الرئيسية / وجهات نظر / نهاية ولاية بوتفليقة الرابعة
82025a2866f1f4a6c9e40cd2dfe221cf

نهاية ولاية بوتفليقة الرابعة

بأدائه اليمين الدستورية، يكون الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة قد أنهى ولايته الرئاسية الرابعة. يجوز القول أنه أتم ذلك بأخف الأضرار، وإن ليس على ما يرام.
بالنسبة لعائلة بوتفليقة والمحيطين بها والمستفيدين منها، الولاية الرئاسية الرابعة مختزلة في يومين: يوم الاقتراع، ويوم أداء اليمين الدستورية. الأول هو ذروة مخطط طويل الأمد، صعب ومعقد. والثاني إسدال الستار على المخطط.
هذان اليومان يتطلبان تخطيطا وعملا مضنيا وترتيات امتدت قرابة سنتين إلى الوراء. وقد شاهد العالم، يوم الاقتراع، رئيسا على كرسي نقال عاجزا عن وضع ورقة التصويت في غلافها. ثم شاهد الرئيس ذاته، يوم أداء اليمين الدستورية، يقرأ بصعوبة بالغة صفحة واحدة من خطاب طوله تسع صفحات. ثم يـتعرّض إلى تعذيب جسدي يفوق قدرته على التحمل، بنقله من مكان إلى مكان وإلزامه بالاستعراضات العسكرية مع ما يتطلب ذلك من مجهود عضلي وذهني غير متوفر لدى صاحبه.
التصويت كان المرادف لنتيجة الصندوق. وقد كان ضروريا لتوفير شرعية السنوات الخمس المقبلة. وقد مرّ بسلام، من وجهة نظر المحيطين بالرئيس. واليمين الدستورية هي المراسم التي تمنح الرئيس ومحيطه آخر جرعات الأمان، لأنها تـُسدل الستار على العملية الانتخابية وتجعل الحديث عنها ضربا من الماضي.
اليوم يستطيع الرئيس أن يعود إلى فراش مرضه مطمئنا، لأن المسرحية مرت من دون مفاجآت غير سارة، ويدير البلاد عن طريق وكلاء ويخاطب شعبه، بين الفينة والأخرى، بالمراسلة كما دأب خلال السنتين الماضيتين.
لن يكون بوتفليقة بعد الآن ملزما بالظهور أمام الجزائريين والعالم. ثلاثون ثانية تلفزيونية صامتة، في الأسبوع أو الأسبوعين، يستقبل خلالها مسؤولا محليا أو أجنبيا، ستكون كافية ليذكّر الآخرين بأنه موجود ويقوم بمهامه الرئاسية، وليقول المستفيدون منه إن ذهنه أكثر فطنة من عقول كل الجزائريين. أهم دروس التجربة المحزنة التي مرت بها الجزائر في الاسابيع والشهور الماضية، داخلية وخارجية.
داخليا اكتشف الجزائريون أن قدرة النظام الذي يحكمهم على التضليل والمراوغة لا حدود لها. يجب أن نعود قليلا إلى الوراء لنتذكر طريقة الجرعات المتتالية في التعامل مع الشعب، ودرجة الصدق المنعدمة تجاهه. في نيسان (إبريل) 2013 قال المسؤولون الحكوميون علناً أن بوتفليقة سافر إلى مستشفى فال دوغراس الفرنسي من أجل فحوص طبية روتينية، بينما كان الرجل مصابا بسكتة دماغية لم يكن مؤكداً انه سيخرج منها بسلام.
ثم كان لا بد من المرحلة الأخرى من الحقن، كأن يقال إنه فعلا مريض لكن ليس في خطر، مع إرفاق ذلك بعبارات الشفقة والتعاطف وأن كل الناس تمرض وهذا ابتلاء من الله.
وجاءت المراحل الأخرى: يظهر الرئيس في التلفزيون مقعدا وصامتا لثوان معدودات. ثم يظهر يتمتم لثوان أطول. ثم يظهر مصطنعا الوقوف في حضرة ضيوف أجانب غربيين فقط. ثم واقفا لثلاث أو أربع ثوان. ثم يتكلم بصوت غير مسموع. ثم بصوت مسموع وإن غير مفهوم.
وعندما حانت ساعة الحقيقة كان لا بد من التعامل معها بالطريقة ذاتها: الحقن. يظهر الرئيس في سيارة متجها الى المجلس الدستوري لتقديم ملف ترشحه الرئاسي. ولا يراه شعبه غير جالس. ثم أخيرا يخرج على كرسي متحرك، وقد كانت تلك ضرورة تحمل رسالتين، الأولى سياسية عن أن الرئيس غير مغيّب ذهنيا، والثانية إنسانية وهي محاولة استغلال مرضه بهدف زيادة رصيد التعاطف معه بين فئات الشعب غير المسيَّسة.
