الرئيسية / دراسات / دول الخليج وسوق النفط: المسارات المستقبلية والبدائل
tyfkv-gulf-countries-and-oil-market

دول الخليج وسوق النفط: المسارات المستقبلية والبدائل

مقدمة:
خطت دول الخليج خطوات كبيرة في مسيرة التحول من كيانات بدائية لا تملك أيا من مقومات الدولة الحديثة إلى دول حديثة خاصة في المجال الإقتصادي، ففي سنوات قليلة تمكنت من بناء مدن حديثة ومنظومات رفاهية إجتماعية عظيمة جعلتها قبلة الباحثين عن العمل والرفاهية والرخاء، وقد تضاعفت أرقام الأداء الإقتصادي لدول الخليج عدة أضعاف خلال فترة قصيرة وأمست بفضل ذلك، وفي سنوات قليلة، على رأس قائمة الدول المتقدمة حسب بعض المؤشرات الاقتصادية المعتمدة من قبل المنظمات الدولية.
إن علاقة دول الخليج بالنفط لم تكن دائما تلك العلاقة “الرومانسية”، حيث عانت دول الخليج وبشكل كبير بسبب إعتمادها المفرط على عوائد النفط من عدم إستقرار سوق النفط والتقلبات الشديدة في الأسعار والتي تركتها عاجزة عن وضع سياسات تنموية بعيدة الأمد، لذلك تمثل علاقة دول الخليج بالنفط إشكالية كبيرة فهي من ناحية لا تستطيع التخلي عن مداخيل النفط وذلك لحاجتها الشديدة لهذه المداخيل في عملية تحديث هياكلها الاقتصادية وإستكمال بناها التحتية، وهي من ناحية أخرى لا تستطيع الإعتماد على هذه المداخيل المتذبذبة في وضع خطط تنموية مستقرة وطويلة الأمد، الأمر الذي أدى في المحصلة إلى فشل دول الخليج في إقامة منظومات إقتصادية حديثة قادرة على المنافسة وعلى تحقيق معدلات نمو وتشغيل مقبولة، ولعل أبرز تجليات الفشل التنموي الخليجي هي معدلات البطالة التي تعاني منها كل دول الخليج والتي تعتبر عالية جدا بالمعايير العالمية وذلك بالرغم من وجود أعداد كبيرة من العمالة الإجنبية خاصة في القطاع الخاص الذي يعتمد عليها بشكل أساسي.
ومن الناحية السياسية فقد لعبت الوفرة المالية التي أتى بها النفط دور في عرقلة التطور السياسي للمجتمعات الخليجية وحالت دونها ودون التحول الديموقراطي، فقد مكنت العوائد المالية للنفط الحكومات الخليجية من تجنب الإصلاح السياسي والإستعاضة عنه بالرفاهية والرخاء الاقتصادي الذي قدمته كبديل عنه، ومن ناحية أخرى فقد كان وجود النفط سبباً في تداعي القوى الدولية الكبرى على دول الخيلج والتدخل في أدق شؤونها مما أفقدها جانب كبير من سيادتها وإستقلال قرارها السياسي والإقتصادي.
وهنا تثور التساؤلات التالية: ما هي المسارات المستقبلية لسوق النفط؟ وما هي تداعيات إنخفاض أسعار النفط الاقتصادية والسياسية والإستراتيجية على دول الخليج؟ وماهي الإجراءات التي يمكن اتخاذها لتجنب الاَثار السلبية؟

أولاً: المسارات المستقبلية لسوق النفط:

منذ ما يعرف بصدمة الأسعار التي كانت نتيجة قيام بعض الدول العربية المنتجة للنفط بحظر تصدير النفط إلى الدول الغربية الداعمة لإسرائيل إبان حرب إكتوبر 1973 قادت الدول الغربية جهود حثيثة لمحاولة إيجاد مصادر طاقة بديلة تجنبهم التعرض لمثل تلك التجربة المريرة، كما أن تجلي الخطر البيئي الحقيقي الناتج عن إستهلاك الوقود الأحفوري والأثر المدمر الذي يمكن أن تخلفه الكوارث الطبيعية الناتجة عن ظاهرة الإحتباس الحراري قد دعم الجهود الدولية الهادفة إلى تقليل الإعتماد على الوقود الأحفوري أومحاولة إيجاد بدائله له، وتتخلص تلك الجهود في التركيز على مسارين متوازيين:

المسار الأول: يهدف إلى تحسين كفاءة إستخدام الطاقة بمعنى جعل الأجهزة اكثر كفاءة من حيث إستهلاكها للطاقة، فالسيارات اليوم مثلاً تقطع مسافة أكبر لكل جالون من الوقود وهو ما يعبر عنه (Mile Per Gallon MPG) للدلالة على كفاءة إستهلاك المحرك للوقود.

