الرئيسية / دراسات / المصادر الدينية المشتركة بين مصر والمغرب القديمين
MAGHARIBAAHRA

المصادر الدينية المشتركة بين مصر والمغرب القديمين

بقلم: ذة. العقون أم الخير*

لا ينبني الحديث عن المصادر الدينية المشتركة بين مصر القديمة والمغرب القديم على فرضيات أو تخمينات، بل هو من الأمور التي تشكلها جملة من المعطيات، أهمها ما أسفرت عنه بعض الدراسات “الأركيولوجية” أو الحفرية بكلتى المنطقتين، وخصوصاً بالمهد المشترك بينهما وهو منطقة الصحراء الكبرى. وما خرجت به بعض الدراسات الأنثروبولوجية في إطار ثقافي – ديني، تحاول فيه التأكيد بما لا يدع مجالاً للشك على أصول عبادة الشمس المشتركة ومدى ارتباطها بحيوان الكبش عند السكان القدامى لشمال إفريقيا.
بداءة، يمكن القول بأن نشأة “الديانات الوثنية” ترجع في أصولها إلى عصور ما قبل التاريخ، حيث كان الإنسان بصفة عامة سواء في مصر أو العراق أو في المغرب القديم، عاجزاً عن إدراك المعنويات والارتقاء بمستوى تفكيره إلى درجة عالية، فظل حبيس إحساساته المادية؛ فالإله كان لابد أن يكون مجسّماً ملموساً يعيش كي يدركه ويفهمه ويعتقد فيه، بل إن الصفات الإلهية كان لابد أن تكون مادية فتمثل حيوانات أو نباتات.
وللبحث في أسباب هذا الاختيار لشعوب بدائية، يجب أن تلجأ لشروحات بسيطة بساطة ذلك الإنسان.
لقد شعر الإنسان القديم في كل مكان بضعفه وعجزه أمام المعطيات الكونية، فشدّه ميل طبيعي فيه إلى تأليهها، وكان ذلك شيئاً طبيعياً في بلاد أشعت فيه الشمس كشمال إفريقيا، أن تتجه الأفكار إليها قبل غيرها من القوى الكونية. ونظراً لعدم معرفة الكتابة في ذلك العصر، لم نتمكن من معرفة نوع العبادات التي كانت قائمة وقتذاك، وإن كان المختصون قد لاحظوا، بعد دراسة الرسوم الصخرية، المنتشرة في وسط الصحراء، سعة انتشار رسوم لحيوان الكبش والتأكيد عليها في كل شمال إفريقيا.
كانت هذه الكباش ترسم وعلى رؤوسها ما يشبه دائرة بيضاوية أو حلزونية؛ فربط الباحثون بينها وبين شكل قرص الشمس. ولا غرابة في وجود ما يشير إلى قرص الشمس، إذ يبدو أن إنسان شمال إفريقيا قد أعجب بالشمس، فاختار لها رمزاً من المخلوقات التي تعيش بينه وهي الكباش؛ فقدّرها وبجّلها وحلت محل عبادة الشمس في شمال إفريقيا؟
وبذلك هل لرسومات الكباش في شمال إفريقيا صلة بالإله “آمون” المصري وصفوف الكباش على حافتي الطريق المؤدي إلى بهو معبده بالأقصر، وهل فعلاً كان وحي آمون بسيوة([1]) (مصر) محطة عبور آمون طيبة إلى شمال غرب إفريقيا (بلاد المغرب)؟ هذا عن عصور ما قبل التاريخ، فأما في العصور التاريخية، فإننا نجد أنفسنا أمام ثلاثة آلهة في شمال إفريقيا كلها تحمل اسم آمون، آمون طيبة (مصر) ووحي آمون بسيوة، الصحراء الغربية (مصر)، وبعل حامون الإله القرطاجي.
الحقيقة إننا أمام إشكالية متشابكة الخيوط، وكثيراً ما شعر المتخصصون ببعض الغموض يكتنف هذه الآلهة الثلاثة، مما جعلها متشابكة. لذلك سأحاول أن ألقي بعض الضوء على طبيعة كل إله وخصائصه ووظائفه، لكي نؤكد هذا الاعتقاد أو نلغيه، ونبحث في طبيعته ووظائفه لنجد صلته بمعتقد الشمس أو ننقيها.

أ. عبادة الشمس في مصر
ترجع عبارة الشمس في مصر إلى عصور سحيقة في القدم، فكانت الشمس هي الظاهرة الطبيعية التي تسيطر على كل شيء، ولم يكن الضوء والحرارة مبعث تقديسها فقط بل هي كذلك تعطي الحياة مثلها مثل النيل، لذلك اتخذ قدماء المصريين من الشمس إلهاً، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فاعتبروها الإله الأكبر الخالق للكون.
فقد عثر في عصر ما قبل الأسرات في مصر فجر التاريخ، على نقوش في الحضارة “العمرة”، تصور ثوراً يحمل بين قرنيه قرص الشمس كما صور قرص الشمس على أحد الأواني من حضارة “جرزة”([2])، وكلها ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ.
أما في العصور التاريخية، وبفضل السبق الذي أحرزته مصر، في اكتشاف الكتابة، فقد أصبح باستطاعتنا إلقاء الضوء على معتقد الشمس عند قدماء المصريين.
وأقدم صورة تخيلها المصري لإله الشمس، هي شكل صياد بهيئة آدمية ورأس صقر يجدف في زورق من الغاب (زورق من ملايين السنين) عبر المستنقعات السماوية، وهذا هو “رع” إله الشمس المجسمة، ومقره في هليوبوليس (تبعد ببضعة كيلومترات شمال شرق القاهرة) ولعل في اسمها ما يشير إلى صلتها بالشمس. فمن المرجح أنها كانت أول برج يرصد الكهان منه نجم الشمس، ولذلك سمي كبير الكهنة في هليوبوليس بعظيم الراصدين([3]).
