الرئيسية / وجهات نظر / إلى أين تسير تونس
b1986366419083ea75dd79dd2603275a

إلى أين تسير تونس

كانت الساحة السياسيّة التونسيّة غنيّة بالمواقف والأحداث خلال الأيّام المنقضية. أهمّ ما فيها صدر عن الأقطاب السياسيّة المتنفّذة لاسيما حركة النهضة وحركة نداء تونس. سنقرأ هذه المستجدّات وعلى ضوئها نحاول أن نرسم صورة إجماليّة للمشهد السياسي التونسي نعمل عبرها على استشراف مستقبل تونس بعد الانتخابات القادمة.
اتّخذ المجلس الوطني لحركة نداء تونس قرارين متعلّقين بالانتخابات؛ الأوّل تزكية ترشيح الباجي قايد السبسي (88 سنة) رئيس الحركة ورئيس الحكومة الأسبق للانتخابات الرئاسيّة، والثاني دخول الانتخابات البرلمانيّة بقائمات فرديّة تحمل اسم الحركة وشعارها. وبالتزامن مع قرارات حركة نداء تونس، أطلقت حركة النهضة مبادرة انتخابيّة تتمثّل في البحث عن ترشيح توافقي لرئيس الجمهوريّة القادم، فيما لم تكشف بعد عن كيفيّة خوضها الانتخابات البرلمانيّة.
من مواقف الحركتين نتبيّن، موقفين مختلفين من منصب الرئاسة فنداء تونس يرغب فيه بشدّة وحركة النهضة تزهد فيه. ولكنّ تزامن الموقفين ليس بريئا وخاصّة بعد التقارب اللافت بين الحركتين منذ إسقاط قانون العزل السياسي الموجّه لرموز النظام السابق الذي لعب فيه رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي دورا حاسما.
فالتنسيق بين الحركتين اللتين كانتا متصارعتين ثمّ اتّفقتا وتحالفتا لم يعد خافيا. من ذلك أنّ رئيس حركة النهضة تحدّث من باريس عن إمكانيّة دعم قايد السبسي رئيسا توافقيّا لتونس. وحركة نداء تونس بإعلانها دخول الانتخابات البرلمانيّة بقائماتها الفرديّة تخلّت عن حلفائها اليساريّين في الاتحاد من أجل تونس. كما تخلّت عن نوّابها البرلمانيّين في المجلس الوطني التأسيسي الذين التحقوا بها في عمليّات بيع وشراء أدانها الشعب التونسي بشدّة، إذ أنّ هؤلاء النوّاب ليسوا أبناء الحركة التي لم تكن قد تشكّلت قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 التأسيسيّة، وإنّما التحقوا بها بعد ذلك قادمين من أحزب وتيّارات ومرجعيّات مختلفة.
الحلفاء السياسيّون خاضت بهم حركة نداء تونس معركتها السياسيّة في فرض الوجود، وترويض موقف النهضة وسحبها إلى خانة التنازل ثم المهادنة والاعتراف فالتحالف. والنوّاب البرلمانيّون القادمون إليها نابوا عنها في معركة الدستور ثمّ تعطيل قانون تحصين الثورة، ثمّ قانون العزل السياسي. ربحت حركة نداء تونس معاركها جميعا. وانتهى دور الحلفاء فتخلّت عنهم، واستبدلتهم بالحليف الأقوى في نظرها نعني عدوّ الأمس حركة النهضة.
نفس الممارسة أتتها حركة النهضة حيث تخلّت عن حليفيها في الترويكا. ولا يبدو عليها أيّ توجّه إلى دعم المنصف المرزوقي رئيس الجمهوريّة الحالي، أو مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي، وكلاهما مرشّحان للرئاسة. بل تحرص على اعتبار تجربة الترويكا من الماضي.
