الرئيسية / وجهات نظر / «الحراك العربي».. أي حصيلة؟
ادريس لكريني

«الحراك العربي».. أي حصيلة؟

إذا كانت أجواء الحراك قد أعادت الأمل إلى شعوب المنطقة نحو تجاوز الإكراهات القائمة، وتعزيز الحقوق والحريات وبناء دولة مدنية ديمقراطية حاضنة لجميع المكونات، وقادرة على تحقيق التنمية في مختلف تجلياتها، بما يدعم ترسيخ الشرعية، فإن هناك مجموعة من التحديات واجهت تحقّق هذا الرهان، في ارتباط ذلك بحالة الجمود السياسي التي شهدتها المنطقة على امتداد عدة عقود مضت، والصعوبات الاجتماعية القائمة في علاقتها بتفشي البطالة والفقر، والصعوبات الاقتصادية، والمحيط الإقليمي والدولي المتهافت، والقوى الداخلية المقاومة للتغيير.
وبالرغم من ذلك، فقد كان من حسنات هذا الحراك أنه مكن شعوب المنطقة من الوقوف على حقيقة النخب المختلفة، سواء تلك التي فرضت نفسها بعدما اختارت الاحتماء بالنظم السابقة، أو تلك التي اختارت التّموقع إلى جانب الشّعوب ومعانقة آلامها وآمالها رغم الصعاب والتحديات المختلفة التي واجهتها.
كما سمح أيضاً بالوقوف على مختلف الاختلالات التي تراكمت على امتداد عقود مضت، وهو ما يمكن أن يشكل عامل قوة داعمة للتحول، في حال التعاطي معها بجدية وموضوعية.
إن وضعية الأزمة التي تعيشها الكثير من دول المنطقة، على مستويات عدة، لا تعني بالضرورة أن الحراك بالمنطقة فشل أو أحدث ارتدادات نحو استبداد جديد، طالما أن هناك نقاشات جديدة وجريئة برزت على السطح.. إن التحول من وضعية الشمولية والهيمنة إلى وضعية المؤسسات والممارسة الديمقراطية، لا يتأتى بين عشية وضحاها، كما أنه لا يتأتى من دون كلفة أو تضحيات.
فالتجارب الدولية الرائدة في هذا الصدد، تؤكد أن العبور إلى مرحلة الديمقراطية لم يخل من مشاكل وتعقيدات وتضحيات، فقد تطلب الأمر جهداً ووقتاً ليس باليسير، بل إن الأزمات التي أفرزها التحول، غالباً ما دفعت نحو الإبداع والاجتهاد في الحلول والبحث عن سبل أكثر جدية وفعالية لتجاوز المعضلات المطروحة، وشكلت فرصة لتعزيز المكاسب وتطوير التجارب والخبرات.
إن التحول الديمقراطي هو عملية شاملة وشائكة، ورغم وجود مبادئ عالمية في هذا الصدد، فإن استحضار خصوصيات محلية في هذا الشأن، يعطي للتحول ثباتاً ودينامية أكبر.
لا يمكن الحديث عن مدخل سحري وأحادي لتحقيق هذا التحول، ذلك أن الأمر يتأثر سلباً وإيجاباً في مجموعة من الظروف والعوامل الداخلية والخارجية، وبطبيعة الثقافة السائدة داخل المجتمع وما إذا كانت تدعم هذا التحول والتغيير أم ترفضهما.
كما يظل أيضاً رهيناً بالمسافة التي تأخذها المؤسسة العسكرية من التحول، وبطبيعة الضمانات الدستورية ومدى شفافية ونزاهة الانتخابات التي تشهدها المرحلة، إضافة إلى نجاعة التدابير الاقتصادية ومدى انعكاسها على أوضاع المجتمع.

