الرئيسية / وجهات نظر / مبادرة أم وصفة للانقسام وتبرير للمجزرة؟
a2d706aaf7614e5cc251c821a3387b39

مبادرة أم وصفة للانقسام وتبرير للمجزرة؟

لم نعرف فيما مضى عن مبادرةٍ، أو وساطةٍ بين طرفين في حرب ضروس، تعلن على الهواء، ومن دون أدنى اتصال مع طرفي النزاع، أو إن شئنا الدقة عدم الاتصال مع طرف واحد منه، وهو، بلا شك طرف المقاومة، إلا إذا كان الهدف من ذلك إرغامه على توقيع وثيقة استسلامه، أو التنصل من قضيته أو عزله وحصاره وتحميله مسؤولية ما سيأتي من قصف وتدمير. الأدهى والأمرّ أن المبادرة ليست نداءً عاماً، مثل الذي وجهه مجلس الأمن الدولي، فقد احتوت على تفاصيل كثيرة، من تحديد التاسعة صباحاً للبدء في تطبيق وقف إطلاق النار، وتحديد السادسة صباحاً لتكون فيه الوفود في القاهرة، للبدء في مباحثات تفصيلية، مما يفترض بها أن تكون موجودة، فعلاً، في العاصمة المصرية، وقت الإعلان عن المبادرة أو في الطريق إليها.
المباحثات التفصيليىة تبحث في آليات التطبيق، عبر مباحثات غير مباشرة بوساطة مصرية، إلا أن ثمة نقاطاً في غاية الأهمية، تطرق لها الإعلان، ولم يتركها للتفاصيل أو الاتفاق اللاحق عليها. ألا يعني هذا أنها ليست نداءً لوقف إطلاق النار أو هدنة لبضعة أيام، يتم فيها الاتفاق على الشروط عبر المباحثات اللاحقة التي سيجريها كل طرفٍ على حدة مع الوسيط المصري. وإنما هي التزام مسبق من مختلف الأطراف بهذه البنود، وتبقى الاجتماعات التفصيلية لبحت آليات التطبيق.
أول ما يثير الريبة في بنود الإعلان البند الذي يتحدث عن وقف الهجوم البري الإسرائيلي، إذ يحوي ذلك البند تهديداً مبطناً للمقاومة بأن هذا الهجوم على الأبواب، بل ويمنح إسرائيل الشرعية والمبرر لشنّه، في حال تعثر جهود التهدئة. ثم ذلك البند الذي يتحدث عن وقف الاعتداءات الإسرائيلية براً وبحراً وجواً، أما المقاومة فيضيف إلى وقف اعتداءاتها البرية والبحرية والجوية (!) اعتداءً من نمط جديد، وهو الاعتداء تحت الأرض. حتماً لم يقصد الناطق المصري تحذير الشهداء الذين دفنوا تحت الأرض من مغبة قيامتهم وحملهم للسلاح مجدداً، وإنما القصد منها منع المقاومة من الاستمرار في حفر الأنفاق، أو بناء منصات للصواريخ أو أي تحصينات أخرى، حيث يعتبر ذلك من الأعمال العدائية التي تخرق الهدنة، وتبيح للعدو حق ضربها. ويبدو واضحاً أن هذا البند جزء من إملاءات العدو وشروطه المسبقة، ويؤكد أن ثمة مشاورات قد جرت معه. أما ثالثة الأثافي في الشروط المسبقة، فهو ربط فتح المعابر بالاستقرار الأمني. بكلمة أخرى، ربط لقمة العيش باستمرار الرضوخ والخنوع وإبقاء سلاح الحصار سيفاً مسلطاً على رقاب الجماهير في غزة.
من قراءة البنود السابقة، يمكن التنبؤ بأجواء المباحثات التفصيلية التي تعقد في أجواء التهديد والوعيد. على الأرجح، سيتراوح جدول أعمالها بين مبادرة تسيبي ليفني التي تطلب تجريد غزة من صواريخها، وتدمير إمكانات صناعتها مجدداً، ويتم انتداب مصر والسلطة الفلسطينية للإشراف على ذلك، واقتراح شاؤول موفاز بأن يتم ذلك تحت وصاية دولية، شبيهة بنزع السلاح الكيماوي في سورية.
