الرئيسية / المغرب الكبير / الظاهر والخفي في زيارة “كاسترو” للجزائر
KASTROU0000

الظاهر والخفي في زيارة “كاسترو” للجزائر

تختلف الزيارة الحالية للرئيس الكوبي، راوول كاسترو، الى الجزائر، لمدة ثلاثة ايام، ابتدأت يوم الثالث من مايو، عن سابقتيها عام 2009 من حيث طبيعتها وتوقيتها وأبعادها.
وعلى الرغم من ان البلاغ الصادر عن الرئاسة الجزائرية، عوم الزيارة في بحر عبارات إنشائية، تشيد بالعلاقات الثنائية الممتازة التي تجمع البلدين، منذ حكم الرئيس الراحل، احمد بن بلة، فان الزيارة يكتنفها في حقيقة الامر، قدر لا بأس به من الغموض.
وبالطبع توجد بين الجزائر، وهافانا، ملفات مهمة تستوجب تبادل الزيارات السرية والعلنية وتنسيق المواقف ووجهات النظر بين الجانبين، حيال العديد من القضايا الدولية.
وما يستوقف الملاحظ في البيان الجزائري الرسمي، اشارته الى ان قائدي البلدين، بوتفليقة وكاسترو، سيبحثان مستجدات الوضع الدولي، بما فيه افريقيا والعالم العربي.
ويبدو الانشغال بأوضاع افريقيا مشروعا الى حد ما، بالنسبة لكوبا، فقد كانت حاضرة عسكريا لسنين، في انغولا والموزمبيق بعد استقلالهماعن البرتغال، وحيث قاتل الكوبيون في صف النظام ضد المتمردين المدعومين ماديا وتسليحا من المعسكر الغربي، بمعنى ان كوبا كانت تحارب بالوكالة عن المعسكر الشرقي، في قارة بعيدة عنها.
لكن الامر مختلف بالنسبة لباقي الاقطار العربية، إذ بعد انهيار نظام العقيد القذافي، اصبح الحضور الكوبي في اغلب الدول العربية، مقتصرا على الجانب الدبلوماسي التقليدي.
وزيارة “كاسترو” هي الأولى التي يقوم بها الزعيم الكوبي الى خارج قارة اميركا الجنوبية، اذا ما استثنيت زيارته لنيويورك، بعد تطبيع الجزيرة الثائرة لعلاقاتها مع واشنطن، والشروع في ترتيبات الرفع التدريجي لحصار قاس ضرب عليها طوال اكثر من نصف قرن. وبالتالي فان الاقتصاد الكوبي مضطر للانفتاح على الخارج، لاستيعاب الرساميل المتوقع قدومها والتي مهدت لها السلطات الكوبية بمراجعة وتعديل مدونة الاستثمارات في افق تكييفها مع الاوضاع الاقتصادية الجديدة وكيفية استقبال المال الاجنبي في بلد لم يعلن بعد تخليه عن الاشتراكية والاقتصاد الموجه.
وفي ظل هذا السياق المغاير، ارتأى مسؤولو البلدين، ضرورة تأهيل علاقاتهما التجارية في صورة تمكنها من مواكبة مستجدات الثقافة الاقتصادية الجديدة التي تبنتها الجزائر قبل كوبا، كل بطريقته واسلوبه ومراعاته للاكراهات التي يواجهها.
ولا يقتصر التعاون الثنائي على تبادل البضائع والمنتوجات، بل يشمل شقا انسانيا، إذ تعتمد الجزائر على الخبرة الكوبية في مكافحة آفة امراض العيون، التي يعاني منها سكان بعض المناطق وخاصة الصحراوية ؛ حيث يقوم المآت من الكوادر الطبية الكوبية بالمساعدة في العلاج والحد من انتشار الوباء،من مجموع حوالي الف خبير تقني وفني كوبي،يعملون ببلد المليون شهيد.
ويبدو ان المسكوت عنه في هذه الزيارة التي قال الاعلام الرسمي بانها تمت بدعوة شخصية من الرئيس بوتفليقة، ملف العلاقات الخاصة الامنية والعسكرية؛ فالمعروف ان الدولة الكوبية تتحمل مع الجزائر أقساطا من اعباء “الجمهورية/ الوهم” التي أسستها، بشكل انفرادي ومتسرع، جبهة البوليساريو، فوق تراب اجنبي، بولاية ” تندوف ” جنوب غربي الجزائر.
ووفرت، كوبا، على مدى السنوات الاولى، ملاذا تعليميا وعسكريا، للمآت من الشباب الصحراوي، جرى اقتلاعهم في سن المراهقة،من بيئتهم المحلية وعائلاتهم،واقتيادهم عنوة الى مجاهل الغربة في كوبا، للدراسة والتدريب على خوض الحرب الكلاسيكية والشعبية، استعدادا للمواجهات مع المغرب!!
وبصرف النظر عن المآسي الانسانية التي خلفها “الترانسفير” القسري في نفوس الصحراويين، فان ما ينبغي تسجيله ان غالبية الاطر الفنية الصحراوية التي تعلمت في كوبا، هربوا بعد التخرج، من جحيم تندوف، او لم يعودوا اليها البتة.
وبما ان ملف نزاع الصحراء، بات متوقفا حاليا، عند النقطة الميتة وبعد ما تبين للمنتظم الدولي استحالة حل النزاع، وفق تمنيات واوهام، جبهةالبوليساريو، فلا يستبعد ان ينال الملف وقتا مهما من زمن محادثات ” كاسترو” مع المسؤولين الجزائريين، وفي المقدمة الرئيس بوتفليقة.
وسيكون من مصلحة الدولة الكوبية الخارجة من شظف الحصار، التحرر تدريجيا من أضغاث احلام الارث الثوري الرومانسي لزعيم ثورتها، فيديل كاسترو، لتعود “هافانا” الى حظيرة الدول الطبيعية، الحريصة على رفاهية واستقرار شعبها، بدل الاستمرار في وهم تصدير الثورة الايديولوجية، الى عالم يضج بالثورات المعرفية والتكنولوجية.
وبطبيعة الحال، يصعب التكهن بما سيدور بين، كاسترو، ومضيفيه الجزائريين،مع وجوب الاشارة الى انه في طريقه الى موسكو، حليفة بلاده في اتون الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية
جديد بالذكر ان شقيق، فيديل كاسترو،يختلف عن اخيه،في اتباع نهج براغماتي وواقعي،في تدبير شؤون الدولة،ما سهل انفتاحه على الخارج وتلقي الاخيراشارة النجدة والاستغاثة من كوبا.
وفي هذا الصدد لا ينبغي تناسي جانب انساني، ينطبق على، عبد العزيز وراوول؛ فالاول مريض منذ مدة، والآمال تتضاءل في استعادته تمام الحالة الطبيعية؛ اما نظيره الكوبي، فهو مسن (83 عاما) والرؤساء في مثل عمره، وبحكم التجارب المريرة التي واجهوها، يندر ان تظل صحتهم من دون علل.
وبهذا الاعتبار، ينظر مراقبون الى زيارة الرئيس الكوبي للجزائر، على كونها تأسيسا لعلاقات مستقبلية، تفتح صفحات جديدة، لن تكون كتلك التي دونها، فيديل كاسترو وبنبلة وهواري بومدين.
صحيح ان بوتفليقة، كان شاهدا عليها ولكنه لا يستطيع كتابة مثلها، فقد تغير العالم واعتلت صحته.