أما في الوجه القبلي (جنوب مصر) وبالضبط في مدينة – إدفو -، فقد تقمص إله الشمس طائر الصقر، لأن تحليقه العالي، جعلهم يتخيلونه رفيق الشمس؛ ولهذا أشاروا له بقرص الشمس ذي الجناحين المنشورين. وبهذه الصفة أيضاً عرف باسم “حورس” أو “حور أختي” أي حورس الأفق. وكان حورس أول إله للدولة المصرية لأنه حقق لها الوحدة السياسية، وبالتالي فحورس هو أول إله شمسي عرفته مصر منذ العصور الأولى، وهو صورة من صور إله الشمس رع([4]).
ولقد بقي إله الشمس رع (Re) يُمثّل الطبيعة عصوراً طويلة في مصر؛ وبما أن الديانة في مصر كان لها اتصال وثيق بشؤون القوم وحياة البشر، فقد أصبح رع الإله القومي والإله الرسمي في الدولة المصرية القديمة، والمتصرف في مصير كل الناس. وبهذا انتقل من عالم الطبيعة إلى عالم البشر، فأصبح فيه ملكاً قديماً كان قد حكم مصر يوماً ما.
بل قد اجتهد كهّان هيليوبوليس، ليجعلوا من الإله رع، إله الشمس، السبب في خلق العالم، وتتلخّص نظرية هذه المدرسة، في أن الإله “جب” (Geb) إله الأرض ارتبط بالإله “توت” (Nuts) إله السماء، وكان ثمرة هذا الارتباط الإله رع (Re) خالق الكون الذي يلجأ إلى أمه كل ليلة، وهذا ما يفسر عندهم تعاقب الليل والنهار.
كما ظهرت أساطير كثيرة تتحدث عن حكم إله الشمس رع على الأرض، وكيف اغتاظ يوماً فانتقل إلى عرش السماء، وخلفه أبناؤه الفراعنة على الأرض، ولقد تلقب هؤلاء بأبناء رع مثل الفرعون “نب – رع” في الأسرة الثانية و”خفرع” و”منكاورع” في الأسرة الرابعة…
وعليه نخلص إلى أن معتقد الشمس في مصر كان واضح المعالم، ولإلهه اسم علم هو رع لكن هذا لم يمنع من حصول بعض اللبس بينه وبين الإله آمون الذي يرمز له بحيوان الكبش (في فترة متأخرة) فاعتقد بعضهم أن آمون هو إله الشمس.
ومحاولة لإزالة الغموض، علينا أن نبحث في أصل الإله آمون قبل أن يصبح المعبود الرسمي للإمبراطورية المصرية، فنرجع إلى مدينة “شمنو” التي تعرف باليونانية باسم “هرموبوليس” وهي مدينة تبعد ثلاثمائة كلم جنوب القاهرة.
إذ قبل أن يتربع آمون على عرش الآلهة المصرية، ليصبح إله الدولة وأباً لفراعنتها كان مجرد إله ثانوي في مجموعة آلهة تمثل محل عبادة في مدينة صعيدية في مصر هي “شمنو” “هرموبوليس” وهو ما يلخص نظرية هرموبوليس([5])، حيث يدعي كهانها بأنها أقدم نظرية في خلق الكون.
ومجموع آلهة مدينة شمنو، ثمانية آلهة تمثل أربعة ذكور في هيأة ضفادع وأربعة إناث في هيئة ثعابين، وكل زوج منها يمثل مظهراً من المظاهر التي كانت تسود العالم في البداية.
فالزوج الأول “نون وزوجته نونت” وتمثل الماء الأزلي، والزوج “حوح وحوحت” بمعنى الفراغ اللانهائي، والزوج “كوك وكوكت” ويمثل الظلام والزوج الأخير “آمون وآمونت” ويمثل الخفاء الذي لا يرى أو الهواء([6]).
وبالتالي يظهر آمون أو الهواء على هذه الحال شبه مغمور، حتى اختاره ملوك الدولة الوسطى ورفعوا من شأنه فجعلوه إله الدولة.
وفي دراسة لـ”إيتيان دريوتون” (E. Drioton) يرى هذا الأخير بأن السبب الذي جعل ملوك الأسرة الحادية عشر، يختارون الزوج الأخير من “ثامون – شمنو”، له ما يفسره، فلهذا الإله آمون مكانة خاصة مستقلة عن بقية الآلهة، ولقد ذكر أكثر من مرة في نصوص الأهرامات.
وتُبيّن هذه النصوص بأن آمون كان صاحب عرش وملك، أي أنه كان إلهاً محلياً في العصور العتيقة، خلفه الملك البشري لما توحدت مصر في قطر واحد، وأن الملك “ﺑﻴﺒﻲ” (الأسرة السادسة)، قد ورث هذا العرش عن أسلافه([7]).
أما عن مهام ووظائف هذا الإله، فقد أسفرت بعض الحفريات الأثرية بين مدينتي شمنو (هرموبوليس) وطيبة (الأقصر)؛ عن وجود آثار منقولة صغيرة مثل أزرار وجعول (حيوان صغير مقدس لدى المصريين)، ترجع في مجموعها إلى الأسر السادسة والتاسعة، وتحمل اسم آمون، وأن وظيفته أو من مهامه، أنه كان إله الرياح التي توجه البحارة والسفن فتحميهم من العواصف والصواعق([8]). ولهذا السبب كانت ترسم حروف اسمه على المجاديف.
وهذا ما يؤكد تواجد اسمه ضمن ثامون شمنو، فاسمه يعني الخفي، والهواء لا يرى، مثله مثل الرياح. وبقي على هذه الحال، إلى أن نقله مؤسس الأسرة الثانية عشر وهو أمنمحات([9]) من مدينته القديمة – شمنو – إلى طيبة (الأقصر)، واتخذها عاصمة له، وبنى معبداً لآمون واعتبره حامي الأسرة، وواصل ملوك الأسرة الثانية عشر بعد ذلك، فجعلوا منه الإله الرسمي للدولة الوسطى.
