الرئيسية / وجهات نظر / المشهد الحزبي المغربي على صفيح متحرك
b3a2e5dca6bdcebe337fb78c9c861f26

المشهد الحزبي المغربي على صفيح متحرك

البيان المشترك الذي وقعه حزبان من الأحزاب التاريخية في المغرب، ينبئ عن تحولات هامة سيعرفها الحقل الحزبي المغربي ومعها خريطة التحالفات السياسية في المستقبل.
فلأول مرة يحذر حزبان معارضان من «تحركات بعض الأطراف في الإدارة الترابية (يقصدون بذلك رجال السلطة في الأقاليم والجهات) للضغط على مجموعة من المنتخبين وتوجيههم في اتجاه بعض الأحزاب» وهي إشارة واضحة إلى حزب «معارض» آخر هو حزب الأصالة والمعاصرة.. ويحملون لرئيس الحكومة مسؤولية ملف الانتخابات القادمة..
الحزبان لجآ إلى التذكير بتاريخهما النضالي في مواجهة التزوير الانتخابي والتحكم الانتخابي معتبرين بأن منع الترحال السياسي كان أحد المكتسبات الدستورية الهامة التي أقرها دستور 2011، بيد أن بعض الأطراف ـ يقول البيان المشترك ـ تسعى إلى إفراغ تلك المقتضيات الدستورية من محتواها عبر عملية «توجيه وتحكم مسبق» في العديد من المنتخبين والمستشارين الجماعيين..» ولم يفت البيان أن ينبه من يهمهم استقرار البلاد إلى أن أي شكل من أشكال التحكم ستكون له نتائج كارثية على الاستقرار السياسي في البلاد».
السياق السياسي لهذا البيان مرتبط بتواتر مجموعة من المعطيات على أن بعض المسؤولين في السلطات المحلية يقومون باستقطاب النخب والأعيان لفائدة حزب الأصالة والمعاصرة، وهذا الأسلوب هو من الأساليب التي جربها الحزب في الانتخابات البلدية لـ 2009 بدعم من السلطات المحلية في أكبر عملية ترحيل سياسي عرفتها البلاد آنذاك..
هذا الموقف جاء مقرونا بمجموعة من المطالب التي تهم ضرورة فتح نقاش واسع حول الترسانة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، وهي مطالب تتقاطع في عمومها مع مطالب حزب العدالة والتنمية.
وهكذا يبدو بأن التموقع السياسي القادم سيكون على أساس الديموقراطية والقطع مع لغة التحكم في الحياة الحزبية، وهو الخندق الذي ستتموقع فيه الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية إلى جانب العدالة والتنمية المنحدر من الحركة الإسلامية، أما في الضفة الأخرى فيتموقع حزب الأصالة والمعاصرة الذي لا يخفي عداءه لحزب العدالة والتنمية إلى جانب احتقاره للأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية.
المواقف الأخيرة لكلا الحزبين ينبغي أن تطرح سؤالا عريضا حول موقع حزب سياسي نشأ في سياق مختلف عن الظروف السياسية الراهنة، وهو حزب الأصالة والمعاصرة..
أعتقد أن النصيحة التي تقدم بها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران لقادة حزب الأصالة والمعاصرة بحل حزبهم، لا تندرج ـ في نظري ـ في إطار البوليميك السياسي، ولكنها دعوة جدية لبناء مشهد حزبي سليم ومؤهل لبناء الديموقراطية الحقيقية في البلاد.
«المؤرخ عدو السياسي.. « كما قال العروي ذات يوم.. لننعش ذاكرتنا بأبرز محطات تشكل هذا الحزب:
في سنة 2007 صرح السيد فؤاد عالي الهمة كاتب الدولة في الداخلية السابق بأنه قدم استقالته من وزارة الداخلية بعد عشرين سنة من العمل، وبأنه قرر أن يستريح من السياسة وأن يتفرغ لنفسه وأعماله..
بعد شهرين من ذلك التاريخ سيقرر الترشح للانتخابات التشريعية في إطار لائحة مستقلة لـ «خدمة منطقة بن جرير» وفاز فيها بالمقاعد الثلاثة، وهي نتيجة استثنائية بالمقارنة مع باقي الدوائر..
