الرئيسية / وجهات نظر / 2015 سنة التحدّيات الجسام في تونس
TAWFIK MADINI

2015 سنة التحدّيات الجسام في تونس

طوت تونس سنة 2015 بتحقيق إنجاز مهم، تمثل في عملية التحوُّل الديمقراطي الناجحة في العالم العربي. ففي حين أنَّ بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط قد ارتدَّت بعد الربيع العربي من جديد إلى حالة من الفوضى والديكتاتوريات، فإنَّ تونس تشكِّل حالة استثنائية. حيث يعتبر المسار الديمقراطي الواعد بالنجاح في تونس، مسقط رأس الربيع العربي، بمثابة شوكة في عين القوى المتطرِّفة. ولذلك فإنَّ الهدف من هذه الهجمات هو زعزعة الديمقراطية الفتية في تونس.
إنها اللبنة الأولى في بناء مؤسسات الدولة المدنية الديمقرطية التعددية، التي عجزت الأيديولوجيات الشُمُولِيَة (الإسلامية والقومية والماركسية) عن بنائها في العالم العربي، لكن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة المتشبع بالثقافة الفرنسية والمتأثر بكمال أتاتورك، كان أول من أرسى الدولة المدنية ذات الاتجاه العلماني عند العرب، لاسيما أن الدولة المدنية ليست بدولة عسكرية، وليست أيضاً بدولة دينية، لكنها ليست بالضرورة أن تكون دولة علمانية بالمعنى الغربي للكلمة.
وتمثل الوجه المشرق لتونس في سنة 2015، في نيل المنظمات الأربع الراعية للحوار الوطني، جائزة نوبل للسلام، التي منحت الشرف لتونس، ولكل فعاليات المجتمع المدني وعموم التونسيين الذين آمنوا بقيمة السلم الأهلي ودافعوا عن حقوقهم المدنية بكل شجاعة، لاسيما أن هذه الجائزة تشكل في الوقت الحاضر سندا دوليا جديدا لثورة تونس ولشعبها ودعما لها في اتجاه استكمال بناء أسس ديمقراطيتها الناشئة بالحوار والتوافق الضامن للتعددية ووحدة الوطن وأمنه في منطقة تعصف بها الصراعات.
باستثناء ذلك، عاشت تونس في ظل ديمقراطية ناشئة، وواجهت تحدّيين أساسيين، أولهما: الصعوبات الاقتصادية، إذ عانت تونس ولا تزال من ظواهر خطيرة باتت تشكل أمراضا هيكلية للاقتصاد التونسي، ألا وهي ظاهرة البطالة التي تؤثر على أكثر 17 في المئة من عدد سكانها البالغ عددهم 11 مليون نسمة، واستفحال الأمراض الإدارية المعدية مثل الروتين والرشوة وعدم الشعور بالمسؤولية، وسقوط القيم الوطنية وبالتالي القيم الاجتماعية إلى الهاوية، وانتشار الذاتية والأنانية الموغلة في الفردانية، وظاهرة الفساد وسرقة المال العام وتجاوز السلطة والاعتداء على أملاك الدولة، ممّا نتج عنه وجود شبكة مصالح أوجدت لوبيات بشكل حتمي لها ارتباطات قوية فيما بينها للدفاع عن وجودها، فبقائها، فتطوّرها وانتشارها، فاتساع رقعتها، وأصبحت تلك الارتباطات تنشط خارج إطار الدولة من خلال التهريب والتهرب الضريبي، الأمر الذي تحوّل بمرور الزمن إلى ثقافة عامة تسرّبت حتى إلى مؤسسات الدولة.