إقرأ أيضا: الحراك العربي والمحيط الدولي

يشير مآل الحراك في المنطقة إلى عدم الاستفادة من التجارب الرائدة المرتبطة بالتحول الديمقراطي، في علاقة ذلك باستحضار آلية العدالة الانتقالية والتوافق بشأن القضايا الخلافية الكبرى والتركيز على المشترك بين مختلف الفصائل والأحزاب المتصارعة.
إن المسارات المرتبكة التي عرفها الحراك تعود في جزء كبير منها إلى عدم استئثار مختلف القنوات المعنية بالتنشئة الاجتماعية بترسيخ ثقافة الديمقراطية واحترام التعدد في الرؤى والمواقف، وإلى عدم وجود بيئة اجتماعية داخلية حاضنة للتحول في علاقتها بمقومات الوحدة الوطنية. وهناك ضعف فعاليات المجتمع المدني أو غيابها، ما أثر بالسلب في حرية التعبير والتنظيم، إضافة إلى ضعف أو عدم وجود ثقافة سياسية تدعم هذا التحول على مستوى سيادة ثقافة الحوار والتعدد والاختلاف والاجتهاد والتداول السلمي على السلطة.
ولا تخفى التداعيات السلبية لعدم القدرة على تدبير الاختلاف والتنوع في منطقة غنية بمكوناتها الاجتماعية، مما جعل هذا التنوع يتفجر في شكل صراعات مذهبية وحروب أهلية بدلاً من أن يشكل عامل قوة ووحدة داخل المجتمع.
وتنضاف إلى ذلك الإشكالات الثقافية والسياسية التي يطرحها الفصل بين الدين والدولة في المنطقة، إضافة إلى الضعف الذي يميز أداء المعارضة السياسية، وفي الوقت الذي كان فيه العامل الدولي والإقليمي داعماً للتحول في أوروبا الشرقية نجده سلبياً ومربكاً في حالات الحراك بالمنطقة.
وتظهر مختلف التجارب الدولية الرائدة المتعلقة بالتحول الديمقراطي أهمية تشجيع وتحفيز فعاليات المجتمع المدني وإتاحة هامش واسع لتحركه في هذه المرحلة، كما تتطلب المرحلة تعزيز أسلوب الحكامة الأمنية، عبر إصلاح الأجهزة الأمنية باعتبارها الأكثر احتكاكاً مع المواطنين خلال هذه المرحلة، والتركيز على دعم الاستقرار والأمن.
ويمكن أيضاً ملاءمة التدابير والإجراءات المتخذة والتجارب المستحضرة مع طبيعة الصراعات والإشكالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في دول الحراك.
تشير الممارسة أيضاً إلى أن المدخل الدستوري وعلى أهميته في وضع الضمانات والأسس التي يستند إليها الفاعلون، فهو لا يقدم مع ذلك حلاً سحرياً في تحقيق التحوّل الديمقراطي.
أمام المشاكل التي تتخبط فيها دول الحراك في المرحلة الراهنة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، سعت الكثير من القوى السياسية والأكاديمية في المنطقة وخارجها إلى ربط الحراك بالصراعات الدموية والتطرف ومصادرة الحقوق والحريات.
إن التحولات الجارية بالمنطقة بمخاضها العسير، لا تحيل إلى الدماء فقط ، كما هو الشأن بالنسبة للحالات السورية والليبية واليمنية، ذلك أن مسار التحول في تونس أفضى إلى التوافق بشأن الدستور، وتنظيم انتخابات أكثر حرية وديمقراطية مقارنة بما كان عليه الأمر في السابق.
تواجه دول الحراك مجموعة من التحديات والصعوبات، وهي تختلف من دولة إلى أخرى، وتشير الممارسة إلى أن التجارب الدولية الحديثة على مستوى التحول الديمقراطي تتقاسم الكثير من المقومات والمداخل، فهي تجارب منفتحة في مجملها، تنهل من التراكمات الدولية التي سبقتها ومن الاجتهادات الفكرية، علاوة على كونها تحتمل الاجتهادات التي تبدعها النخب المحلية انسجاماً مع خصوصية المجتمع وخصوصية التجربة في ارتباطها بطبيعة الفاعلين وموازين القوى القائمة وشكل الثقافة السياسية السائدة داخل المجتمع.
ويعتبر استحضار هذه التجارب الواعدة على مستوى التحول في دول المنطقة، أمراً حيوياً بالنظر إلى كونها تقدم دروساً وعبراً تسمح بالاستفادة منها ميدانياً بأقل كلفة.

*أستاذ العلاقات الدولية والحياة السياسية/”الخليج”