الرئيسية / المغرب الكبير / في قلب سرت الليبية..المدينة التي تسيطر عليها “داعش”
Daech

في قلب سرت الليبية..المدينة التي تسيطر عليها “داعش”

تضمنت سلسة التقارير التي أنجزتها الصحفية روث شيرلوك عن الوضع في ليبيا ونشرتها صحيفة “دايلي تلغراف” البريطانية روبورتاجا عن مدينة سرت التي تقع على الشريط الساحلي وسط البلاد، والتي سقط جزء منها في يد الفرع المحلي لتنظيم “داعش”.
داخل أحياء المدينة، تقول الصحفية البريطانية، تمت تغطية تماثيل الملابس في المحلات بملابس سوداء لا تظهر شكل المرأة، فيما كان مصير محلات تصفيف الشعر هو الإغلاق.
سرت، مسقط رأس القذافي والمدينة التي ألقي فيها القبض عليه ولقي فيها حتفه، أصبحت اليوم أكبر موطئ لتنظيم “الدولة الإسلامية” على ساحل المتوسط. تقرير “دايلي تلغراف” يظهر كيف أن مجموعة صغيرة من المقاتلين الأجانب كبرت لتصبح قوة يحسب لها ألف حساب، على بعد 480 كلم من السواحل الإيطالية.
“عندما أتوا إلى هنا كانوا قلة”، يقول ميلاد، أحد سكان المدينة الذي تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، مضيفا “لكن بعد ذلك التحق بهم العديد من السكان المحليين الذي يرون فيهم الوسيلة الوحيدة للحصول على السلطة في ليبيا ما بعد القذافي”.
“داعش” حولت قصر المؤتمرات الذي شيده القذافي لاستقبال قادة العالم مقرا لها. على أسطحه اتخذ عدد من القناصة مكانهم في الوقت الذي كانت تمر فيه سيارة “تويوتا” من نوع “هيلوكس” بمحاذاته.
أحد قادة “فجر ليبيا”، الميليشيات المنافسة للتنظيم، قال بثقة وهو يضغط على دواسة السيارة “لن يطلقوا النار لأنهم خائفون منا”.
جل المنطقة الشرقية للمدينة خاضعة اليوم لسيطرة “داعش”. التنظيم قام بالتمدد في المدينة بعدما تحول جزء منها إلى خراب بفعل ضربات حلف “النيتو” وبعدها تركت فريسة للفوضى، مما جعل سكان المدينة يضمرون في قلوبهم حقدا على حكام ليبيا الجدد بعد سقوط الزعيم الليبي الراحل.
“ما يزال كل سكان سرت تقريبا موالين للقذافي”، يقول ميلاد. ويستطرد “بعد الحرب حاول السكان أن ينأوا بنفسهم عن ليبيا الجديدة ويحنوا رؤوسهم ويحيوا حياة عادية”.
وفي غياب جهاز جيش وشرطة وطنيين أو قوة أخرى مسلحة، وفي ظل رفض سكان سرت لكل مظاهر السلطة “الثورية، كان تنظيم “أنصار الشريعة” هو من ملأ الفراغ في البداية.
“عندما قدمت عناصر أنصار الشريعة إلى سرت لم يكونوا عدائيين. شرعوا في تنظيم دروس لتلقين أفكارهم للناس”، يقول ميلاد، ويضيف أنهم “نجحوا في كسب قلوب الناس من خلال العمل الخيري وتبرعهم بالطعام والمال للفقراء”.
وبعد انقسام السلطة في ليبيا إلى حكومتين واحدة في طبرق والأخرى في طرابلس، تحالفت “فجر ليبيا” مع “أنصار الشريعة” بالرغم من الميولات “الجهادية” للتنظيم.
“أنصار الشريعة ظلوا يسيطرون على سرت منذ مدة ولم يكن لدينا أي مشاكل معهم. معظم أعضائها ينحدرون من سرت ولم يرتكبوا أي جرائم في حق أي أحد. كانوا يتمتعون بدعم القبائل المحلية”، يؤكد القيادي في “فجر ليبيا”.
على مدار سنتين كان علم”أنصار الشريعة”، وهو نفسه علم “داعش”، مرسوما بإحدى ملتقيات الطرق الرئيسية بالمدينة. كان هذا قبل أن يقرر “الخليفة” البغدادي أن يتحرك حيث بدأت عناصر أجنبية من “داعش”، من تونس ومصر والجزائر وجنسيات أخرى تحل بالمدينة.
السكان الأجانب كانوا أول المستهدفين من قبل هؤلاء، يقول ميلاد. “لقد قاموا بقتل طبيب مصري وزوجته. بعد بضعة أيام وجدت جثة ابنتهما البالغة من العمر 17 سنة”.