ولما تبوّأ آمون هذه المكانة الجديدة، سعى الكهان إلى إجراء تعديلات في نظرية الكون ليجعلوا من الإله الرسمي آمون أقدم إله في مصر والسبب في خلق الكون.
وبذلك تطورت نظرية الأشموني على أساس أن آمون وزوجه لم يكن مجرد زوج من الآلهة الثمانية، بل وجد أيضاً إله في هيئة الثعبان أطلقوا عليه اسم “كم أت أف” (Kematif) ومعناه «ذلك الذي أكمل زمانه»، أو بمعنى آخر «الذي انتهى أمره»، وكان صورة للإله آمون، وهذا الإله أنجب إلهاً آخر هو “إيرتا” (Irta) بمعنى «خالق الأرض» وقام هذا بدوره بخلق الثمانية آلهة الأولى التي منها نشأت الخليقة؛ ومع ذلك فقد كان في نظرهم كم أت أف هو آمون العظيم معبود الأقصر([10]).
وبالتالي يمكن القول ( وطبقاً لما سبق ذكره – بأن هناك ثلاثة أجيال للإله آمون:
– الثعبان “كم أت أف” الذي اندمج مع آمون معبود الكرنك.
– الثعبان “إير – تا” الذي اندمج مع آمون الأقصر فيصوّر كرجل واقف وعضوه التناسلي منتصب ليؤكد قواه الخالقة.
– آمون وهو ضمن الثمانية آلهة التي خلقها “إرتا” وهو الذي تطوّر إلى إله الدولة، وأصله من طيبة وليس من “هرموبوليس”.
ولقد سبحت الثمانية آلهة من طيبة إلى هرموبوليس، فوضعوا بيضة انبثقت منها الشمس. كانت هذه هي طبيعة الإله آمون في مضمون النظرية أو الأسطورة، أما على الصعيد الحياتي (حياة البشر)، فلقد مر الإله آمون بثلاثة مراحل هي:

أولها: إله بدائي مغمور لا يعرفه إلا فريق صغير من الكهان ثم تطور أثناء المرحلة الانتقالية الأولى ليرتقي إلى إله محلي لمدينة طيبة لأسباب سياسية، ثم تطور ليصبح إله الأسرة الحاكمة (الأسرة الثانية) ثم ترقّى بعد ذلك إلى إله الإمبراطورية المصرية في الأسرة الثامنة عشر.
وفي منصبه الجديد، امتزج مع الإله رع، فأصبح يعرف باسم “آمون – رع” بغية اكتساب صفات رع ونفوذه القوي بين الناس، وأيضاً ليعطيه الشرعية.
ومن وظائف آمون في الدولتين الوسطى والحديثة، أنه كان يمارس منح الحياة للفرعون، وذلك عن طريق تقديم علامة “الحياة” بالهيروغليفي “عنخ” وكذلك تقديم “واس” بالهيروغليفية أي “السعادة” وأيضاً “حد” أي “الشبات”.
وبالتالي فلا يكاد يخلو نص دون الإشارة فيه إلى أن آمون إنما هو الذي يمنح الفرعون الحياة والدوام والسعادة والصحة.
ولكن أخطر وظيفة جعلته يتدخل مباشرة ويسيطر على الحياة السياسية في مصر، كانت عندما أضحى آمون أباً فعلياً للفرعون، ينجبه بالاتصال كزوج، بأمه الملكة.
وكثيراً ما نصادف في نصوص الدولة الحديثة عبارة “إبني من جسدي” وعبارة “إن فرعون قد صنع كذا وكذا لأبيه آمون…”.
هذا فضلاً عن نصي الولادة المشهورين، أحدهما في الدير البحري، ويتحدث عن ولادة الملكة حتشبسوت من الإله آمون وأمها أحمس.
والنص الثاني من معبد الأقصر عن ولادة “امنحتب الثالث” من الإله آمون وأمه “موت أم ويا”([11]). وفي النصين معاً إنما نرى الإله يتخذ شخصية “الزوج الأب” ثم يتصل بالملكة اتصال الرجل بزوجته.
وبعد تتبعنا لطبيعة هذا الإله ووظائفه، لم نصادف ذكراً لمعتقد الشمس إلا مرتين:
أحدهما في الدولة الحديثة، لما أصبح يُعرف بآمون رع والشمس هنا من مهام الإله رع وليس آمون.
أما في المرة الثانية لما أدرجنا قصة “ثامون الأشموني” وكيف سبح هؤلاء من طيبة إلى هرموبوليس، ووضعوا البيضة التي انبثقت منها الشمس. وهنا نذكر بأن كل المدارس الكهنوتية في مصر القديمة أسندت مهمة الخلق لآلهتها، وبما أن العالم كان عبارة عن مياه أزلية، كان لابد من شمس ساطعة تجفف الكون وتظهر الأرض عليها، فكانت الغلبة في ذلك لمدرسة هليوبوليس وإلهها رع.

ب. الآلهة المصرية وحيوان الكبش
لقد احتلت الكباش مكانة عظيمة في المعتقدات الدينية لدى قدماء المصريين ولم يكن آمون الإله الوحيد الذي ظهر في صورة حيوان الكبش، وهنا يجب التأكيد بأن هذه الصورة لم تكن صورته الوحيدة. فإله مدينة “هرقليوبوليس” (أهناسيا حالياً في مدخل الفيوم) الإله حرشيف وكذلك الإله “خنوم” رب مدينة “إلفنتين” وأيضاً إله مدينة “منديس” يأخذون جميعهم شكل الكبش…
ولقد تمتع “الإله الكبش” في مدينة “منديس” بشعبية كبيرة جداً، وأصل كلمة منديس بالمصرية القديمة هي “دجدت” Djedet ويقترب من أصل كلمة “دجدو” Djedou وهي مدينة بوزيريس موطن الإله أوزيريس([12]). ولقد فسر “دريوتون” الصلة بين المدينتين في الجذر المشترك بين الاسمين وهو “Djed”، وهذا الجذر المشترك يشير إلى أن الإلهين “أوزيريس” و”كبش منديس” امتزجا مبكراً؛ والمقطع “Djed” بالمصرية القديمة كان رمزاً من رموز الشمس([13]).