المسار الثاني: تقليل الإعتماد على الوقود الأحفوري فيهدف إلى تنويع مصادر الطاقة من خلال إيجاد مصادر بديلة للطاقة تكون صديقة للبيئة ومجدية من الناحية الإقتصادية، وقد وضعت الكثير من الدول وفي مقدمتها الإتحاد الأوروبي أهدافاً للوصول إلى نسبة معينة من مصادر الطاقة البديلة والمتجددة من مجمل الطاقة الكهربائية المنتجة، هذا بالإضافة إلى الإستثمارات الضخمة في تقنية السيارات الكهربائية والتي تهدف إلى تقليل إستهلاك الوقود الأحفوري في قطاع النقل والمواصلات، وقد أدت هذه الجهود في المحصلة إلى خفض معدلات النمو في إستهلاك الوقود الأحفوري سواءً في قطاع النقل أو قطاع إنتاج الطاقة الكهربائية.
خلال السنوات العشرين الأخيرة لم يطرأ تغيراً كبيراً على الإحتياطات النفطية المؤكدة والقابلة للإستخراج الأمر الذي دفع العديد من الخبراء النفطيين إلى الحديث عن نظرية ذروة النفط (Oil Peak Theory) القائلة بأن إنتاج النفط قد وصل ذروته، وأن الإنتاج سوف يدخل في منحنى هبوطي ما يعنى أن حقبة النفط الرخيص قد ولت إلى غير رجعة، إلا أن إكتشاف ما يعرف بالنفط الصخري (Shale Oil) أو بالأحرى إكتشاف وسيلة عملية ومجدية إقتصادياً لإستخراجه والذي يعتبر الحدث الأبرز في سوق النفط خلال العقدين المنصرمين قد يغير من وجهة نظر المؤمنين بنظرية ذروة النفط، منذ العام 1985 دخل الإنتاج الأمريكي من النفط في تراجع مستمر إلى العام 2008 فقد تراجع من 9 ملايين برميل يومياً إلى أن بلغ 5 ملايين برميل يومياً، إلا أن ما بات يعرف بطفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة والتي بدأت في عام 2005 أدت إلى زيادة إنتاجها من النفط من 5 ملايين في عام 2007 إلى أن يصل إلى 7.5 مليون في عام 2013[1].
وقد ساعدت طفرة النفط الصخري في رفع معدلات نمو إنتاج الولايات المتحدة من النفط ومن ثم الإقتراب كثيراً من الهدف الذي أعلنت عنه وهو الوصول إلى الإستغناء على مصادر الطاقة الأجنبية المستوردة من نفط وغاز طبيعي.
إن تراجع أو استقرار الطلب مقرونا بالنمو الكبير في إنتاج النفط الصخرى يعني أن مكانة النفط التقليدي كـ(المورد الرئيسي) للطاقة سوف تهتز وأن أهميته كسلعة إستراتيجية ستشهد تراجعاً رغم أن الإعتماد عليه كأحد مصادر الطاقة الرئيسية من المتوقع أن يستمر في المستقبل المنظور، والأسباب وراء هذا التراجع كما رأينا عديدة منها ما يتعلق بجانب الطلب مثل تحسن كفاءة إستخدام الطاقة أو تطوير مصادر بديلة ومتجددة للطاقة ومنها ما يتعلق بجانب العرض كطفرة النفط الصخري التي ستزيد من المعروض النفطي في الأسواق، وهذا يعني في المحصلة أن أسعار النفط ستشهد تراجعاَ مضطرداَ (irreversible decline) وإن كانت هنالك إمكانية لإرتفاعات اَنية لكنها ستكون إستثناية وإستجابة لظروف وقتية معينة.