إقرأ أيضا: تونس بين واقع التسوية وأمل الحوار الوطني

تفيد كلّ المعطيات الرسمية وغير الرسمية، أنّ الوضع الاقتصادي في البلاد سيّئ وتؤكد كلّ المؤشرات على خطورته إذا تواصلت حالة الانكماش، وكان من استتباعات ذلك سيطرة الاقتصاد غير الموازي على اقتصاد الدولة، وانتشرت بذلك ظاهرة التهريب، وأصبحت الأرقام تتحدث عن تجاوز الاقتصاد الموازي نصف الاقتصاد الوطني الشرعي، وأمام انتشار رأس المال غير المراقب وغير المهيكل والخارج عن مسارات الدولة التي لها القدرة دون غيرها على منعه من الانخراط في الجريمة، وقد أكدت المعطيات ارتباط جزء كبير من الاقتصاد الموازي واقتصاد التهريب بالإرهاب، لأنه لا يستطيع الحركة إلاّ خارج أُطر الدولة وفي ظل غيابها أو تغييبها.
رغم أن طبيعة رأس المال هي طبيعة توسّعية، فإنه ينحو في الوقت عينه إلى التمركز، لذلك أصبحت حركة رأس المال المرتبط بالتهريب في تونس تتمركز لدى بعض الأشخاص الذين يمكن عدّهم، وأصبح بعض العشرات يحتكرون نصف الاقتصاد التونسي وتمكنوا بناء على ذلك من الارتباط بشبكات ومافيات إقليمية ودولية، بعد أن أصبحت تونس فضاءً مناسبا لتحركهم في ظل عملية تغييب الدولة وغيابها بسبب الاضطرابات الأمنية والمؤامرات الداخلية والخارجية.
إن تمركز حركة رأس المال تحرم الجماهير الشعبية من التوزيع العادل للثروة وبالتالي تحرم المدن والولايات المهمشة من حقها في التنمية وفي الرخاء، ويزداد فقرهم، فيزداد الفقير فقرا ويزداد الغني غنًى، ويمكن بذلك في المجال السياسي إلغاء دور الجماهير الواعية القادرة على الاختيار بين البرامج على الأساس الطبقي أو الاجتماعي أو القيمي أو الثقافي… فتحويل الجماهير إلى مجرّد مجموعة أرقام يتم استعمالها للتصويت، في عمليات انتخابيّات صورية شكلية، يتمّ منذ البداية تحديد اللاعبين الأساسيين فيها وتُعرف منذ البداية نتائجها.
ولم يكن في برنامج حكومة «الديمقراطية التوافقية» التي يترأسها الحبيب الصيد، أي مسعى لمحاربة الفساد، الذي أصبح له لوبيات قوية داخل هياكل ومؤسسات الدولة نفسها، حيث أصبح بعض الفاعلين في حركة رأس المال الموازي ولوبيات ومجموعات ضغط سياسية وإعلامية، يمارسون المزاوجة بعد الثورة بين التهريب والإرهاب. فهم يمتلكون قنواتهم وإذاعاتهم وصحفهم الخاصة التي تدافع عن مصالحهم وتروّج للمواقف التي تخدمهم، وقد ارتبطت مصالحهم بوجهات وتصورات سياسية معينة، فتداخل المالي بالسياسي والإعلامي وأصبح للمافيات المحلية الكمبرادورية دور أساسي في تسيير المال والسياسية..
كما عجزت حكومة الصيد عن انتهاج نموذج جديد للتنمية يقوم على إعطاء دور حقيقي للدولة لكي تضطلع بالمشاريع الإستراتيجية المنتجة، والتحرر من ضغوطات الدول والمؤسسات المالية المانحة التي تريد فرض شروطها، لاسيما برامج الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد، التي تفرض التضييق الأقصى من مجالات تدخّل الدولة، وتوسيع مجال الأفراد الخواص الذين لا يتجاوز عددهم بعض العشرات على حساب الملايين من الفقراء، وعلى ضرب منظومة الفساد، وانتهاج سياسة إغراق البلاد في الديون الأجنبية.
وثانيهما، الإرهاب المستوطن، حيث أصبحت تونس مؤخرًا وبشكل متزايد هدفًا لهجمات إرهابية. فبعد الهجوم الذي استهدف في 18مارس 2015 متحف باردو، والذي قُتل فيه اثنان وعشرون شخصًا، وبعد الهجوم الذي وقع في فندق في مدينة سوسة في 26يونيو 2015 وقُتل فيه ثمانية وثلاثون شخصًا، تُوفِّيَ في الرابع والعشرين من شهر نوفمبر 2015 اثنا عشر شخصًا في هجوم انتحاري استهدف حافلة للحرس الرئاسي بالقرب من شارع محمد الخامس، الذي يعتبر من الشوارع الأكثر حيوية وازدحامًا في تونس العاصمة.
ومن الواضح أن الحكومة الحالية بقيادة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي عاجزة عن مواجهة تحديات الإرهاب الجديدة. إذ لا يتم اتِّخاذ إجراءات ضدَّ هذا التهديد إلاَّ بشكل حذر ومتحفِّظ للغاية، مما يؤدِّي إلى فقدان المدنيين ثقتهم في الحكومة، بسبب غياب إستراتيجية وطنية لمحاربة الإرهاب.

* كاتب وباحث تونسي/”بوابة الشرق”