ويعتقد “دريوتون” الذي اهتم كثيراً بموضوع الديانة في مصر، أن روح “رع” وروح “أوزيريس” في المعتقد المصري القديم قد التقيا في منديس، فكان الارتباط والاتحاد شديداً بينهما حتى انبثقت عن ذلك كبش منديس([14]).
أما الهيئة التي ظهر فيها “آمون” برأس كبش، فهي من الكباش المخصبة الطلوقة، التي توهم أصحابها بأنها آية من آيات ربهم على الأرض.
وتتميز كباش آمون عن غيرها من الكباش بالقرون الملتوية حول الأذنين، بينما كانت قرون غيرها مستعرضة؛ ولقد سبقتها الكباش الأخرى في الظهور، أما كبش آمون فيرجع إلى أيام الهكسوس([15]). ولقد تتابع في وادي النيل سلالتان من الكباش، والسلالة الأقدم عبارة عن حيوانات قرونها أفقية مستعرضة وتظهر على نقوش مقابر الدولة القديمة، وقد اختفى هذا النوع في الألف الثانية قبل الميلاد، ولكنه ترك قرونه ذكرى فوق تيجان الإله والملوك. ولهذا الأساس كانت لـ”آلهة الكباش” أربعة قرون في أكثر الأحيان.
أما السلالة الثانية من هذه الكباش فتتميز بقرون مقوسة تلتف حول الأذنين لتعود إلى فكّي الحيوان. ومن خلال استعراض الأشكال التي ظهر بها الإله آمون، نخلص إلى الرأي التالي وهو: أن اتخاذ آمون لشكل حيوان الكبش لم يكن للحيوان نفسه وإنما لإحدى صفاته التي تميز بها الحيوان وهي الإخصاب.
هذه الصفة، الإخصاب – الموت ثم الحياة من جديد – هي صفة لصيقة بالإله أوزيريس الذي امتزج مع الشمس فأعطى كبش منديس.
وكذلك بدت هذه الصفة ظاهرة عند آمون لما اتخذ شكل الإله “مين” وهو واقف في شكل مومياء وقضيبه منتصب ليؤكد قواه الخالقة.

ﺟ. عبادة الشمس في ليبيا أو (لوبيا) وصلتها ببعل “حمون” ووحي
آمون “بسيوة”
إن حظنا في تسليط الضوء على موضوع المعتقدات الدينية عند قدماء الليبيين ضعيف، والسبب يكمن في التأخر الذي شهدته ليبيا (شمال إفريقيا ما عدا مصر) في التوصل إلى الكتابة. وربما يكمن أيضاً في أن القوم لم يهتموا كثيراً بمعتقداتهم الدينية، في منطقة شحّت فيها الطبيعة على عكس جيرانهم المصريين…
لذلك فإن بحثنا عن أصل عبادة الشمس عند الليبيين، يتوقف عند الرسوم الصخرية (Art Rupestre) الوفيرة لموضوع حيوان الكبش – وفي أحيان قليلة – لموضوع حيوان الثور وعلى رأسه شكل حلزوني يشبه قرص الشمس.
لقد اعتبر – جل الباحثين – هذه الرسوم على أنها ذات دلالة واضحة لتعظيم وتبجيل القوم لهذه الظاهرة الطبيعية وهي الشمس؛ فاختاروا لها، كما هي العادة لدى الأقوام القديمة، حيواناً يشبه في قوته وأناقته الشمس، فلم يجدوا أحسن من الكبش.
غير أن باحثين آخرين، ذهبوا وبكل بساطة إلى الربط بين موضوع هذه الرسوم الصخرية وبين صفّي الكباش المؤدية إلى بهو معبد الإله “آمون – رع” بالأقصر، وتم اعتبار ذلك خطأ إلهاً للشمس([16]).
وعلى أساس ذلك نتوقف لنطرح هذه التساؤلات: هل فعلاً عبد قدماء الليبيين الشمس؟ وإذا كان الجواب بنعم، فهل اختاروا حيوان الكبش رمزاً لهم؟ وما الصلة التي تربطه بإله المصريين آمون؟

– الرسوم الصخرية وحيوان الكبش
لقد انتشرت الرسوم الصخرية لحيوان الكبش وعلى رأسه شكل حلزوني وأحياناً دائري يشبه قرص الشمس في كل شمال إفريقيا أو ليبيا (قديماً) وهي أوفر وأغزر عدداً في الأطلس الصحراوي([17]).
وأشهر كبش في تلك الرسومات هو ما ينسب إلى “بوعلام” في البيّض جنوب وهران، ثم كبش فجّة الخيل (بقسنطينة) وكبش عين ناقة (بالجلفة).
ولقد اعتمد المتخصصون في تصنيف هذه الرسوم على تقنيات الحفر المتبعة بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى مؤشرات أخرى مثل عملية الزّنجرة (لون الرسم) فأرجعوا أقدمها إلى العصر الحجري والحديث. وإن كان هناك من يعتقد بأنها تعود إلى فترة أقدم أي إلى العصر الحجري القديم الأعلى.
ولكن باكتشاف بعض الهياكل البشرية والأدوات الحجرية التي تعود إلى أصحاب هذه الرسوم، تمكن الباحثون من حسم الأمر باستخدام الكربون المشع (C14) الذي أعطى لها عمراً يقدر بـ5000 سنة ق. م([18]).
وتفسير حرص سكان المغرب القديم على رسم حيوان الكبش بكثرة وأحياناً قليلة جداً حيوان البقرة أو الثور وفي كل المواقع، بأن هذا الحيوان كان محل عبادة قد تكون الشمس؛ وأن الكبش قد اتخذ كرمز لها.