ثانياً: تأثير تراجع أهمية وأسعار النفط:

إن تأثير تراجع أسعار النفط على دول الخليج (2014) لن يكون كسابقيه، إذ من المتوقع أن يتجاوز التأثير الحيز الإقتصادي بحيث تكون هناك اَثاراً سلبية على الأوضاع السياسية والإستراتيجية كذلك، فمن الناحية الاقتصادية لعل من أبرز الأخطاء التي وقعت فيها دولة الخليج في المرحلة الماضية هي الخلط بين النمو والتنمية.
وقد ساعدت عوائد النفط في خلق هذا الخلط وتعزيزه نتيجة لمعدلات النمو العالية وحالة الرخاء الكبيرة التي تحققت بفضلها ما دفع إلى الإعتقاد أن ما تشهده دول الخليج هو حالة من حالات التنمية الإقتصادية الشاملة وليس مجرد حالة نمو تمخضت عن الوفرة المالية الناتجة من عوائد النفط، بالنسبة لدول الخليج فإن تراجع أسعار النفط يعني أمراً واحداً وهو أن مداخليها المالية ستشهد تراجعاً مستمراً ما سيؤثر على إمكاناتها المالية بشكل كبير.
وهذا الأمر يعني في المحصلة النهائية أن الحكومات الخليجية ستفقد القدرة على إدارة اقتصاداتها التي تعتمد بشكل أساسي على عوائد النفط، كما أن أداء القطاع الخاص سيتراجع كذلك كونه يعتمد بدرجة كبيرة وبصورة مباشرة على الإنفاق الحكومي، وهذا يعني في المحصلة أن الإقتصادات الخليجية ستتراجع بشكل كبير، ذلك لأن النمو الإقتصادي الذي حققته دول الخليج في الفترة الماضية لم يكون نتيجة تنمية إقتصادية شاملة حسب الإعتقاد السائد بل بفضل النمو في عائدات النفط، كل ذلك يعني أن حالة الرخاء والرفاهية التي تمكن دول الخليج من توفيرها بفضل عوائد النفط ومن خلال إتساع دورها الاقتصادي ستضمحل وأن مشكلة البطالة القائمة في دول الخليج خاصة بين الشباب ستتفاقم.
أما من الناحية السياسية فقد إستغلت الأنظمة الخليجية عوائد النفط بشكل فعال بل الأكثر فعالية لتأخير أو عرقلة أي مطالب للإصلاح السياسي وذلك بطرحها للمعادلة التي تقول أن الرخاء الإقتصادي بديل للإصلاح السياسي، ومن المعلوم أن الرخاء الإقتصادي ليس متناقضاً وليس بديلاً على الإصلاح السياسي والمشاركة السياسية بل على العكس من ذلك تماماً إذ أن الإصلاح السياسي يعتبر من أهم متطلبات للتنمية الإقتصادية، إلا أن أنظمة الخليج قلبت المعادلة وجعلت الرخاء الإقتصادي غير الحقيقي والمتأتي من عوائد النفط بديلاً لأي عملية إصلاح سياسي.
وقد ظهرت هذه المعادلة بصورة أوضح بعد إندلاع أحداث ما إصطلح على تسميته “الربيع العربي” حيث تمكنت الأنظمة الخليجية من تحصين نفسها ضد هذا “الربيع” ومنعت إمتداد اَثاره المتمثلة في المطالبات بالديمقراطية والمشاركة السياسية إلى الداخل الخليجي من خلال زيادة الإنفاق على برامج الرفاهية الإجتماعية وبرنامج التوظيف ومكافحة البطالة التي تعتقد الأنظمة الخليجية أنها السبب الرئيسي وراء إندلاع الثورات العربية في ربيع 2011.
إن تراجع عوائد النفط ومن ثم فقدان الإمكانات المالية يعني أن الأنظمة الخليجية ستفقد القدرة على تفادي الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي وإعطاء حق المشاركة السياسية لشعوبها التي لا يمكن توقع ردة فعلها عند إنحسار الرخاء نتيجة تراجع عوائد النفط والتي قد تكون عنيفة وغير مُرشّدة.
ومن الناحية الإستراتيجية فإن منطقة الخليج ومنطقة المشرق العربي عموما لم تكن محط إهتمام القوى الدولية يوماً كما هي اليوم، ففي الماضي قليل من خارج المنطقة من كان يعرف منطقة الخليج أو يستطع أن يحدد موقعها على الخريطة أما اليوم فهي تتصدر نشرات الأخبار بشكل شبه يومي في الزوايا الأربع للعالم، وهذا الإهتمام لم يكن ليوجد لولا النفط وكون دول الخليج العربي إضافة إلي إيران والعراق تسيطر على ما يناهز 65% من الإحتياطات النفطية و 26% من الطاقة الإنتاجية.
إلا إن هذا الإهتمام الدولي بالمنطقة لم يكن دائماً أمراً إيجابياً ومساعداً على إستقرار المنطقة فنمذ السبعينات والمنطقة تنتقل من حرب إلى حرب إبتداء من الحرب العراقية الإيرانية 1980 وإنتهاءً بالغزو الإمريكي للعراق 2003، ونتيجة لحالة عدم الإستقرار في المنطقة ووقوعها بين قوى اقليمية طامعة، ونتيجة للقصور الشديد في إمكانات الردع العسكرية لديها إضطرت دول الخليج الصغيرة والغنية، طلباً للحماية العسكرية والغطاء السياسي، إلى اللجوء للقوى الدولية كالولايات المتحدة التي رحبت بدورها بلعب دور الحامي الذي سيتيح لها تواجدا عسكرياً في المنطقة وهو الأمر الذي كانت تسعى إليه منذ إنحسار النفوذ الفرنسي-البريطاني عن المنطقة بعد فشل عدوان 1956على مصر وذلك لحماية منابع النفط وتأمين خطوط إمداداته، وقد أعاقت هذه الحالة من الإعتمادية العسكرية والسياسية أية جهود لبناء إمكانات ردع عسكرية خليجية ذاتية أو حتى بناء تحالف سياسي أو إستراتيجي مع القوى الإقليمية الأخرى في المنطقة كباكستان أو تركيا يوفر لها الحماية العسكرية والغطاء السياسي الذي تحتاجه.
لذا فإن تراجع أسعار النفط وأهميته كسلعة إستراتيجية سيعني أن دول الخيلج سوف تفقد الدعم السياسي والحماية العسكرية التي توفرها لها القوى الدولية وفي مقدمتها الولايات المتحدة نتيجة تراجع الأهمية الإستراتيجية للنفط من ثم أهمية دول الخيلج لمصالح تلك القوى وهو ما سيكشف دول الخليج بصورة خطيرة للقوى الأقليمية المتربصة مثل إيران التي طالما سعت إلى إستعادت دورها الإقليمي ونفوذها على دول الجوار.