وفي الأثناء لا يكفّ قياديّو الحركتين عن تبادل الاعتراف الإعلامي بدور كلّ منهما ومكانتها المركزيّة في تونس، بعد أن كانت حركة النهضة ترى في نداء تونس “عشّ الدبابير” الذي يجمع أعداء الثورة وأزلام النظام القديم، وبعد أن كانت حركة نداء تونس ترى في النهضة حركة رجعيّة مستبدّة مستولية على السلطة داعمة للإرهاب وفاشلة في الحكم إلى أقصى درجات الفشل.
نلخّص تقييمنا لمواقف الحركتين في نقطتين؛ الأولى أنّ تعامل كلّ منهما كان تعاملا سياسيّا براغماتيّا لا يخضع لغير المصلحة والهدف الواضح بمنهج “الغاية تبرّر الوسيلة”، فيما كان تعامل حلفائهما القدامى تحالفا عاطفيّا، والثانية أنّ مواقفهما ترتكز على تقييم لمكوّنات الساحة السياسيّة التونسيّة بدا لهما من خلاله أنّهما الحركتان الأقوى والأقدر على الحكم والأكثر دعما من دوائر المال والقوّة في العالم.
بقي أنّ في هذه المواقف المزهوّة بالقوّة الماليّة وبالدعم الأجنبي تقع المخاطر التي تهدّد الديمقراطيّة وتصادر حقّ التونسيّين في الانتخاب الحقيقي لرئيسهم القادم ولممثّليهم في البرلمان. فمبادرة الرئيس التوافقي التي أطلقتها حركة النهضة لا معنى لها سوى ما ذهبنا إليه. إنّ التوافق على رئيس الجمهوريّة القادم يلغي مبدأ الانتخاب أصلا ويجعله عمليّة عبثيّة. كما أنّه سيضعف الرئيس القادم ويكبّله بالاتّفاقات المسبقة ويجعله رهين الأحزاب الكبرى المتوافقة. هذا إضافة إلى أنّ خلفيّة حركة النهضة هي الدفع نحو النظام البرلماني على الشاكلة الألمانيّة حيث يكون الرئيس تشريفيا في الغالب.
كما أنّ حرص النهضة على مبادرة الرئيس التوافقي يؤكّد ما كنّا ذهبنا إليه في مقال سابق في هذا المنبر من أنّ النهضة لا تملك مرشّحا حقيقيّا قادرا على المنافسة على الرئاسة. ولكنّها في الوقت نفسه تحاول دفع هذه الصورة فليس من مصلحتها أن تظهر بمظهر العاجز عن المنافسة على الرئاسة. وليس من مصلحتها أيضا أنّ تخوض معركة انتخابيّة بحجم الرئاسيّة وتخسرها. فالمغامرة هنا تبدو ممنوعة. وهي تحصي حركاتها بدقّة وتعمل على تجنّب الخطأ في ظلّ واقع الإسلاميّين المتردّي في العالم. وليس من مصلحتها ثالثا أن تترك ورقة كبيرة بحجم الرئاسيّة بيد غيرها.
لذلك لم يبق أمام حركة النهضة إلاّ المناورة بورقة الرئيس التوافقي لتكون لها يد في الرئاسة ومنّة على الرئيس القادم الذي سيلتزم بما يتمّ التوافق في شأنه وسلطة ولو معنويّة عليه. ويكون في كل الحالات وسيلة للحكم مقصوص الجناحين، وليس رئيسا شرعيّا كامل الصلاحيّات وتبقى تونس في النهاية تحت مجهر النهضة ومعولها.
بقي السؤال عن القوى الأخرى الموجودة في تونس ونعني القوى التقدميّة التي تعلن تمسّكها بشعارات الثورة ومطالبها؛ هل ستتقارب وتتحالف وتنافس هذا التقاطب الثنائي المؤذي للديمقراطيّة؟ هل ستتّفق على دعم مرشّح واحد للرئاسيّة وقائمات برلمانيّة موحّدة؟ لا مؤشّرات على ذلك في المشهد السياسي رغم الصفعات التي نالتها سواء في جبهة الإنقاذ أو في الاتحاد من أجل تونس حيث كانت مستغلّة ملعوبا بها دائما؟
“العرب” القطرية