وهذا الاعتقاد يشكل شبه إجماع عند معظم الباحثين، غير أن هناك من يرى بأن هذه الكباش هي عبارة عن قرابين للتضحية وليست المعبود نفسه؛ ودليلهم في ذلك ظهور الكباش في الرسوم الصخرية وعنقها محاطة برباط وهي تتبع صاحبها مثل ما هو الحال في كبش فجة الخيل مثلاً.
فلو كانت هذه الكباش هي المعبود ما أدار لها الرجل ظهره، بل الأصح أن يكون مقابلاً لها، أي في وضحية المتعبد([19]).
لكننا في الواقع نستبعد هذا الرأي لعدم مطابقته للحقيقة. فلو كان الأمر كما يزعم أصحابه، لظهر على الرسم صورة للمعبود وهو أهم من القربان؛ إذ أن كل الرسوم على كثرتها لم تُظهر هذا المعبود المزعوم.

– المصادر الأدبية
بالرجوع إلى الكتابات اليونانية، يشير هيرودوت أب التاريخ إلى أن قدماء الليبيين، كانوا يقدمون القرابين لإلهي الشمس والقمر ولم يذكر شيئاً عن صفات هذا الإله واسمه.
كما ذكر هيرودوت أيضاً، أن سكان واحة سيوة (الصحراء الغربية لمصر) كانوا يعبدون الشمس أيضاً، وأنهم كانوا يخصصون لهذا الغرض بركة مقدسة لذلك([20]).
في حين انفرد ميكروبيوس Microbius بذكر اسم إله الشمس الغاربة التي يتقرب لها قدماء الليبيين ويسمون هذا الإله “حمون”. أما في القرن السادس ميلادي فقد تكلّم كوريبوس Corripus عن إله كان يعبده الليبيون في صورة ثور جرز (Gurzil) والذي كان نتاج علاقة حدثت بين آمون وبقرة([21]).
وفي الكتابات العربية أشار البكري (وهو جغرافي عربي من القرن الحادي عشر الميلادي وصاحب “معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع”) إلى قبيلة جبلية جنوب المغرب كان لها معبود في صورة كبش (وأن هذه القبيلة كانت تخفي أمر هذه العبادة عن الآخرين). أما قبيلة – لواتة – في خليج “سرت” فإنها كانت توكل مهمة حماية ماشيتها إلى تماثيل صغيرة من حجر أو معدن لإله اسمه حرزة([22]).
وهذه النصوص البونيقية من معبد الحفرة (ضواحي قسنطينة)، تتكلم عن إله قرطاجي – بعل حمون – وله صلة بمعتقد الشمس لأنه تم العثور على قرون الكبش ضمن العتاد الجنائزي للكثير من المقابر القرطاجية.
وكذلك تمثال الإله بعل حمون تمثله رجلاً جالساً على عرشه وفي يده اليسرى كبش صغير…
وبالتالي نخلص إلى عبادة حيوان الكبش أو البقرة كانت موجودة في بلاد “لوبيا” مهما تفاوتت تسميتها من حمون، جرز أو جرزة أو بعل حمون، ويعتقد بأنها تمثل إله الشمس…
– بعل حمون
أهم آلهة قرطاجة هما بعل حمون والإلهة تانيت، وهو مزج بين إلهين بعل الفنيقي وحمون اﻟﻠﻴﺒﻲ المحلي الذي ذكره كوريبوس… (وهي عبادة متبعة في بلدان الشرق القديم عموماً).
وفي مجمع آلهة الفينيقيين بعل هو ابن إيل داجون وإيلات عشيرات. وفي اللغة السامية بعل تعني السيد، وكان لكل مدينة من المدن الفينيقية آنذاك بعلُها أي سيّدها وهو جد ملوكها ومخصب أرضها؛ وبالتالي فإن بعل الفينيقي كان يرمز إلى القوة والخصوبة أيضاً([23]).
ويبدو أن هذا المزج بين الإله الفينيقي بعل واﻟﻠﻴﺒﻲ حمون، ظهر مبكراً؛ إذ ذُكر لأول مرة في نقيشة زنجرلي التي ترجع إلى القرن التاسع (ق. م)، وقد كتب اسمه مع “بعل صفون” على تميمة اكتشفت في لبنان؛ ثم انتقلت عبادته إلى مدينة تدمر في القرن الأول (ق. م).
أما ظهوره في قرطاجة لأول مرة فيرجّح أن ذلك يرجع إلى القرن السابع (ق. م). وانتشرت عبادته في العالم البوني، وأقيمت له آلاف الأنصاب التي تخلد ذكرى تقريب الأطفال الصغار وأحياناً أخرى قرابين بديلة([24]).
إن ظهوره المبكر في لبنان يجعلنا نتساءل إن كان “حمون” هذا، هو نفسه الإله اﻟﻠﻴﺒﻲ الذي ذكره كوريبوس، أم أنه إله آخر في فينيقيا؟…
غير أننا نتبين من خلال الوثائق المتوفرة أن هذا الإله الفينيقي لم يلعب دوراً بارزاً في الشرق الأدنى القديم؛ في حين عرفت عبادته انتشاراً واسعاً في العالم البوني، مما جعل الباحثين يؤكدون بأن هذا الإله محليّ ويرجع أصلاً إلى التحام الإله الفينيقي بالإله المحلي، إله آمون سيوة([25]).
– وحي آمون بـ”سيوة”
سيوة هي أبعد واحة مصرية عن نهر النيل، وتقع في الصحراء الغربية على حدود ليبيا (حالياً)، ولقد تطرقنا لذكر هذه الواحة عندما تعرضنا إلى عبادة الشمس عند سكان الواحة، وقد قال عنهم هيرودوت بأنهم يعبدون الشمس وخصصوا لذلك منبع ماء مقدّس. وليس بغريب أن يتقرب القوم من هذا المنبع ويبجّلوه لأنه كان يسبب الحياة وعليه يتوقف مصيرهم.