ثالثاً: البدائل والإجراءات التي يمكن أن تتخذها دول الخليج:

إن دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى إجراء إصلاحات على النماذج الاقتصادية الوطنية لرفع كفاءتها والعمل على إندماج الاقتصادات الخليجية لتعزيز مكانتها، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، إجراء إصلاحات سياسية تقوم على المشاركة الشعبية وتفعيل العمل الخليجي المشترك في مواجهة التحديات الإستراتيجية. وهنا تبرز مجموعة من الإجراءات التي تستطيع، بل يجب، على دول الخليج أن تتخذها سواءَ على المستوى الفردي أو على المستوى الجماعي، لتحقيق هذه الأهداف، ومن بين هذه الإجراءات:

المستوى الأول: الإجراءات الفردية:

1ـ رفع الدعم الحكومي عن السلع والخدمات خاصة الطاقة والمشتقات البترولية: من المعروف أن أسعار الطاقة والمشتقات البترولية في الخليج تعتبر من الأدنى في العالم، وذلك بفضل الدعم الحكومي الذي تقدمه دول الخليج، وهذا بدوره يترك أثرين سلبيين على الإقتصاد:

الأثر الأول: أن دعم الطاقة يزيد عبء الموازنات العامة دون فائدة كبرى للمواطنين خاصة وأن معظم المستفيدين من الدعم هم من الأجانب الذين يمثلون النسبة الأعلى من السكان.