بعد أيام من التخطيط أعلنت “داعش” عن تواجدها بالمدينة بطريقة رسمية من خلال قيادة مجموعة من سيارات بيك أب بشوارع المدينة، حيث أعلنوا عبر مكبرات مآذن المساجد أن سرت صارت جزءا من “دولة الخلافة”.
انطلق الموكب بعد ذلك إلى مقر “أنصار الشريعة” حيث رحب أعضاءها بعناصر “داعش” وأعلنوا مبايعتهم لأبي بكر البغدادي.
عناصر “داعش” بذلت جهودها من أجل استقطاب الموالين للقذافي. في هذا نهج التنظيم نفس التكتيك الذي اتبعه في العراق من خلال استقطاب عناصر من النظام البعثي الذين لولاهم ما كانت “الدولة الإسلامية” لتسيطر على مدينة الموصل، مستفيدة من سعي هؤلاء للانتقام ممن خلفوا صدام حسين في السلطة.
ضابط في الشرطة العسكرية أكد لمراسل “دايلي تلغراف” أن عددا من الموالين للقذافي انضموا إلى “داعش” لأنهم “أحسوا بأنها توفر لهم الحماية”.
أحد أمراء “داعش” في سرت هو حسين الكرامي، شقيق إسماعيل الكرامي، الذي كان يتقلد رتبا رفيعة في المخابرات الليبية والذي يقبع اليوم في السجن في مصراتة.
بعد تولي “داعش” زمام الأمور أحكمت قبضتها على المناطق التي خضعت لها، وما كان يتم تداوله بخصوص ضرورة تطبيق “الشرع الإسلامي” أصبح أوامر يتم تنفيذها بقوة التهديدات.
ويقول ميلاد “لقد اقتحموا الجامعة وأمروا بأن لا يدرس الرجال والنساء معا وقاموا بإغلاق المقاهي التي يتم فيها تدخين الشيشة”.
كما أصبحوا يوفرون فرص شغل لأعضائهم حيث صاروا يأمرون أصحاب بعض المحلات بتشغيل أنصارهم وإلا سيكون مصيرهم القتل، يقول الضابط بالشرطة العسكرية.
في شهر فبراير الماضي أعلنت عناصر التنظيم عبر الإذاعة عن سيطرتها على المدينة وبثت شريط فيديو ذبح 21 رهينة قبطيا من مصر.
الفيديو استخدمت فيه نفس عناصر الدعاية التي يستخدمها التنظيم وأظهرت دماء الضحايا وهي تمتزج بمياه البحر فيما يتوعد أحد مسلحيه بأن “داعش” ستزحف نحو روما.
شريط الفيديو زاد مخاوف الدول الأوروبية من أن تستغل “داعش” حركة الهجرة غير الشرعية في ليبيا من أجل شن هجماتها وهو ما خلق من الذعر لدى الحكومات الأوروبية.
الدبلوماسيون الأوروبيون، يقول المقال، ما يزالون يرون أن “فجر ليبيا” هي من يمكنه ردع متطرفي “داعش”.
بيد أن قادة “فجر ليبيا” ما يزالون يرفضون الاعتراف بوجود تنظيم “الدولة الإسلامية” فوق الأراضي الليبية.
“لا يوجد أي شيء اسمه “داعش” في ليبيا”، يقول المتحدث باسمها جمال الزوبية قبل أن يضيف، “المجتمع الدولي مجنون عندما يقول إنها “داعش”. هؤلاء موالون للقذافي يحاولون استعادة السلطة”.
آخرون يقرون بأن “داعش” مشكلة حقيقية في ليبيا لكنهم يرون أن المعركة الدائرة بين “فجر ليبيا” والقوات المدعومة من قبل حكومة طبرق لها الأولوية.
أحد قادة “فجر ليبيا” أكد أن الأوامر التي توصل بها تفيد بنشر المسلحين على حدود المدينة ولكن لم يأذن له بالقتال.
من جانب آخر قامت “فجر ليبيا” من وراء الستار بإجراء مفاوضات مع زعماء القبائل من أجل انتزاع وعود منهم بعدم الرد في حال قتل أبناءهم من المنتمين إلى “داعش”.
كبير ممثلي “فجر ليبيا” في الحوار الليبي الذي احتضنه المغرب الأسبوع المنصرم، فتحي باشاغا، أكد أنه لا يمكن الانتصار على “داعش” من دون تشكيل حكومة وحدة وطنية تعيد الاستقرار إلى ليبيا.
باشاغا اعتبر أن القضاء على التنظيم عسكريا أمر مستحيل لأن ذلك يعني الدخول في حرب ضد غالبية الساكنة المحلية وأن شن أي هجوم على سرت سيزيد فقط من الدعم الذي يحظى به المتطرفون.
في حال ما إذا كان هذا التحليل صحيحا فذلك يعني أنه لن تتم معاقبة “داعش” في الوقت الحاضر على الجرائم التي ارتكبتها وأن التنظيم ماض في إحكام قبضته على المدينة.