ولأهمية ذلك بالنسبة لقاطني هذه المنطقة، تطرق هيرودوت إلى وجود إله للوحي في “سيوة” Siwa أطلق عليه اسم “زوس – آمون”، والإغريق يربطون دائماً الآلهة الأجنبية بما لديهم من آلهة، لذلك ربطوا بين إله المنطقة آمون بإلههم “زوس”. لكن هيرودوت – للتذكير – يفرق بين إله سيوة وإله طيبة. على هذا الأساس يطلق على الثاني “زوس – طيبة”.
ولقد اعتبر الكثير من الدراسين وحي آمون في سيوة، صورة من صور آمون طيبة العظيم. لكن في الآونة الأخيرة ونتيجة للاكتشافات الحفرية والأبحاث؛ ظهر رأي آخر، ومن أنصاره أوريك – بيتس (Oric Bates)، ومفاده
«أن إله طيبة عندما وصل إلى سيوة امتزج بإله محلي فيها، معروف بتطلعه للمستقبل، وهذا الإله مرتبط بعبادة الأموات»([26]).
وإذ أؤيد هذا الرأي أؤكد على ارتباطه وصلته الوثيقة بإله محلي هو آمون اﻟﻠﻴﺒﻲ وذلك للأسباب التالية:
– أما من ناحية جذر اسم “بعل” فيرجع إلى الإله الفينيقي بعل الذي له نفس صفات ووظائف إله سوريا “حدد” وإله الرافدين “أدد”.
واسم بعل مشتق من جذر أُخذت عنه الأفعال كسر، أرعد، أبرق؛ فهو إله يتولى أمر القمم والعاصفة، والرعود والمطر الجالب للخصب.
أما إلهة الشمس عند الفينيقيين فهي أنثى “الإلهة ساباش”، وكذلك من صفات إله صور الإله ملقارت الشمس قبل أن يصبح إلهاً بحرياً.
ولقد وجدت صلة وثيقة بين الإلهين القرطاجي “بعل حمون” و”ملقارت”.
ولقد أدرك القدماء الصلة بين الإلهين إدراكاً واضحاً حينما وصفوهما جميعاً بأنهما من الملوك، ونقرّ وجود هذه الصلة بعبادة التضحية البشرية لهذين الإلهين.
وللتأكيد على ما نذهب قام “قزال” (Gzell) بترجمة اسم بعل – حمون بمعنى “سيد المعبد” الذي تقدم فيه الأضاحي البشرية والأضاحي البديلة؛ وبذلك فبعل حمون تبعاً لرأي قزال دائماً – تعني سيد المبخر أو نار الجمر-([27]).
تعتبر واحة سيوة المعروفة في اللغة المصرية القديمة باسم “سخت إيما” أي أرض النخيل، من المواقع المهمة التي سكنتها القبائل الليبية من التحنو والتحمو؛ وهذا منذ بداية التاريخ الفرعوني.
ولأنها أيضاً المقاطعة السابعة في الدلتا المصرية لم تتسع غرباً أبعد من بحيرة “مريوط” لأن الأراضي الواقعة غرب البحيرة ومنها سيوة لم تكن تحت النفوذ المصري الفرعوني.
ومن خلال الآثار والنصوص المصرية القديمة، يتبين لنا أن أربع واحات فقط كانت معروفة في نهاية الدولة القديمة وهي: البجيرة، فرافرة، الخارجة والداخلة. وبقي الأمر على هذا الحال حتى القرن السادس (ق. م)([28]).
هذا من خلال النصوص المكتوبة أما عن الآثار القائمة فأقدم أثر فرعوني في واحة سيوة، يرجع للأسرة السادسة والعشرين 663-525 (ق.م) وبالضبط في عهد الملك “أحمس – سانيت” المعروف عند الإغريق باسم “أمازيس”، ومعبد آمون الذي وصفه هيرودوت في سيوة، تم بناؤه في عهد هذه الأسرة.
ويرى عالم المصريات محمد إبراهيم بكر بأن طراز هذا المعبد في سيوة، يوحي بأنه لمعبود آخر مستقل خاص بالواحات وهو إله المياه، وأنه ارتبط متأخراً بالمعبود المصري آمون فأطلق عليه الإغريق اسم زوس آمون، واللاتين جوبيتر – آمون([29]).
ونشير في هذا السياق إلى أن حُكّام الواحات كانوا من أحفاد المشواش. وقد ذكر هيرودوت ملك سيوة إتيارخوس وهو من الليبيين.
ومن جهة أخرى فإن وحي آمون بـ”سيوة” كان مشهوراً في كل الحوض الشرقي للبحر المتوسط، «لصدقه في التطلع للمستقبل والقدر»([30]). وهو الأمر الذي أدى بخروج قمبيز الثالث من معبد آمون طيبة – وهو راض عنها – على رأس جيش متوجهاً إلى سيوة ليدمر ويحرق معبد وحي آمون ويستعبد أتباعه.
وبالتالي فإن هذا الاختلاف في المعاملة يوحي أن آمون طيبة وآمون سيوة إلهان مختلفان… وما يثبت ذلك هو أن هيرودوت قد فرق بين الإلهين زوس آمون وزوس – طيبة، وهذا الاختلاف في الكتابة ما زال قائماً في اللغات الأوربية Ammun بتشديد الميم للإشارة إلى آمون سيوة Amon، بالنسبة لآمون طيبة.
وعن أصل آمون “سيوة” يروي هيرودوت قصة مفادها أن الفينيقيين خطفوا امرأتين مقدستين من طيبة، بيعت إحداهما في ليبيا والأخرى باليونان، وأن هاتين المرأتين هما اللتين أنشأتا الوحي عند الشعبين المذكورين([31]).
ويعتقد هيرودوت أيضاً بأن جالية من كهّان “آمون – طيبة” المستائين من حكم المشواش الليبيين هاجروا من طيبة إلى الواحة (سيوة) مباشرة في عهد الملك شيشنق؛ أو في وقت لاحق من السودان حيث استقروا.