الأثر الثانى: أن دعم الطاقة يُحدث تشوهات في الإقتصاد تؤثر على الكفاءة الإنتاجية للشركات المحلية كونها لا تتحمل كامل تكلفة الإنتاج، لذا فإن على الحكومات الخليجية إعادة النظر في برامج دعم السلع هذه ووضع خطة لرفعها أو على الأقل تقنينها وترشيدها بحيث تحدث الأثر المطلوب على الاقتصاد دون إن ترهق الموازنات العامة على أن يتم ذلك بصورة تدريجية ووفق خطة زمنية مدروسة لتجنب أية إختلالات مفاجئة في قوى السوق.

2ـ تقليص الدور الحكومي الاقتصادي وتفعيل عمل القطاع الخاص: لقد تعاظم الدور الاقتصادي الذي تمارسه الحكومات من خلال الشركات الحكومية التي أصبحت تستعين بها لتقديم الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والإتصالات والبريد والنقل والتي كانت تقدمها بصورة مباشرة وحتى وقت قريب من خلال الجهاز الحكومي كالوزارات والهيئات، وقد كان ذلك على حساب القطاع الخاص الذي تقلص دوره وحجمه، لذا فإن على الحكومات الخليجية تقليص دورها الاقتصادي والتخلي عن الشركات الحكومية أو عن حصصها في الشركات المساهمة العامة وتفعيل دور القطاع الخاص من خلال تشجيع ودعم الإستثمارات الخاصة المحلية والأجنبية وذلك لرفع كفاءة ونضج الهياكل الاقتصادية.

3ـ إصلاح سوق العمل (توفير الحماية للكوادر الوطنية من المنافسة الأجنبية): لعل من أكبر المشاكل التي تعاني منها دول الخليج هي مشكلة البطالة والتي تشكل عبء إجتماعي واقتصادي إضافي على الحكومات وعلى موازناتها العامة، ولعله من الغريب أن تعاني العمالة الوطنية في الخليج من هذه المشكلة، بالرغم من أن دول الخليج تستعين بالملايين من العمالة الأجنيبة.
إن التعامل مع مشكة البطالة على أنها مشكلة اجتماعية فقط، ساهم في تفاقمها إذ أنها مشكلة اقتصادية في المقام الأول حيث تعتمد النماذج الاقتصادية تتبناها دول الخليج على القطاعات المكثفة للأيدي العاملة الرخصية التي لا تستطيع العمالة الخليجية منافستها في مقابل عدم وجود التشريعات القانونية الكافية لحماية العمالة الوطنية من المنافسة الأجنبية، لذا يجب الإسراع في وضع منظومة قانونية تهدف إلى حماية العالمة الوطنية من المنافسة الأجنبية، وعدم فتح أي قطاع أمامها إلا في حالة عدم وجود أيدي عاملة وطنية كافية أو مؤهلة.

4ـ تنويع مصادر الدخل من خلال تحويل النفط من مصدر للطاقة إلى مورد أولي للصناعة (بتروكيماويات): بالرغم مما يقال عن مساهمة ما يعرف بالقطاع غير النفطي في النواتج القومية الإجمالية لدول الخليج إلا أن محاولات تنويع مصادر الدخل وتقليل الإعتماد على النفط لم تحقق النجاح المرجو وما تزال دول الخليج تعتمد وبدرجة مفرطة على النفط سواءَ كمورد للدخل الحكومي أو مكون في الصادرات أو كمصدر للدخل القومي وما مساهمة القطاع غير النفطي إلا مساهمة غير مباشر للنفط.
ولعل الفشل في محاولات التنويع يرجع بالدرجة الأولى إلى عدم تركيز دول الخليج على تنمية القطاعات التي تملك فيها أفضلية نسبية تجعلها أكثر تنافسية وكفاءة من باقي الدول والذي يأتي في مقدمتها قطاع الصناعات البتروكيماوية، وبالرغم من النمو الذي شهده هذا القطاع في دول الخليج إلا أنه ما تزال مساهمته محدودة لذا وجب التركيز بالدرجة الأولى في الفترة القادمة على تنمية هذا القطاع ودعمه بالإستثمارات المالية والأيدي العاملة الوطنية المؤهلة وذلك لتحويله إلى القطاع الرائد والمحرك الرئيسي للاقتصادات الخليجية.