يجب القول إن نظام الحكم الذي يوفر لنفسه القدرة على إدارة وضع كهذا كل هذه المدة والخروج منه متفوقا رغما عن خصومه وشعبه، مبدع ولا يكترث لشيء ولا هدف له غير إطالة عمره مهما كانت الذرائع والشعارات. ولا عزاء للجزائريين في سنوات خمس (أخرى) عجاف مظلمة أبطالها صنّاع الفشل أنفسهم الذين يحومون حول الحكم منذ 1999 وحتى من قبل ذلك.
هذا هو واقع الحال ما لم يتحرك المجتمع السياسي والمدني لإنقاذ الجزائر مما هي فيه بالضغط تجاه تقليل مساحة الفساد السياسي والإداري والمالي المستشري في كل مفاصل الدولة والمجتمع.
لقد وفر نظام الحكم الجزائري، على رأسه بوتفليقة، لخصومه السياسيين وللمجتمع المدني غير الفاسد، فرصة وأسباب التنظيم والتحرك. الظروف السياسية في الجزائر اليوم تشبه إلى حد كبير ظروف 1999 عندما أطلقت انتخابات الرئاسة آنذاك والطريقة التي جرت بها بشائر أمل في المجتمع وفي صفوف المعارضة، وأوحت بأن هناك فرصا وقدرة على التنظيم وبأن الجمود ليس قدرا محتوما.
لكن الذين عـُلّقت عليهم الآمال من رموز سياسية، اختاروا طريقا آخر.. فعادوا إلى بيوتهم تاركين المجتمع لشأنه، فكان أن تلاشت الأمال والفرص.
إذا ضيّع المجتمع المدني والسياسي في الجزائر فرصة 2014 مثلما ضيّع فرصة 1999، فسيكون من حق بوتفليقة أن يحكم الجزائر من القبر، أو أن يورّثها لأحد أشقائه، ولا لوم عليه.
هناك دروس الخارج في تجربة الشهور والاسابيع الماضية. أول مهنئي بوتفليقة بعد إعلان نتائج الانتخابات، كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وهو أشد العارفين بالانتخابات وظروفها وظروف بوتفليقة.
لكن مصالح فرنسا الاقتصادية والمالية والاستراتيجية، أسمى من أي شيء آخر وتمنع اولاند وغيره من التأخر دقائق في إعلان التهنئة. ببساطة، كان اولاند يرد الجميل لرئيس فتح، بمكالمة هاتفية واحدة، سماء بلاده للطيران الحربي الفرنسي ليشن عمليات في مالي. وكان يهنئ رئيسا يسمح وجوده للشركات الاقتصادية بقنص أغلب صفقات البنى التحية والمنشآت في الجزائر. وكان يهنئ رئيسا يجد متعة خاصة في الحديث لشعبه ومساعديه باللغة الفرنسية، وتطورت هذه اللغة في عهده أكثر مما فعلت في عهود أسلافه مجتمعين.
ولم تقل أمريكا شيئا لأنها لا تريد تشويشا على دور الشرطي الذي تقوم به الجزائر على دول الساحل ومخاطرها الإرهابية. جزائر بوتفليقة تقوم بالدور جيدا، فلماذا التطلع إلى تغيير الحارس مع ما يفرض ذلك من عمل جديد مع الحارس الجديد؟
عندما زار كيري الجزائري في ذروة الحملة الانتخابية الشهر الماضي، قال إن بلاده تتطلع إلى انتخابات نزيهة تمكّن الجزائريين من اختيار من يحكمهم بكل حرية. وفعلا، جرت انتخابات نزيهة واختار الجزائريون بكل حرية!
بريطانيا هنأت بوتفليقة، وقد فعلت وعينها على حقول الغاز في أعماق الصحراء الجزائرية ونصيب شركة ‘بريتيش بتروليوم’ منها، وكذلك حالة خطوط الإمداد الخارجة من جوفها إذا ما تأزمت السوق العالمية بسب الأزمة الأوكرانية.
الحكومات الغربية ديمقراطية وصادقة مع شعوبها، كاذبة فاشية عندما يتعلق الأمر بمجتمعات خارج حدودها. الجزائر بالنسبة لأمريكا وأوروبا هي شيئان: مستودع ضخم من النفط والغاز، وحارس يساعد في توفير الحماية من موجات الهجرة وخطر الإرهابيين المحسوبين على تنظيم القاعدة وما يتفرع عنه.
الباقي كله يستطيع الانتظار، وأمامه الوقت الكافي.
“القدس العربي”