الرئيسية / وجهات نظر / الحل في الديمقراطيّة
68c729d5fecdaf50c93d0777a5c0da2d

الحل في الديمقراطيّة

بقطع النظر عن قيمة الجائزة الممنوحة لكتلة حركة النهضة في المجلس الوطني التأسيسي فإنّ اسمها لا يخلو من دعوة إلى تأمّل واقع العالم الاسلامي في ظل المخاطر الماثلة للعيان، من صراع ضدّ التيارات التكفيريّة وبوادر حرب بين السنة والشيعة في العراق وسيلان للدماء في سوريا وليبيا ومصر وغيرها من الأقطار، اضافة الى التحدي التاريخي الذي رافق صعود حركات الاسلام السياسي للسلطة وانتهى بكارثة في مصر، ووفاق هش في تونس، ومصالحة بين الاسلاميين وخصمهم التقليدي أي الجيش حارس العلمانية في تركيا.
«المسلم الديمقراطي» هذا هو عنوان الجائزة وهو في الحقيقة التحدي الأكبر في عالم اليوم ، فصحيح أنّ جزءا من الاسلاميّين طبّع علاقته بالديمقراطية ولكن هل يعني ذلك بالضرورة انهم أصبحوا ديمقراطيين حقاً وحقيقة؟. في عالم السياسة محاكمة النوايا غير جائزة، وقد أثبت الاسلاميّون أنّهم قادرون فعلا على التصرّف كديمقراطيّين حقيقيّين، وليس كسياسيّين يُناورُون بموضوع الديمقراطيّة، وهي حال جزء من التيارات العلمانية التي اقترنت تجربتها في الحكم في عالمنا العربي بأبشع انواع الهيمنة والقمع والاستبداد والدكتاتوريّة.
في مواجهة التطرّف الديني في المنطقة وفي الشرق الاوسط عموما، الحل يكمنُ في الديمقراطيّة، التي يجب أن يتأقلم معها الجميع فيُدافعُون عنها وينخرطون فيها بجديّة ومسؤُوليّة، وكما الواجب يدعُو الاسلاميّين إلى القطع نهائيا مع التيارات والأفكار المتشدّدة والتكفيريّة فإنّ العلمانيّين بدورهم مدعوّون الى التطهّر ممّا في تراثهم السلطوي من ثقافة الوصاية والاستبداد والاستئصال.
ولعلّ تونس التي نجحت في البرهنة على إمكانية التعايش بين العلمانيّين والاسلاميّين قادرة على أن تقود هذه القاطرة التي احترقت أغلبُ عرباتها وتُشعل بارقة لأمل عربي جديد بعيدا عن التطاحن والاحتراب وسفك الدماء، إنّنا نحتاج جميعا علمانيّين وإسلاميّين ويساريّين إلى الديمقراطية، التي قد تُمثّلُ اليوم من الناحية المعرفيّة للإسلاميين بالخصوص «صدمة» لا تقلّ حدّة عن صدمة اكتشاف «العقل» ودوره في تشكيل منظومة المعرفة التراثيّة التي تركّزت في القرون الاولى للحضارة الاسلاميّة على النقل.
الديمقراطيّة هي السلاح في مواجهة التكفير والتشدّد ومشاريع الاستبداد والاستئصال، هي الأرضية التي يجب أن يقف عليها الجميع وأن يُنظر من خلالها الى مستقبل محاط بالكثير من المخاطر والفتن.
نعم، نحن نحتاجُ المسلم الديمقراطي والعلماني الديمقراطي والدستوري الديمقراطي واليساري الديمقراطي … حاجتنا للمواطن الديمقراطي، في مجتمع عرف الى حدّ كبير كيف يُديرُ خلافاته، بآليات ديمقراطيّة، تضمنُ الحق في الحرية والمشاركة والتنمية.
بنظرة واحدة الى عالمنا الاسلامي الذي تفوح من أرجائه المختلفة مشاهد الدماء وروائح الفتن والحروب الأهلية والارهاب، تبعثُ تونس برسالة واضحة إلى الجميع أنّ الحل في الديمقراطية، كممارسة وعقيدة صادقة وليس كمناورة تكتيكيّة.
الحل في الديمقراطيّة، هذا هو الدرس التونسي الذي على الجميع استيعابه وتمثّلهُ والالتزام به.
“الشروق” التونسية