5ـ الإصلاح السياسي (المشاركة السياسية): تعتبر المشاركة السياسية من أهم مرتكزات الحكم الرشيد الذي بدوره يعتبر من أهم متطلبات التنمية الإقتصادية، والمشاركة السياسية وتداول السلطة يستوجب وجود درجة عالية من الشفافية التي تعتبر من أهم وسائل الوقاية ضد الفساد الذي هو العدو الأبرز للإقتصاد القوي الذي يجلب الرخاء الاقتصادي، إن جعل دول الخليج الرخاء الاقتصادي المتحصل من عوائد النفط، بديلاَ للإصلاح السياسي يعتبر من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها الأنظمة الخليجية إذ أنها ربطت شرعيتها بما تنفقة من أموال النفط ما يعنى أنه في حالة تراجع أسعار النفط وعائداته فإنها تفقد شرعيتها ومسوغات بقائها، لذا وجب الإسراع في وضع خطة إصلاح سياسي حقيقي يقوم على المشاركة السياسية الفاعلة للشعوب لأنها الضمانة الوحيدة للإستقرار السياسي والوئام الإجتماعي والرخاء الاقتصادي.

المستوى الثاني: الإجراءات المشتركة:

1ـ الإندماج الإقتصادي (في سوق العمل وأسواق رأس المال): لا شك أن للإندماجات الاقتصادية بين الدول العديد من الفوائد، لعل أهمها توسيع قاعدة السوق المحلي ما ينعكس إيجاباَ على الكفاءة الإنتاجية للشركات الوطنية، والوضع في دول الخليج ليس إستثناءَ بل أن الفوائدة التي يمكن أن يجلبها الإندماج الاقتصادي بين هذه الدول قد تتجاوز الفوائد التقليدية، فبالنسبة لأهم سوقين (العمل ورأس المال) واللتان تعانيان من اختلالات جوهرية تتمثل في البطالة بالنسبة لأسواق العمل والتقلب الشديد بالنسبة للأسواق المالية فإن الإندماج يمثل أبرز سمات الحل.

من ناحية سوق العمل فإن فتح الإسواق الخليجية على بعضها سيؤدي إلى تراجع كبير في معدلات البطالة حيث سيتم إستيعاب فائض العمالة في الأسواق التي تعاني من فائض (السعودية وعمان) من قبل الأسواق التي تعاني من شح في العمالة (الإمارات وقطر)، أما بالنسبة لأسواق المال فإن دمج الأسواق الخليجية سيجعلها أكبر حجماَ وأكثر عمقاَ وإستقرارا وجاذبية للاستثمارات طويل الأجل ومن ثم يحولها من أسواق مضاربية إلى أسواق استثمار.

2ـ تفعيل العمل الخليجي المشترك: تمر دول الخليج اليوم بظروف إستثنائية، فمن ناحية تعيش المنطقة العربية حالة عدم إستقرار إستثنائية بسبب الثورات والحروب الأهلية العربية، ومن ناحية ثانية تتمدد إيران بطموحاتها الإمبراطورية بشكل مخيف في الفراغ الذي تركه سقوط العديد من أنظمة الحكم العربية، ومن ناحية ثالثة تعيش دول الخليج حالة من التشرذم بل والصراع بسبب مواقفها المتباية من نتائج الثورات العربية، وأخيراَ هناك حالة التردد التي تعيشها الولايات المتحدة والدول الأوروبية تجاه التعامل من المستجدات في المنطقة.
هذا الاعتبارات وغيرها، أدت إلى إنكشاف دول الخليج بصورة غير مسبوقة فهي:
من ناحية: أن هذه الدول غير متفقة على سياسة موحدة تجاه أحداث الربيع العربي.
من ناحية ثانية: أن هذه الدول عاجزة عن مجاراة إيران في نفوذها خاصة في العراق واليمن.
من ناحية ثالثة: أن هذه الدول لا تستطيع أن تثق أو تُعول على المواقف الغربية التي تسعى وبأي ثمن إلى الوصول إلى إتفاق مع إيران حول برنامجها النووي.
ولعل هذه الظروف السياسية، وتراجع أسعار النفط، تُمثل فرصة تاريخية لدول الخليج لنبذ خلافاتها الجانبية، والسعى جدياً إلى تفعيل العمل المشترك، ورسم موقف خليجي موحد ووضع إستراتيجية واضحة لمواجهة التحديات الاستراتيجية في المنطقة، وفي مقدمتها الطموح الإيراني وتمدد الحركات الجهادية.