وعن شكل إله سيوة فإننا نلاحظ بأن هذا الإله أي “الإله اﻟﻠﻴﺒﻲ آمون” لم يحافظ على صورته مع مرور الزمن، فهذا الباحث Daressy قد تعرّف على صورته من ضمن ثلاثة تماثيل عثر عليها في الكرنك، وكان مكتوباً على قاعدتها آمون اﻟﻠﻴﺒﻲ وقال بأنه قد كانت له صفة خاصة غير مميزة وغير واضحة، لا هي صفة إنسان ولا هي صفة حيوان (أما آمون المصري فقد كانت له صفة آدمية).
كان هذا التمثال عبارة عن كتلة من حجر غريبة الشكل، تتخذ وضعية الجالس على العرش مثنية أي مطوية وعلى رأسها ريشتان([32])، مثل التي كانت على رأس آمون طيبة (الأسرة 12، القرن ق).
ويستطرد – دراسي – في وصف التمثال، بقوله بأن هذا الشكل قد ذكّره بوصف هيرودوت للجسم أو الشيء الذي يحرق عليه النسامون([33]) (قبيلة ليبية) موتاهم، ويخلص إلى القول بأن الشكل ككل هو عبارة عن جسم ملفوف بجلد ثور معد للحرق([34]).
وحسب رأي “بيتس” (Bates) فإن هذا الوصف ربما يحل لغز طبيعة آمون سيوة وهي الوحي، ذلك لأن عبادة الأرواح كانت متجذرة بعمق في المجتمع اﻟﻠﻴﺒﻲ، وأنهم كانوا يستعينون بالأموات في التطلع إلى المستقبل، وهي عبادة شائعة عند النسّامين حيث «كان النسّامون يلجؤون إلى قبور الرجال الذين كانوا في حياتهم مشهورين بالعدل والكفاءة فيضعون أيديهم على هذه القبور وأحياناً يستلقون على قبورهم وما يتراءى لهم في نومهم، يكون جواب أجدادهم حول مشاكلهم واختلافاتهم»([35]).
ولهذا السبب اشتهر آمون سيوة، كأسلافه الذين عرف عنهم التطلع إلى المستقبل، فأصبح متخصصاً في الوحي هو الآخر، وبما أن حيوان الكبش المقدس كان واسع الانتشار بين الليبيين، فربما اعتقدوا أن وحي آمون هو أحد صُوره، أو أن حيوان الكبش كان الطوطم الذي احتمى به الليبيون الذين اعتقدوا بالإله آمون في سيوة.
وبعد أن تتبعنا تطور آلهة آمون الثلاثة، “آمون طيبة” و”آمون سيوة” و”بعل حمون” وتعرفنا على طبيعة كل منهم، وظائفه ومهامه، نخلص إلى
ما يلي:
1 – لما عثر الباحثون على رسوم الكباش على صخور شمال إفريقيا، تذكروا ما رأوه من صفوف كباش محاذية للطريق المؤدي لمعبد آمون بالأقصر. وانطلاقاً من فكرة عراقة الحضارة المصرية القديمة، حكموا بأن كباش شمال إفريقيا هي صور من الأصل أي آمون المصري.
فلما توالت الدراسات والأبحاث وتعمقت أكثر حول ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا، تمكن بعض المتخصصين في هذا الميدان من تاريخ هذه الرسومات إلى حوالي 5000 (ق. م)، وبالتالي تمّ إلغاء النظرية القائلة بأن آمون المصري هو الأصل في ذلك، وأن كباش شمال إفريقيا أقدم من الصفة التي اتخذها آمون المصري في صورة الكبش في حوالي 2000 (ق. م) بل إن هناك من يرجع سلالة كباش آمون ذات القرون الملتوية إلى مرحلة الهكسوس فقط أي ما بين 1800 (ق. م) 1600 (ق. م).
2 – هناك صفة أخرى تربط بين الآلهة التي سبق ذكرها غير صفة الشمس وهي صفة الإخصاب.
– فهذا الإله آمون المصري يتخذ صورة “مين” (Min) وعضو التذكير منتصب وهو (رمز الإخصاب).
– وبعل الفينيقي يرتبط مع “بعل – حمون” أيضاً حيث يتولى أمر الرعود والأمطار الجالبة للخصب ومن ثم فهو إله الخصب والإخصاب. وذلك لأن أهم مظاهر الفكر الديني تتصل بعقيدة الخصوبة والإنتاج، وهذا موجود في فينيقيا: مجموعات ثلاثية من إله للمدينة وزوجته وابنهما وتمثل هذه الصورة انبثاق الحياة الجديدة السنوية.
– لقد تصور القدماء ومن بينهم المصريون، بأن الكبش الفحل متكفل بربوبية الإخصاب الجنسي وصوره، ولهذا رمزوا إلى أرباب الإخصاب بحيوية الكبش الطلوق، ويأتي على رأسهم أوزيريس ونهر النيل (أي مصدر الماء) ([36]).
– لقد ذكر هيرودوت أن سكان سيوة يعبدون الشمس وخصصوا لذلك “بحيرة مقدسة” وأعتقد أن الماء في هذه المرة مرتبط بإله الخصوبة الذي هو ملازم للشمس لإخصاب الأرض.
ولا يمكن أن نباعد بين عبادة الشمس التي سادت العالم القديم، وبين عبادة عضو التذكير (آمون في صورة مين بقضيب منتصب)، لأن درجة الشبه بين الاثنين قوية فالشمس عامل إخصاب أساسي في الأرض([37]).
– قد يرجع ربط المصريين في الدولة الحديثة بين آمون ورع على أساس ما تم ذكره آنفاً، أي أن آمون من أرباب الإخصاب ويشترط معه وجود الشمس رع.
– وبهذا نخلص إلى الفرضية التالية: أن الليبيين القدماء كغيرهم من الشعوب القديمة تنبّهوا لهذه الصلة الوثيقة بين الشمس والماء لإخصاب الأرض فرمزوا للإلهين بصورهما البدائية.
