الرئيسية / وجهات نظر / النموذج التونسي في الانتقال الديمقراطي
89b2bf9309841251f64d7a335acf98ba

النموذج التونسي في الانتقال الديمقراطي

خلافاً للمسارات التي اتخذتها الثورات العربية الأخرى، استطاع المسار الانتقالي في تونس أن يحقّق تقدماً فعلياً نحو بناء نظام ديمقراطي ناشئ، لا يمكن إنكار تشكّله بصورة جنينية، على الرغم من بعض التعثّر الطبيعي، الناجم عن التحوّل من حالة الاستبداد المطلق وحكم الحزب الواحد إلى حالة التعددية الحزبية والتنافس الانتخابي الشفاف، وهذا النموذج السياسي التونسي، وما حققه من نجاحات، يمكن أن نعزوه إلى عوامل متعددة، أساسها مبدأ مركزي واحد هو فكرة التوافق.
بعد سقوط نظام زين العابدين بن علي، وبداية تشكّل المشهد السياسي التونسي، كان على النخبة السياسية أن تتخذ خطواتٍ فعليةٍ تحفظ التوازنات، وتمنع تغوّل أطرافٍ حزبية على أخرى، بغض النظر عن قضية الأحجام والانتشار، فكانت فكرة القانون الانتخابي القائم على مبدأ “أكبر البقايا”، وهو تصور يسمح للقوى الحزبية ذات الحضور الفعلي بأن تجد لها تمثيلاً في المجلس التأسيسي التونسي، بغض النظر عن منطق الأغلبية والأقلية، وهو أمر ساهم، بالفعل، في إيجاد مشهد حزبي متنوع، داخل المجلس التأسيسي، ومنع انفراد قوة محددة بأغلبية مطلقة (أكبر نسبة تمثيلية لحزب سياسي لم تتجاوز 42% من جملة المقاعد). ومع تشكيل الحكومة، كانت الخطوة التالية هي التوجه نحو نمط من الحكم التشاركي الذي جمع ثلاث قوى أساسية، هي حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي، وحزبا المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل من أجل العمل والحريات، وكلاهما ينطلقان من خلفية علمانيةٍ غير إقصائية. وعلى الرغم من هذا التشكيل الحكومي المتنوع، واجهت الحكومة صعوبات متعددة، سواء بسبب انتشار الإضرابات الفئوية، أو من خلال الضغط السياسي الذي مارسته الأحزاب السياسية المعارضة، بالإضافة إلى أعمال عنفٍ سياسيٍّ، منسوبةٍ لتياراتٍ ذات منحى عنيف، ولا تخفي ميلها إلى ممارسة الإرهاب.
ولا يمكن، هنا، أن ننفي القدر الكبير من الحكمة التي تعامل بها التيار الإسلامي مع الفرقاء السياسيين المناوئين له، بدايةً من تخليه عن المطالبة بتضمين النص المتعلق بالشريعة في الدستور، بوصفها مصدراً للتشريع، مروراً بانخراطه في الحوار الوطني، وصولاً إلى تخليه عن الحكم، ونقل السلطة إلى حكومة تكنوقراط، تكون مهمتها المركزية تنظيم الانتخابات التي تحددت آجالها، على أن تجري قبل نهاية سنة 2014. وقبلها، تجاوزت النخبة السياسية التونسية مشكلة التعامل مع بقايا النظام السابق، وهي قوى سياسية، تشكلت بصورة حزبية، وتمتعت بنفوذ واضحٍ داخل أجهزة الدولة العميقة، بوصفه ميراثاً راكمته منذ زمن حكم الرئيس المخلوع، بن علي. وعلى الرغم من سعي توجهاتٍ حزبيةٍ إلى تفعيل قانون “العزل السياسي”، بعضها تحت شعاراتٍ ثورية، وأخرى لأسباب مصلحية انتخابية، فإن حرص حركة النهضة، صاحبة أكبر كتلة في المجلس التأسيسي، على عدم تمرير القانون، فوَّت الفرصة أمام قوىً كثيرة كانت تستعد لإثارة فوضى أو صراعات كثيرة، بسبب المنع من المشاركة الانتخابية.