بعدها أصبح رئيسا للجنة الخارجية بمجلس النواب ثم قائدا لفريق برلماني يتشكل من أزيد من أربعين نائبا في مجلس النواب ونحو هذا العدد بمجلس المستشارين قبل أن يتأسس حزب الأصالة والمعاصرة بشهور..!
بعد ذلك تأسست جمعية «حركة لكل الديموقراطيين» التي اعتبرت ناديا للتأمل السياسي وللتفكير في أسباب ضعف المشاركة خلال الانتخابات التشريعية لعام 2007، مع تشديد مسؤوليها على أنه ليس في نيتهم تأسيس حزب سياسي وأن هذه الحركة لها أهداف ثقافية ومدنية لا علاقة بالشأن السياسي اليومي.
لكن سرعان ما فتحت شهية «المناضلين» للمشاركة في الانتخابات التشريعية الجزئية التي أجريت في أربع مدن ولم يحصلوا فيها على المقاعد المنتظرة.
هذه التجربة سيستفيد منها الحزب فيما بعد لرسم سياسة انتخابية تعتمد على الأعيان وعلى محترفي الانتخابات، والباقي تتكلف به الإدارة..
جاء تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008 بعدما فشل في الإعلان عن نفسه في صيغة اتحاد حزبي، وانسحب منه حزب القادري وحزب الوزاني وحزب العلمي الذين تبين لهم فيما بعد أن الحزب يحمل مخططات غير نبيلة تمر عبر ابتلاعهم ثم التخلص منهم في أقرب فرصة ممكنة.
لم يمض على تأسيس الحزب سوى ثلاثة أشهر حتى تمكن من احتلال المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية لشتنبر 2009 وما تبعها من محاولات لتفكيك التحالفات والتحكم في مفاصل التدبير المحلي.
على الجميع أن يستحضر هذه الخلفية عندما يصرح قياديو الحزب بأن البلاد فيها قوتان سياسيتان لا ثالث لهما: حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة..!
إنها تصريحات خطيرة، تستبطن النزعة الهيمنية للحزب الذي سبق له أن هشم بنية العديد من الأحزاب وقام بالسطو على جزء معتبر من منتخبيها وحطم ما تبقى لدى بعضها من كرامة، ونجح في تطويع قيادات حزبية أخرى وفرض عليها الاستجابة لضغوطاته المحفوفة بالكثير من التوظيف الرمزي للغة التحكم ولأشياء أخرى..
العديد من المراقبين يعتبرون أن هذا المسار كان من الأسباب الرئيسية لاندلاع احتجاجات 20 فبراير/شباط، بعدما كانت البلاد تتجه نحو هيمنة حزب سياسي مدعوم من طرف الإدارة للاستحواذ على مفاصل الدولة والتحكم في منافذ الثروة..
بعدما تشكلت الحكومة الحالية قرر السيد فؤاد عالي الهمة تقديم استقالته من الحزب كما تم تعيينه مستشارا في الديوان الملكي. لقد كان قرارا حكيما لفك الالتباس الحاصل بين الدولة والحزب، وأنهى لعبة التوظيف الرمزي للقرب من الملك من أجل ترهيب عدد كبير من النخب السياسية وإغراء نخب أخرى بأن مسار التسلق الاجتماعي يمر عبر هذا الحزب.
لكن حزب الأصالة والمعاصرة تأخر كثيرا في القيام بالنقد الذاتي اللازم وسرعان ما أخذه الحنين إلى الأساليب السابقة، ولذلك ليس من المستبعد أن تكون عودة هذه الأساليب مرة أخرى وراء اليقظة التي ظهرت مؤخرا في لغة كل من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.
إن محاولة تبييض تجربة سياسية هجينة ألحقت الكثير من الأضرار بديمقراطية فتية ، ستكون محاولة فاشلة ما لم يتخذ مسؤولو الحزب القرار الصائب بحل أنفسهم وإعادة بناء منظومتهم الحزبية على أسس جديدة. كيف ذلك؟ هذا هو السؤال الذي سيظل يلاحق قادة هذا الحزب ما لم يتخلصوا من أعراض ولادة غير طبيعية في سياق غير طبيعي.
“القدس العربي”