزيون ومحطات الاذاعة بان مواجهة الارهاب تقتضي وحدة وطنية.
الخامس والعشرون من يوليو كان موعدا مفترضا ليشعر التونسيون ولو شكليا بتلك الوحدة، فالتاريخ يوافق الذكرى السابعة والخمسين لالغاء النظام الملكي واعلان الجمهورية. ولكن الاحتفال كان باهتا وشاحبا مثل المرات السابقة. وباستثناء الجلسة البروتوكولية الرسمية داخل المجلس التأسيسي ورفع الاعلام في الشوارع، لم يشعر احد في تونس بان البلد بصدد الاحتفال بمناسبة وطنية. قد تكون صور المجازر الرهيبة التي ارتكبها الاسرائيليون في غزة هي التي حالت دون ذلك، يقول البعض. لكن حتى الهبة الشعبية الموحدة للتنديد بجرائم الاحتلال الاسرائيلي بدعوة من الرئيس المرزوقي كانت فرصة اضافية اخرى للانقسام الوطني الحاد حول نصرة القضية الفلسطينية هذه المرة. الجبهة الشعبية اليسارية رأت في المظاهرة تشويشا متعمدا من الرئيس على احتفالها باحياء الذكرى الاولى لاغتيال النائب البراهمي، التي وافقت التاريخ نفسه، اي الخامس والعشرين من يوليو، واخرون رأوها حملة انتخابية مسبقة للرئيس لاستمالة التونسيين وكسب اصواتهم في الانتخابات المقبلة. والنتيجة هي ان الهبة الشعبية المفترضة سقطت في الماء وتحولت الى هبة حزبية شاركت فيها بالاساس حركة النهضة الاسلامية، فيما قادت اطراف ذات توجهات قومية ضمن ما يعرف بالملتقى القومي لمناهضة الصهيونية والرأسمالية مسيرة موازية في التوقيت نفسه. يأتي كل ذلك بعد ان شدد الرئيس على ان مبادرته بالدعوة لمظاهرة ضخمة لنصرة غزة، جاءت بعد استشارة واسعة اجراها مع اهم الاحزاب، وانه «وجد التجاوب من كل الاحزاب التونسية مع تلك المبادرة، بعيدا عن اي حساسية سياسية، لان فلسطين توحد الجميع».
لماذا اذن يحصل كل ذلك ولماذا لم يعد بمقدور التونسيين ان يحزنوا ويفرحوا معا، ولماذا صاروا منقسمين حتى في مناسبات وطنية مشتركة ونكبات ومآس عربية وانسانية يفترض ان تجمعهم لا ان تفرقهم؟ يبدو ان الروابط التي تشدهم الى وطن واحد يتسع للجميع على اختلافهم وتنوعهم، صارت على درجة غير مسبوقة من الهشاشة. القبول بالاختلاف الفكري والسياسي لم يكن متاحا زمن الاستبداد وهو في هذه المرحلة الانتقالية يبدو صعبا وعسيرا اكثر من اي وقت مضى، رغم ما يظهر على السطح من حين الى اخر من وفاق زائف وموهوم قد يحجب بشكل مؤقت حال العداء المستعر والرفض القاطع لا لرأي الاخر فحسب، بل حتى لوجوده في بعض الحالات. الصدمة التي حصلت بتهاوي نظام الرئيس المخلوع بن علي بشكل سريع ومفاجئ لم تمنح الوقت الكافي للتيارات السياسية والفكرية لردم هوة حرص النظام البائد على توسيعها طوال العقود الماضية. اما الاسلاميون، وهم الفائز الاكبر في اول انتخابات ديمقراطية، فقد قطعوا خطوة مؤلمة بالتصالح مع جلاديهم من حزب الدستور برفض الاقصاء والعزل السياسي لهم، بل الاستعداد لتقاسم محتمل للسلطة معهم بعد الانتخابات المقبلة. وبالمقابل فان جهودهم فشلت حتى الان في إذابة الجليد بينهم وبين قوى اليسار، التي كان جزء واسع منها شريكا في المنظومة القديمة ولا يزال ممسكا الى اليوم بمفاصل حساسة في الاعلام والادارة والجامعات. بالنسبة لهؤلاء لا يتسع البلد للاثنين ولا مجال للقبول بتجربة يصل فيها الاسلام السياسي الى مواقع متقدمة في الحكم، فالمنتسبون له برأيهم ليسوا مواطنين تنطبق عليهم شروط المواطنة مثل غيرهم من ابناء البلد. ورغم ان الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة لا يزال يكرر باستمرار ان سفينة تونس تتسع لجميع ابنائها، فهناك على الجانب الاخر من لا يقبل الى الان بوجود الاسلاميين معه على تلك السفينة نفسها. هذا الرفض هو جانب اساسي في تكريس الانقسام على الارض وجعل التونسسين محرومين من الاحتفال معا والحزن معا، وفي تحويل الحديث عن الوحدة الوطنية الى خداع اعلامي مكشوف لكنه ليــــس الوحيد بالتأكــــيد، فهناك تعقيدات كثيرة اخرى تجعل الشعور العام مفتــــقدا للحد الادنى المطلوب من الوحدة.
اما متى أصبح الفرح والألم احساسا طبيعيا ومشتركا بين الجميع بلا استثناء، وليس مسقطا أو موجها بمقتضى مرسوم او قانون تفرضه السلطات، ففي ذلك الوقت فقط سوف تتكرس تلك الوحدة بحق وتكبر حتى تصير عصية على الكسر، وسوف لن تتكرر معها قصص شبيهة بقصة الحلاق الذي اشترى المشروبات في غير وقتها، فوجد نفسه متهما بالاحتفال بالقتل، لان التونسيين سوف يدركون حينها كيف ومتى يفرحون ويحزنون في بلدهم الديمقراطي المفتوح لهم جميعا بلا تمييز او اقصاء.
“القدس العربي”