الرئيسية / وجهات نظر / عن الوحدة المغاربية والمسألة الصحراوية
خالد شوكات

عن الوحدة المغاربية والمسألة الصحراوية

حدثني كثير ممن عاصر الاستعمار، من آبائنا وأجدادنا، أنهم ما كانوا في ذلك الزمن الصعب يتصورون أنهم سيتحررون وسيطردون المحتل وسيعيشون بعد ذلك في دول ثلاث متباعدة، ناهيك عن أنها متنافرة ومتباغضة ومستعدية، تفرط بتفرقها في المصالح العليا لشعوبها، وتكلف ”لا وحدتها” سنويا عليها عشرات المليارات، وتجبر الآلاف من شبابها على البحث خارج حدودها عن أمل في الحياة وعن كرامة مفقودة أو مهدورة.
لقد دفعتنا أزماتنا المتلاحقة طيلة العقود الماضية، إلى التقوقع حول أنفسنا ونسيان أحلامنا الكبرى، وفي مقدمتها ومن أهمها الحلم المغاربي، فقبل ما يزيد عن السبعين عاما وعلى الرغم من مآسي الاحتلال البغيض وقبضته الشديدة العاتية كان القادة المغاربيون، قادة تونس والجزائر والرباط، يؤكدون على وحدة القضية المغاربية ويصرون على تحقيق حلم شعوبهم في تحرير أرضهم وإقامة دولتهم المستقلة الكبرى، وهو ما ترجم في أعمال مكتب المغرب العربي بالقاهرة أواخر أربعينات القرن الماضي، وتأكد في مؤتمر طنجة سنة 1958 الذي وعد شعوب المنطقة، حينها، بالوحدة بمجرد تحرير آخر قطر محتل، الجزائر التي تأخر استقلالها أربع سنوات ونيف عن استقلال الشقيقتيْن على يمينها وشمالها.
لم يكن ثمة في تلك السنوات تشكيك في مغربية الصحراء، ولم يكن هنالك في ذاك الزمان الحارق حديث من قريب أو بعيد عن شعب يسمى الشعب الصحراوي، أو حتى مجرد إشارة إلى إمكانية ظهور دولة رابعة أو خامسة أو سادسة، حتى أن الرواية تشير إلى أن الزعيم الموريتاني مختار ولد داده جاء إلى الملك محمد الخامس رحمه الله أواخر خمسينات القرن الماضي طالبا منح موريتانيا مجرد استقلال ذاتي، فأبى الملك المغفور له أن يَعدَ أو يوافق إيمانا منه بأن لرعاياه في الصحراء وعموم الغرب الأفريقي بيعة في أعناقهم منذ قرون مديدة، وأن صلتهم بالعرش العريقة أقوى من أن تقطعها حدود الاحتلال المُختلَقَة.
التقيت مرة على هامش قمة أفريقية في أديس أبابا شابا من قيادات البوليساريو، وسألته دون تردد ما الذي يجعل تونسيا، أو جزائريا أو أي عربي، يقتنع بوجود شعب آخر في المجال المغاربي يسمى الشعب الصحراوي، وهل ثمة ما يميز الإنسان الصحراوي عن الإنسان المغربي، فروابط اللغة والدين والتاريخ والجغرافيا هي نفسها، ناهيك عن وحدة التاريخ السياسي واعتبارات المصلحة العليا، وجميعها تكاد تجزم أن ساكن العيون أو الداخلة أو السمارة هو نفسه ساكن الراشدية أو مرزوقة أو كلميم، وأن تميز اللهجة أو اللباس أو الأكلة لا يبرر إقامة دولة إضافية أو الاقتناع بوجود شعب لم يجد من نسب يميزه غير حالة جغرافية فضفاضة لا يمكن حصرها، إذ الصحراء موجودة في بلدان الجوار كافة، وهي جزء من صحراء ممتدة من المحيط الأطلسي غربا إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي شرقا.
لقد أقعدت المسألة الصحراوية الحلم المغاربي عن التحقق، وعطلت جميع المبادرات التي رنت إلى تجاوز معضلات فترة الحرب الباردة وآثار الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي على المنطقة، ومن هذه المبادرات “الاتحاد المغاربي” الذي توقف نموه عند السنة الخامسة وأدخل جسده إلى العناية المركزة منذ ما يزيد عن العقدين، إذ هو قابع منذ 1994 في حالة موت سريري دون جرأة من الأنظمة السابقة أو الراهنة على إعلان وفاته نهائيا، وعلى الرغم من الجهود التي ما فتئت الرباط تبذلها منذ وصول الملك محمد السادس إلى السلطة أواخر سنة 1999، لتنمية المناطق الصحراوية ومنح سكانها مزيدا من الحقوق الثقافية والسياسية خصوصا بعد تبني المملكة لنظام “الجهوية الموسعة”، فإن المسيرة الوحدوية المغاربية لم تستأنف بعد ولا يمكن توقع انطلاقها من جديد قريبا.

اقرأ المزيد: الاتحاد المغاربي حلم الشعوب

إن تونس التي حافظت في أغلب الأحيان منذ الاستقلال على علاقات جيدة مع الشقيقتين المغرب والجزائر، لم ترغب في التورط بشكل مباشر في المسألة الصحراوية، لكنها كانت أغلب الوقت أقرب إلى تبني وجهة النظر المؤمنة بمغربية الصحراء غير أنها حبذت دائما عدم الغلو في رأيها أو الجهر به خشية توتير العلاقة مع الجارة الكبرى الجزائر، وما تزال الدبلوماسية التونسية، حتى بعد نجاح الثورة، مقتنعة بوجاهة هذه السيرة، وهو ما يقتضي في رأيي بعض المراجعة، حيث بمقدور الدولة التونسية لعب دور أقوى في قضايا المنطقة، بالنظر إلى الحاجة الماسة لإطلاق المشروع الوحدوي المغاربي من جديد، والعمل على إقناع الأشقاء الجزائريين بأهمية المساعدة في إقناع البوليساريو على التخلي عن التوجه الانفصالي والاندماج في السياق الديمقراطي المغربي والتعاون مع الرباط في إنجاح تجربة “الجهوية الموسعة”، وهو أمر عاد بالنفع على كثير من دول المنطقة، كأسبانيا التي تبنت النظام ذاته وأوجدت حلولا لتطلعات “الكتاليين” و”الباسكيين” في إطار أسباني موحد ومتنوع.
جاءت الديمقراطية لتوسع آفاق نظرنا، فإن لم يساعدنا الحكم الديمقراطي على النظر بعيدا، فإن هذه الديمقراطية ستظل مهددة ما دامت عاجزة عن تغيير المعادلات الفاسدة، ولأننا نؤمن بالأفق المغاربي، فإننا نؤمن بأن الصحراء مغربية وستستمر كذلك ما دام المغرب، دولة وملكية، قائما، وصحراء المغرب عامرة بالحضارة فيما تجتاح صحراء دول “س ص” جوائح الفقر والإرهاب والجريمة.

* باحث وسياسي تونسي/”العرب”