إلى ماذا تهدف هذه المبادرة الأشبة بوثيقة استسلام؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ وما احتمالاتها ونتائجها؟ أسئلة مشروعة تتلاحق في الذهن، وتذكّرنا بالوثائق المتتالية التي كان يسلمها فيليب حبيب للمقاومة في أثناء حصار بيروت 1982. ما أشبه اليوم بالبارحة. ولعل نتائج هكذا اتفاق أن فرض على المقاومة، كما فرض عليها سابقاً، الانسحاب من بيروت، في ظل الحصار الإسرائيلي تتشابه، وتنذر بفرز كبير بين قوى الحق والباطل وثورة شعبية ستتجاوز، هذه المرة، حدود فلسطين.
أولى الإجابات تتلخص في الرغبة بتجاوز أي مبادرات أخرى، وقطع الطريق نحو أي اتفاق متوازن يحفظ للمقاومة كرامتها، ويحافظ على سلاحها، إضافة إلى تحميل المقاومة نتائج رفض هذا الاتفاق، في الوقت الذي سيتم تحميلها نتائج القبول به.
حتماً، المقاومة أدرى بظروفها، وهي لا شك، تقدر المعاناة والتضحيات التي يبذلها أهل القطاع، كما أنها تدرك فيه خطورة هذا الاتفاق على مستقبل المقاومة والقضية الفلسطينية برمتها. من جهةٍ، سيتم تحميلها مسؤولية الرفض وتبعات التصعيد الإسرائيلي، واستمرار القتال وسط حصار عربي، وسحب سوداء تنذر بتصدعات في الجبهة الداخلية الفلسطينية، في ظل الترحيب الفوري للسلطة الفلسطينية بالمبادرة. وإن وافقت ستخرج الأصوات التي صمتت خلال الحرب في غزة عن صمتها، لتذكرنا بعدم جدوى هذه الحرب العبثية وتحمل المقاومة مسؤولية الدمار والأرواح التي أزهقت من دون جدوى، وتعيد تذكيرنا بمقولات التوازن في القوى، وضرورة الرضوخ إليها.
قديماً، قال القادة الصهاينة إنهم يودون لو يبتلع البحر غزة، ولعل أول الأهداف الصهيونية في هذه الحرب فصل القطاع عن المعركة الأساسية التي تجري في الضفة ضد الاستيطان والتهويد والاحتلال، وإبقائه مستكيناً مجرداً من السلاح، راكضاً وراء احتياجات الحياة اليومية التي يتم تقطيرها عليه، نقطة إثر نقطة، وبعيداً عن الهم الفلسطيني العام.
أفق الحل واضحة، تمسك المقاومة بشروطها مهما كانت النتائج، وحتى لو استمر القتال وتصاعد، وحتى تتمكن من ذلك ينبغي أن يزداد لهيب الضفة. في يد الضفة وفلسطين الداخل، الآن، مهمة إنقاذ غزة ونجدتها، وينبغي التصدي بحزم للأصوات النشاز التي صمت بعضها خلال القتال، ومنعها من استخلاص عبرٍ ومبرراتٍ، تتيح لها استمرار التعاون مع العدو، بل، وهذه المرة، الانضواء تحت جناحه.
حرب غزة، هذه المرة، لن تكون كسابقاتها. ستفرز، على مستوى فلسطين، كل فلسطين، من يقف مع الاحتلال، ويبرر له قمعه لشعبنا واحتلاله أرضنا، ومن يقف في وجه الاحتلال، يقاومه بالبندقية والمقاطعة والكلمة والحجر والصمود والتمسك بالثوابت الوطنية. وهذه المرة، ستتجاوز ذلك إلى العالم العربي، لتعيد اصطفاف القوى من جديد، بعد أن مزقتها الطوائف والمذاهب، وأبعدتها عن طريق فلسطين، مؤكدة لها أن طريق التغيير يمر عبر فلسطين، وأن بوصلةً متجهة إلى القدس لا تخطئ.