ويأتي، الآن، مقترح حركة النهضة، المتمثل في استعدادها لدعم مرشح توافقي للانتخابات الرئاسية المقبلة، ليدل على أن هذه المواقف تتجاوز التكتيك السياسي الآني، لتدخل في إطار منطق التوافقات التي ميّزت المشهد السياسي التونسي ما بعد الثورة. وقد جنّبت هذه الخيارات البلد من الوقوع في هزاتٍ سياسيةٍ عنيفةٍ، في ظل وضع إقليمي مناوئ للديمقراطية، وثوراتٍ عربيةٍ مجاورةٍ تعاني من الانزياح إلى حروبٍ أهليةٍ، أو من العودة إلى مربع النضال السياسي ضد الاستبداد العائد في زي العسكر. فالنموذج التونسي القائم على تأسيس نوعٍ من الديمقراطية التشاركية التي لا تقوم على منطق المغالبة، أو الإقصاء، حقق نتائج جيدة على صعيد الممارسة السياسية، والتقدم بالبلاد نحو تحقيق نوعٍ من الاستقرار السياسي، ذلك أنه من الأكيد أن الأوضاع الانتقالية لا تدار بفكرة “الأغلبية تحكم والأقلية تعارض”، وإنما بمحاولة إيجاد حدٍّ أدنى ديمقراطي مشترك بين الجميع، وهو أمر يتجلى في تصريح القيادي في حركة النهضة، علي العريض، أن البلاد بعد الانتخابات التشريعية القادمة، ومهما كانت النتائج، لن يحكمها حزب واحد، وإنما من خلال تفاهم وطني، يضم أوسع طيف حزبي ممكن.
لا يتعلق الأمر، هنا، بتقديم صورةٍ ورديةٍ عن الوضع السياسي في البلاد التونسية التي تعاني، لا ريب، من مشكلات اقتصادية، وبعض المشكلات الأمنية، لكنها، أيضاً، تمكنت من تجاوز أزماتٍ سياسيةٍ حادة، خصوصاً بعد اغتيال أمين عام حزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد، شكري بلعيد (6 فبراير/ شباط 2013)، ثم اغتيال النائب محمد البراهمي (25 يوليو/ تموز 2013)، وما أفضى إليه كلاهما من احتقان سياسي فعلي (اعتصام الرحيل الذي نفذته أحزابٌ معارضة وانسحاب نوابها من المجلس التأسيسي). وخلافاً لحالاتٍ عربية أخرى، لم تتحول هذه الأزمات السياسية إلى عنف سياسي أعمى، أو إلى انقلابٍ عسكري، (على الرغم من أن قوىً حزبية عملت على هذا، تأثراً بالنموذج المصري)، وإنما تم بناء أسس لحوار وطني شامل، جمع القوى الحزبية مع الأطراف الاجتماعية والاقتصادية في البلاد (ممثلين في الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمالية، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة الذي يمثل رجال الأعمال)، ما أفضى إلى التوافق على السير نحو الانتخابات البرلمانية أولاً، ثم الرئاسية لاحقاً، والانتهاء من القانون الانتخابي، وتشكيل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وهي خطوات مهمة نحو مزيد من الاستقرار السياسي، وتدعيم الانتقال الديمقراطي، وتحصين الثورة التونسية من مخاطر الردة إلى الاستبداد، إلى الحد الذي يمكن معه القول إن تونس بإمكانها لعب دور النموذج لباقي الدول العربية في أسلوب إدارة الخلاف وسلمية التعايش ومراعاة التوازنات، من دون أن ننسى، أخيراً، الخصوصية التي مثلتها الحركة الإسلامية التونسية التي بدت أكثر نضجاً، من حيث الممارسة السياسية، وأشد وعياً بمصاعب المرحلة وخطورتها، وانتصارها لفكرة الحرية أولاً، قبل الحديث عن حكم الحزب والجماعة.
“العربي الجديد”