الرئيسية / وجهات نظر / حديث في هيبة الدولة
0963334e1ed2da68e70a2160bfffdb82

حديث في هيبة الدولة

هيبة الدولة، كلمة قد يمر عليها البعض مرور الكرام وقد لا يعيرونها كبير اهتمام.. ولكنها ثقيلة في الميزان ومحددة بمقياس رقي الشعوب وانضباطها وبقاء الدول واستمرارها… هيبة الدولة هي عنوان لعلوية القانون والمؤسسات.. وهيبة الدولة هي عنوان النظام والانضباط.. وهي عنوان ذوبان الفرد والجماعة في نواميس المؤسسات العليا للدولة بما هي أرقى تصور وضعه الانسان لتنظيم الحياة داخل المجموعات البشرية.
وبالنتيجة فإذا كرست هيبة الدولة ورضخ الجميع لعلويتها وعمل الكل على تجسيدها والانصياع لنواميسها ولضوابط مؤسساتها يكون الترقي الجماعي وتنتظم حياة البشر… واذا غنى كل طرف على ليلاه ومرّغت هيبة الدولة وانتهكت علويتها وقدسيتها وتغوّل المواطن او الحزب او الجماعة عليها حلّ الخراب ومعه الهوان للجميع.
هذه المعاني وغيرها كانت حاضرة في الحديث الذي أدلى به مؤخرا السيد الباجي قايد السبسي لقناة نسمة.. حيث اختزل هذه المعاني بقوله انه لو كانت الدولة مهابة لما وقعت جريمة الشعانبي قبل أن يختم بتأكيده على تشبعه بمفهوم الدولة وتسليمه بعلويتها على الأحزاب والأفراد وبأن الدولة تأتي قبل الحزب وفوقه… وهي عبارات تلخّص لبّ المسألة في بلادنا.
لوكان بعض حكامنا متشبعين بمفهوم الدولة ما كان أحد يسعى الى القفز عليها وعلى مؤسساتها.. ما كان أحد خربّ أجهزتها واستهدف مفاصل إدارتها فعمل فيها اقصاء وتهميشا للكثير من الكفاءات وتعيينا وترقية للكثير من الرداءات.
لو كان بعض حكامنا يفقهون معنى ومغزى هيبة الدولة لنبذوا المحاصصة ولعملوا على توحيد الصفوف والجهود.. ولما تباروا في الاستئثار بمواقع السلطة والقرار بما أفضى الى تشتيت الصفوف والجهود.
لو كان بعض حكامنا يدركون أهمية هيبة الدولة ما ركضوا وراء المتشددين يبتغون رضاهم وما فتحوا أبواب مؤسسات الدولة ومقراتها السيادية أمام دعاة العنف والتفرقة بين التونسيين.
لو احترمنا هيبة الدولة وادركنا أن بقاءنا في بقائها وان قوتنا وقوة مجتمعنا وشعبنا من قوتها ما عملنا على ارباك الأمن وخلخلة أجهزته وبعثرة كفاءاته بين البطالة الوجوبية والتهميش الجائر والاقصاء المتعمد… ولما دمّرنا أجهزة المخابرات باسم هرطقات ثورجية هي من قبيل الانتحار او النحر المتعمد لأمن البلاد واستقرارها.. بحكم أن الارهابيين وجدوا الملعب خاليا فرتعوا وصالوا وجالوا واستقطبوا وكدّسوا الأسلحة بلا حسيب ولا رقيب.
في سياسة الشعوب لا مجال للصدف ولا للسفسطة ولا حتى للنوايا الحسنة.. الامور تقاس بخواتمها وبنتائجها.. والخواتم والنتائج لا تكون الا من قبيل البدايات والمقدمات.. في كلمة كيف نريد ان نحصد اذا كنا زرعنا السراب وكيف نريد لحساب البيدر أن يكون وفيرا طيبا إذا كان حسبا الحقل خبيثا عليلا؟
إنها معادلة واضحة لا تتطلب جرأة لاستيعابها والتسليم بها والعمل على تجسيدها.. فلا نصر على الارهاب الا بدولة معافاة، قوية، قادرة على قهر الارهاب والارهابيين… وهذه في المتناول بهمة وارادة التونسيين والتونسيات.. فقط بشيء من الجرأة التي تجعل المخطئ يقر بخطئه ويعمل على اصلاحه… والاصلاح يبدأ هنا بإصلاح المؤسسات وبإنصاف الكفاءات في كل المجالات الأمنية وغيرها حتى يأخذ القوس باريها… فيطلق السهم الصائب في كبد الارهاب فيرديه ويريح تونس والتونسيين من مكره وشروره.
“الشروق” التونسية