وبالتالي أتت عملية المزج بين الكبش والشمس، فكانت الصورة على الصخور هي الكبش وعلى رأسه قرص الشمس؛ وهما شرطان أساسيان لزرع الحبوب ونموها ثم بلوغها (نموها) عن طريق حرارة الشمس ثم حصدها وهي الصورة أيضاً التي تمثل دورة الحياة، والتي تمثل أحذ مظاهر الفكر الديني القديم عموماً، القائمة على عقيدة الخصوبة والإنتاج.
————————–
-1-سيوة: هي واحة مصرية بالصحراء الغربية، وهي أبعد واحة عن النيل. الأقصر: تقوم محل مدينة طيبة سابقاً، موقعها في صعيد مصر.
[2]) العمرة وجرزة = حضارتان ترجعان لعصر ما قبل الأسرات حوالي 4000 سنة ق. م، وموقعهما في مصر الوسطى (بني سويف).
[3]) أحمد بدوي، في موكب الشمس، القاهرة، ط. 2، 1955، ص. 157.
[4]) محمد عبد القادر محمد، الديانة في مصر القديمة، دار المعارف، القاهرة، 1984، ص. 32.
[5]) تساءل المصري القديم عن نشأة العالم المحيط به وعن كنه المخلوقات والظواهر الطبيعية، واهتدى إلى فكرة تتمثل في أن الكون كان عبارة عن مياه أزلية ثم برزت من تحتها الأرض تدريجياً وعليها نبت الزرع ودبت الحياة، ولقد اختلفت الأساطير حول نشأة الكون، فكل إقليم حاول أن يجعل إلهه المحلي الإله الخالق للكون. ومن أهم المدارس الدينية: هليوبوليس، منف، هرموبوليس.
[6]) Jaques Vandier, La région Egyptienne, Paris, Presse Universitaire de France, 1944, p. 61.
[7]) Etienne Drioton, Les origines du culte Damon Thébain, cahiers d’histoire Egyptienne, série 4, Fasc 1/ 2, Aout, p. 13.
[8]) E. Drioton, Amon avant la fondation de Thebes…, Bulletin de la société Française d Égyptologie, N° 13 Juin, Le Caire, 1953, pp. 37-38.
[9]) أمنمحات: تبركاً بالإله المحلي لطيبة آمون، واسمه يعني آمون في المقدمة، ولقد خاض حروباً انتصر فيها وأسند النصر لإلهه آمون.
[10]) Vandier, op. cit., p. 62.
[11]) محمد بيومي مهران، مصر الفراعنة، ج 3، عصر الإمبراطورية الأولى، الإسكندرية، 1983،
صص. 64-65.
[12]) التعاليم الدينية المصرية ومنها الملكية المصرية قائمة على دعامتين هما إله الشمس “رع” وإله “أوزيريس” للإخصاب وهو من مميزات نهر النيل.
[13]) Vandier, op.cit., p. 22.
[14]) محمد بيومي مهران، مصر الفراعنة، المرجع السابق، ص. 307.
[15]) محمد عبد القادر محمد، الديانة في مصر القديمة، ص. 258.
-1- لقد وضحنا هذا اللبس الذي حصل للإله آمون لما امتزج في الأسرة الثامنة عشر بإله الشمس رع. (انظر الجزء الأول من المقالة).
[17] Henri L. Hote, Les gravures rupestres d l’Atlas; Sahraoui “Monts ses Ouled-Nail et région de Djelfa”, Alger, entreprise nationale arts des graphiques, 1987, p. 280.
[18]) رسوم الكباش في الصحراء غير مزودة بما يشبه قرص الشمس. Henri Hote, Ibid., p. 222.
[19]) Gabriel Camps, Les Berbères: Mémoire et identité, seconde édition, France, 1987, p. 149.
[20]) Oric Bates, Estern Libyans, London, Frankcass Coltd, 1970, pp. 187-188.
[21]) G. Camps, op. cit., p. 150.
[22]) Oric Bates, op. cit., p. 188.
[23]) أحمد الفرجاني، العلاقات بين الشرق الفينيقي وقرطاجة، المعهد الوطني للتراث، بيت الحكمة، تونس، 1993، صص. 166-167.
[24]) المصدر نفسه.
[25]) G. Camps, op. cit., p. 158.
[26]) O. Bates, op. cit., pp. 193.
[27]) أحمد الفرجاني، العلاقات بين الشرق الفينيقي وقرطاجة، المرجع السابق، ص. 170.
[28]) Ahmed Fakhri, The Egyptian Desserts, V. 1, Bahria Oasis. Cairo: Boulaq, 1942, p. 0.
[29]) محمد إبراهيم بكر، صفحات مشرقة من تاريخ مصر القديم، القاهرة، 1984، ص. 285.
[30]) هيرودوت، هيرودوت يتحدث عن مصر، ترجمة محمد صفر خفاجة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1987، ص. 134.
-31-كان ملك ليديا عام 550 (ق. م) يستعد لحرب مع الفرس فأرسل سبعة آلهة مشهورة يستشيرهم فيما ينويه وكان ضمنهم آمون سيوة وليس آمون طيبة.
[32]) الريشتان رمز لازم القبائل الليبية منذ ظهورها على جدران الملك ساحورع في الأسرة الخامسة (القرن 25 ق. م).
[33]) نسامون قبيلة سكنت واحة أوجيلة (بليبيا) والواحة ما زالت تحافظ على اسمها.
[34]) Oric Bates, op. cit., p. 194.
[35 Hérodote, Histoire, Livre 4, Textes Etabli traduit par Le Grand, Paris, Les Belles Lettre 1945, p. 172.
[36]) محمد بيومي مهران، مصر الفراعنة، المرجع السابق، صص. 307-308.
[37]) نجيب ميخائيل إبراهيم، مصر والشرق الأدنى القديم، ج 3، سورية، دار المعارف، القاهرة، ط. 2، 1964، ص. 66.

————————

* قسم التاريخ – جامعة وهران/ مجلة التارخ العربي